الرئيسية بلوق الصفحة 20

أجوبة على تساؤلات، ردود على إشكالات، توضيح لمقالات، فيما جرى من مناقشات، حول #كارثة_الطوفان (5)

كارثة الطوفان ( 5 )

الحمد لله

٧. ولمن صُدم بسماع رأي آخر غير الذي يراه ويسمعه من محيطه (الملتزم) نقول له: أنت توقعت أن كل مخالف لأصحاب الضجة الإعلامية والتي ترعاها قنوات مشهورة، والضجة الحزبية والتي لها امتدادات عالمية أنهم مثبِّطون ومخذّلون وأصحاب أجندات عدائية، وهذا من ضعف الداخل وقوة الخارج، فأنت تظن أن صوت الشهرة والكثرة هو صوت الحق! وهذا باطل بيقين، وتحتاج لزمن لتعلم حجم التضليل الذي يمارسه هؤلاء في التأثير على القواعد.

وكلما جاءك هذا الخاطر تذكر موقف الشيخ القرضاوي وقد قضى عمره في الدعوة والقتال (كما قال هو ونشرتُ مقطعه في صفحتي الفيسبوك) في الدفاع عن الشيعة عموما وعن حزب اللات خصوصا، ثم تراجع وشهد لخصومه أنهم كانوا أنضج وأفهم منه بالحقيقة، ثم قل لنفسك: يا ترى كم يوجد مثله الآن في الملفات المعاصرة؟.

– وتذكروا أيها المخالفون عموما والأصحاب خصوصا حال وموقف أصحاب الضجة الإعلامية والحزبية أيام قتال صدام للأمريكان، فقد كان الناس بسببهم في حالة (سُكر وهيام) فيما كان (بعض الكبار) في ضلال كبير تعلقا بالأوهام واستقواء بالخيال (والحال قريب من اليوم) فقد ظنوا -بسذاجة بالغة- أن صداما يمكنه حرق (٣٣) دولة في حرب جُهز لها ما لا يخطر على بال، وقد أقسم (دكتور شريعة) أن الله تعالى سينصر (صدام حسين)! والناس تكبر وتهلل!،

وقال (دكاترة شريعة أيضا): “صلى بنا صدام حسين بنفسه صلاة المغرب فقرأ فيها سورة البقرة كاملة”! وقال (دكتور شريعة آخر -معروف بتهريجه-) “جئت من إيران وقد لبس الشيعة أكفانهم لقتال الأمريكان”! [ وكل ذلك عاصرته وشهدته وكله جرى في الأردن أصلا، وإنما ذكرت تخصصهم لمعرفة حجم التأثير على العامة وتضليلهم ].

وكل ذلك من الكذب والتضليل مما جعل الشباب والناس يزدحمون في المساجد ويظنون النصر (قاب قوسين أو أدنى) -كما هي عبارة أبو مرزوق -، ولما هزم صدام سمعنا عن سب وشتم للرب تعالى، وخلت المساجد من روادها في وضع مخز قبيح.

[ وللأسف الشديد فقد كانت ظاهرة سب الرب تعالى ودينه موجودة قبل الطوفان، وقد ناقشت ذلك مع بعض طلبة العلم أثناء زيارتي لغزة وأقروا بوجودها بكثرة، هذا مع الاستقرار والأمان الذي كانوا يعيشونه، ثم ازدادت هذه الظاهرة بشكل كبير مع ما يلاقيه هؤلاء (المرتدون) من شدةٍ في العيش، وخاصة مع تحميلهم لحماس مسئولية ما هم فيه، وقد رأيت ذلك بنفسي في بعض صفحات يكتب فيها عامة أهل غزة وقرأت بنفسي سب ربنا تعالى، وقد وثق هذا بعض إخواننا من طلبة العلم وغيرهم من أهل غزة، ثم يحدثونك كذبا على أرقام فلكية فيمن دخل في الإسلام ترقيعا لهذه الكارثة، وهم يرون الخروج منه من أهل بلدهم، والله المستعان].

– وها هي الأمور تتكرر وقد وصل عدد القتلى والجرحى ل ١٥٠ ألفا ويزيدون، ودمرت غزة كلها، ولا يزالون يمنّون الناس بالنصر وهم لا يحكمون “شارع الرشيد” ولا “دوار الكويت” في غزة! وكل ذلك مكابرة على الواقع، ولا يحب انتصار اليهود إلا كافر أو منافق أو منتفع، فإذا كان هؤلاء الفرحون قلة فهذه المعركة ستزيد من أعدادهم.

والناس في غزة لا يريدون انتصارا مزيفا بل يريدون وقف الحرب وهذا حالهم الحقيقي ومن قال غير هذا فهو لا يذكر الحقيقة.

ونذكرهم بحالهم أيام (الدواعش) في سوريا والعراق، وكيف أنكروا عليّ قسوتي في الحكم عليهم، ورددوا العبارات نفسها (الجهاد، باعوا أنفسهم، تركوا بلادهم وأهلهما، يقاتلون الكفار) وأنا آخذ بحجزهم عن حفرة الضلال هذه بأدلة واضحة بيّنة لكن العاطفة تغلب العقل في ضعاف الداخل، حتى تبين لهم صواب قولي بعد خراب الديار وموت الألوف وتشويه الإسلام، ولا فرق عندي بين حالهم تلك وحالهم الآن ولا عبرة ولا اتعاظ بما جرى، للأسف.

وفي تجمع “رابعة العدوية ” في مصر اشتغلت العواطف والتنظيرات والخرافات من مثل مشاركة جبريل عليه السلام لهم في رابعة يثبتهم فيها! ، والأحلام في النوم واليقظة أن هذا التجمع سيسقطون به “حكم العسكر” ويسلمون الحكم لمرسي، لم يكتفوا بهذه السذاجات حتى تطاولوا على كل من لم يشارك معهم واتهموهم بالعمالة للعسكر مما حدا ببعض المشايخ المخالفين لهم لمشاركتهم! كما يفعل الآن بعض الشباب السلفي المتأثر بجو العاطفة أو الخائف من التصنيف الجائر.

* وللتاريخ: فقد كنت كتبت على صفحتي بالفيسبوك نداء للرئيس مرسي -رحمه الله- بعزل وزير الدفاع السيسي بعد أن أعطى مهلة لإنهاء الخلافات في مصر ولم أشم منها إلا رائحة الانقلاب، واعترض كثيرون وقالوا لا يملك الرئيس ذلك فقلت غير صحيح فهو القائد الأعلى للقوات المسلحة وهو رئيس البلاد وهو الذي أقال المجلس العسكري وهو أقوى من السيسي بمراحل! وأمس شهدنا انقلابا في بوليفيا وكان حسم الانقلاب بإقالة الجنرال المنقلب! وتعيين غيره مباشرة، وتم القبض عليه في صورة مخزية.

والعامة قلوبهم طيبة ويريدون الخير ورفع الظلم لكن العبرة بأجندات وعقول ومنهج من يقودهم، و للتاريخ اعلموا هذا لتعلموا قدركم عند من يقودكم، فقد سأل أحد المشايخ رمزا من رموز قيادة رابعة: ألا تتوقعون مجزرة من العسكر وأنتم لا تملكون شيئا وتقولون سلميتنا أقوى من الرصاص؟ فرد عليه بخبث بالغ: (نحن قدرنا الأمر ونتوقع أن يقتل (٥٠٠٠ شخص!) لكنّ دماءهم ستكون شعلة لما بعدها!!)، وهذا الرمز الفاشل يحمل جنسية أوربية لذا ساهمت سفارة جنسيته في إخراجه من مصر بثقلها وقوتها، ولا يزال ينظّر ويؤصل ويعلّم، والضحايا لا قيمة لهم عنده وعند أمثاله، رحمهم الله جميعا.

وهو نفس ما قاله السنوار (قبل الطوفان، مرات عدة) وهنية (بعد الطوفان، مرات عديدة) عن دماء أهل غزة، ولا أدري كم يريدون أن يصل العدد له، والله المستعان.

– ونذكرهم وقت كانوا يسوّقون للعميل (محمود قولاغاصي أبو القعقاع) وكنت أحذرهم منه وأنه لا يفعل هذا في سوريا إلا عميل، حتى تبين لهم صواب قولي فيما بعد.

– وغير هذا كثير أيام فتنة الإرجاء والخوارج وكورونا.

كنت في كل ذلك الناصح الأمين للموافق والمخالف، ونفعني ربي تعالى أنني لم أكن حزبيا ولا أقدم بلدا ولا وظيفة ولا مصلحة على ديني، مع اعتصامي بربي طالبا منه هداية التوفيق كما رزقني هداية البيان.

حرر يوم الأحد 24/12/1445 هـ الموافق 30/6/2024 م

أجوبة على تساؤلات، ردود على إشكالات، توضيح لمقالات، فيما جرى من مناقشات، حول #كارثة_الطوفان (6)

كارثة الطوفان ( 6 )

الحمد لله

* توضيح: من نقل عني أنني أطعن بالمجاهدين فهو (كذاب) وإنما أطعن في القيادة الإيرانية، والتي تتحكم في هؤلاء الصادقين، وأراهم ضحية كما الحال غزة كلها ببيوتها وأهلها، وقد ذكرت في مقال سابق أننا ندعو لهم بالتسديد والإخلاص والقيادة الرشيدة، وأنهم ذهبوا ضحية مغامرة غير محسوبة من نزق كان يحتاج لسنوات ليتعافى من مرضه النفسي في سجون الاحتلال لا أن يتولى قيادة هذه النخبة التي هي في طور الإعداد لا الدخول في حرب تضيّع تعبهم، وتفني شبابهم (كما حصل في أول يوم من المقتلة الكبيرة لكتيبة الحُفّاظ وراح منهم “٤٠٠ مجاهد حافظ” تقبلهم الله في الشهداء ).

وكان له عبرة في صاحبه حسن نصر اللات الذي اختطف جنديين يهوديين في (٢٠٠٦) ليبادلهم بأسرى عندهم فلقنوه درسا بليغا ودمروا لبنان في قصف استمر ل (٣٤) يوما لأجل ذلك [ألف قتيل ومليون نازح!] وقال (لو عندي احتمال واحد بالمئة سيحصل هذا لن أقوم بهذه العملية قطعا، لأسباب إنسانية وأخلاقية واجتماعية وأمنية عسكرية وسياسية، لا أنا أقبل ولا حزب الله يقبل ولا الأسرى بالسجون يقبلون ولا أهالي الأسرى يقبلون)، وأنت أيها القائد صاحب رواية “الشوك والقرنفل” ألم تكن عندك هذه النسبة وأنت خططت أضعاف أضعاف فعل حسن؟ ألم تتعظ بما فعله صديقك حسن وما جره من ويلات على بلده وشعبه؟ ولعلك رأيت كيف جعلوا له (عمودا) يتسلى به أثناء تدمير غزة.

“وبقي للأجيال درس بليغ أنك تملك السيطرة على أفعالك لكن لا تملك التحكم في ردات فعل خصمك، وأن التحكم في الطلقة الأولى لا يعني التحكم في تداعياتها وتطوراتها”]].

٨. ولست بصدد ذكر التفاصيل في المناقشات التي جرت بيني وبين موافقين ومخالفين، لكن من حق المراقب المطلع أن يسأل مثلا:

١. من الذي قرر هذا الهجوم وما هي مبرراته الحقيقية وما دور محور التشيع فيه؟ وهل اتُّخذ بالغالبية أم هو قرار فردي؟ وسواء كان هذا أو هذا هل حسبت أمور المدنيين من حيث الحماية والطعام والشراب والعلاج؟.

٢. ويسأل عن مقطع الفيديو الكارثي الذي يأسر فيه جنود القسام خمس مجندات يهوديات واحدة منهن تلبس لباسا عاريا! وبقيت هكذا حتى أدخلت في السيارة وأن المقاتلين قالوا عنهن (سبايا) ووصف واحد منهم إحداهن أنها جميلة!

ولعل هذا السبب في إطلاق (إيدي كوهين) وغيره لقب (دواعش) على الحركة، وأن هذا المقطع الكارثي كان سببا مهما في تعريض نساء غزة ورجالها لأعمال شنيعة مما يتعلق بالعرض مما رآه العالم من تعرية رجال غزة بالبرد الشديد في ساحات مكشوفة ثم نقلهم بطريقة مذلة في الشاحنات، ومما سمعه العالم من كلام بعض العفيفات مما رأته من انتهاكات للنساء الحرائر، في سابقة لم تحصل في تاريخ النضال مع اليهود؟.

– وهذا المقطع الكارثي قدمه اليهود للدول الحليفة لتقديم أكثر وأسرع ما يستطيعون من عتاد وأسلحة ومقاتلين.

– والتصوير كان منكم ووقع في أيديهم ونشرته عائلات الأسرى اليهود للضغط الشعبي على النتن للإسراع بقضية الرهائن.

أليس من الواجب على من يريد أن يتخذ المقاتلات سبايا أن يحفظ عرضه أولا ويؤمن عليهن من انتقام العدو؟.

٣. وبخصوص العلماء الذين أيدوا فعلكم في السابع من أكتوبر أو (رقعوا لكم) لماذا لم يكن هذا هو الموقف نفسه من قتال (الدواعش) لرؤوس الكفر والطغيان؟ولماذا لم يكن هذا هو الموقف من (القاعدة) في (أحداث سبتمبر) فلم ينصروها، بل تسابقوا للإنكار وبيان ضلال الفعل وأنه لا يؤيده دين ولا عقل ولا قانون، وتسابقوا لنفي كونها (عملية استشهادية) ونفوا عنهم وصف (الشهيد)، وقالوا بوجود أيادٍ خفية وراء هذه الأعمال من أجل الإساءة للإسلام وخدمة لأعداء الأمة الإسلامية.

وأنا أجزم يقينا أن هذا (الطوفان) لو كان من غير جماعتكم لرأينا الإنكار عليه على أشده وأنه تسبب بكثرة القتل وهتك العرض والتشريد وأن القوى غير متكافئة وأن هذا من إلقاء النفس بالتهلكة وأن المسلمين في حالة ضعف يحتاجون للإعداد والاتحاد، وغير ذلك من التأصيلات، سواء كان هذا الفعل في فلسطين أو غيرها في قتال أهل الكفر.

٤. وأنتم تقولون للأتباع عن طريق قناتكم (الجزيرة) وكتّابكم في مواقع التواصل إنكم في انتصار عظيم وإن الكيان الصهيوني في انحدار وهزيمة وتفكك داخلي، والسؤال المنطقي – والحال هذه عندكم- : ما بال المنتصر هو الذي يطالب بوقف الحرب واستجداء أهالي الأسرى أكثر من مرة (الوقت ينفد) والمنهزم هو الذي يعطل ويماطل وقفها؟.

والعدو الصهيوني خبيث وماكر لدرجة أنه يظهر قوة خصمه (حماس) ويظهر ضعفه في القضاء عليهم وأنهم يحتاجون لوقت طويل لتحقيق ذلك، ويمشي هذا على (المحللين) والكتّاب الحزبيين وعلى الأغرار السذج الذين يسارعون للصق هذه البروشورات على قصصهم في الفيس وحالاتهم في الواتس، وبعضهم يعلق بتعليقات تليق بقلة عقله يحسب أنها تؤثر في خصمه!.

بينما الواقع على الأرض هو الذي يحكي الحقيقة فحرب اليهود تدميرية إبادية، المجزرة يعقبها مجزرة، والحصار بالجوع والعطش وعدم الاستقرار هو واقع حقيقي وليس افتراضيا، ولا يذوق البأساء والضراء إلا أهلنا في غزة، وأما المتغنون بالانتصار الوهمي فهم ما بين استوديو مكيف بيومية خيالية وما بين جلوس على شاطئ في أستنبول أو مقهى في عمّان.

٥. ومن حق كل أحد أن يسأل بأي وجه حق تجعلون الأسرى الخنازير بين المدنيين وأنتم تعلمون أن الحصول عليهم (أو حتى قتلهم) سيكون بمجزرة رهيبة للمدنيين البريئين الذين لا ناقة لهم ولا جمل في هذه الحرب، وقد حصل فعلا في “مجزرة النصيرات” عند تحرير الرهائن اليهود.

وقل مثل ذلك في إطلاق النار من بين مخيمات النازحين في رفح مما تسبب في حرق الناس في خيامهم لما قصف اليهود منصات إطلاق الصواريخ وأنتم تعلمون أن “الزنانات (المسيرات) ” تجوب سماء غزة ليلا ونهارا.

– علمنا من (أبو مرزوق) عنكم أن حماية المدنيين ليس من عملكم ولا مهمتكم لكن هذا لا يجعلكم تتسببون في حرقهم أحياء وقتلهم.

حرر يوم الإثنين 25/12/1445 هـ الموافق 1/7/2024 م

أجوبة على تساؤلات، ردود على إشكالات، توضيح لمقالات، فيما جرى من مناقشات، حول #كارثة_الطوفان (7)

كارثة الطوفان ( 7 )

الحمد لله

٦. ومن حق الباحث المطلع أن يسأل ما سر أن يكون من أهداف الطوفان قضية “التطبيع مع اليهود”، والافتخار فيما بعده أن من أعظم نتائج الطوفان (وقف قطار التطبيع) – قاله مشعل وهنية -.

وهنا ملاحظات مهمة :

أ. لماذا كان الهدف (وقف قطار التطبيع) وليس (إلغاء معاهدات التطبيع)؟ وبالطبع لا تستطيعون حتى قول ذلك بألسنتكم لأنه سيشمل دولا تدعمكم ماليا وتقيمون فيها شخصيا.

ب. هل يستحق هذا الهدفُ الثمنَ الباهظ من دماء وأعراض وممتلكات أهلنا في غزة؟ لو خُيّرنا بين أن يُقتل مسلم واحد أو تُهدم الكعبة لاخترنا هدم الكعبة! فكيف لهدف سياسي تختارونه ليدفع أهلنا في غزة هذا الثمن الباهظ لأجل عيون إيران، أو لمغامرة شخص نزق.

ج. ولماذا كان التطبيع مع اليهود منكرا ومحرما جريمة [وهو كذلك]، ولا يكون كذلك التطبيع مع إيران المجرمة والتي فعلت بالمسلمين أضعاف أضعاف ما فعله الصهاينة؟ إن قلتم نراها مصلحة لنا فكذلك ستقول لكم الدول المطبعة مع الكيان، بل إنهم يزعمون أن تطبيعهم مع اليهود لمصلحة الفلسطينيين! .

د. وتعجب أيها القارئ عندما تعلم أنه حتى التطبيع مع الكيان الصهيوني هو حرام عندهم على دول (لا تريد إيران لها التطبيع مع الكيان الصهيوني) وحلال على من كان على منهجهم أو كان ممن يدعمهم.

والواقع أن جماعتهم في “المغرب” قد طبّعت مع اليهود يوم تولى رئاسة الوزراء فيها (الإخواني سعد الدين العثماني) -في ٢٢/ ١٢/ ٢٠٢٠ م- في صورة قبيحة يظهر فيها “كوشنر” (صهر ومستشار ترامب) عن يمينه وأمامه علم أمريكا، ثم مائير بن شابات (رئيس الأمن القومي الصهيوني) بقبعته اليهودية وأمامه علم الكيان الغاصب، وكان التطبيع هدية مقابل اعتراف أمريكا بسيادة المغرب على الصحراء الغربية! فما أرخصه وما أقبحه من سبب، و العثماني هذا له مقاطع يندد فيها بالمطبعين! وله مقال نشر في عام ١٩٩٦ م عنوانه (التطبيع إبادة حضارية) وخذ من التنظير ما شئت ومن التخوين لغيرهم ما شئت حتى إذا صاروا في السلطة رموا كل ذلك وراء ظهورهم والتحقوا بالمركب الأمريكي واليهودي مقدمين مصالحهم على كل شيء، وقوله بعد أن انتهى حكمه إنه كان (قرار دولة) لا يجعله معذورا فالاستقالة كانت الحل لهذا الخزي، ولولا أنهم يعرفون أنهم بلا مبادئ لا يمكن لمن فوقهم أن يعرضوا عليهم الأمر من أصله.

ولتقرأ معي ما قاله الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي (زياد نخّالة) -شريك حماس في الطوفان- عن اللعب والعبث في المواقف مع المطبعين وذلك في مقابلة نشرت بتاريخ ٢/ ٨/ ٢٠٢١ قال عن حماس والتطبيع – تعقيبا على زيارة وفد من حماس بقيادة (هنية) للمغرب بعد شهر من تطبيعها مع الكيان الصهيوني- : (محنا زحفانين على “المغرب” اللي معترفة بإسرائيل ومطبعة مع إسرائيل وعلاقات مع إسرائيل إلها ٥٠ سنة وبنزحف! عشان يستقبلونا ونتغدى عندهم مثلا! بنروح بنسحب حالنا على دول معترفة بإسرائيل ودول تدعم إسرائيل بنروح ناخذ هوية منهم… ولاّ مسموح للمسلم يطبع ونسكت عليه ولّي مش عامل إسلامي إذا طبّع بنفضحه؟ مش هيك، غلط)!

b352f31c-2706-4ec9-8bf9-b7d702b1c79b

وهكذا هي مواقفهم مع المطبعين الذين يستفيدون منهم كقطر أو كتركيا (والتي بلغ حجم التداول السنوي مع الكيان الصهيوني ٦ مليار دولار ونصف قسم كبير منها في السلاح ومشتقاته وأصوله).

وهذا ما قاله زياد نخالة ونص كلامه (الحركة الإسلامية في حالة مخاض كبير، عشان هيك دائما تلاقي “حماس” الزفة شغالة والمكان! لأنه فش عندهم شي يحكوه… مشبطين في “الطيب أردوغان” ومشبطين بـ “قطر” في هون في أي إشي).

فيا أيها العقلاء هل هذا يعقل؟ لأجل إيقاف تطبيع دولة مع اليهود أتسبب بقتل (٥٠ ألف) مسلم، وأتسبب بـ (١٠٠ ألف) جريح (معظمهم مشاريع موت)، عدا عن الدمار الكامل والخطف والسجن والتعذيب والتهجير؟ هل وسّد الأمر لأهله؟ وليستعد للحساب كل عالم وطالب علم ترك الأمور دون بيان وإنكار، وتوضيح وتبيين؛ فإن هؤلاء يفعلون ما يفعلون باسم الإسلام، وأنتم ترونهم قد تسببوا بهذه الكارثة ورقعوا لها فيما بعد، فيفتحون المجال لكل مغامر أو نزق يقيم قتالا ويسيل دماء ثم يصرخ أين المسلمون وأين النصرة،يريد أن يفرض واقعا ويطلب من المسلمين في الأرض أن يتبعوه وينصروه وإلا كانوا صهاينة أو مثبطين أو مخذلين، ثم يأتيك مشتغل بالعلم وللأسف ليقول هذه معركة إسلام وكفر! وهذه الطائفة المنصورة! ولا والله ما صدق في الأمرين، وقد سبق لأسامة بن لادن أن قسم الناس لفسطاطين إيمان لا نفاق فيه وفسطاط كفر، وطلب من المسلمين الالتحاق بفسطاط الإيمان! فهل فعلتم؟ وماذا كان قولكم؟ وعلى منواله مشى البغدادي زعيم الدواعش فقسم العالم إلى فسطاطين إسلام وإيمان وكفر ونفاق!.

فلا يجوز لأحد كائنا من كان أن يفرض على المسلمين معركته مع أي عدو كان ثم يصنف الملتحقين به و المتخلفين عنه على هواه، فلا معركته ملزمة لأحد ولا قسمته صحيحة ولا تصنيفه يهمنا أو يخيفنا، هي معاركهم لا معارك الإسلام وكل واحد يسعى لمجده ومجد طائفته.

هـ. والواقع أنهم يقصدون دولة بعينها وأنهم اعتقدوا أنهم أوقفوا تطبيعها مع الكيان الصهيوني وهي (السعودية) والحقيقة أن الذي يريد هذا التخريب لتطبيعها مع الكيان الصهيوني هي (إيران)! ومع تصريح (هنية) بأن هذا من أهداف الطوفان فقد صرح خامنئي أخيرا بعد مرور (٩ أشهر) على الطوفان بهذا! (ولهذا كان من مصلحته عدم وقف الحرب ففي اليوم نفسه صرح بأنه ليس مع وقف الحرب).

فقد نقلت” الجزيرة نت” عن خامنئي قوله:

إن عملية “طوفان الأقصى” كانت ضرورية للمنطقة، إذ أفشلت محاولات التطبيع مع الكيان الصهيوني وسيطرته على المنطقة. انتهى.

ونقلت” روسيا اليوم “:

قال المرشد الإيراني علي خامنئي: إن عملية “طوفان الأقصى ” أفشلت مشروعا أميركيا غربيا لتغيير المعادلات من خلال التطبيع مع إسرائيل. انتهى.

وذلك أنه من شروط تطبيع السعودية مع الكيان الصهيوني إنشاء مفاعل نووي في بلدها (وفي مقال في موقع “بي بي سي”: ( يرى كثير من المراقبين أن تزويد الولايات المتحدة للرياض بالخبرات والتقنيات اللازمة لإنتاج طاقة نووية هو مطلب سعودي رئيسي مقابل تطبيع العلاقات مع إسرائيل) انتهى.

وهو ما جعل إيران تجن جنونها وحاولت منع ذلك ورأت أن حماس هي خير من يقوم بتخريب ذلك، فلا عجب أن ورطتها بـ “وحدة الساحات” و”غرفة عمليات مشتركة” مع أذرعها الشيعية، وأجبرتها على الصلح مع سوريا الأسد وأجبرت الأسد على قبول ذلك ليقع ما وقع من الكارثة الكبرى على الشعب الغزي المسكين، وقد كان قال أحد القادة بما معناه (إذا تعرضت إيران لاعتداء فسنكون في الصف الأول في الدفاع عنها!)، ولا يصلح لهذه المهمة أفضل من “السنوار” إيراني الهوى والذي أثنى على بشار والحوثيين، وسيكون لنا وقفات مع هذا القائد الفذ!.

ولو قال قائل إن هذا هو الهدف (الجزئي) الوحيد للطوفان الذي كتب له النجاح لما كان بعيدا، وللأسف أنه على حساب تدمير غزة بالكامل واحتلالها، وقتل وجرح (١٥٠) ألف مسلم، عدا عن المفقودين ومن لا يزال تحت الأنقاض، ولا يزال عدّاد القتل والإصابات والأذى والضرر قائما لم ينقطع.

قال موقع “فرانس ٢٤”: (وقبل اندلاع الحرب في غزة، كانت السعودية قد طلبت من واشنطن تمكينها من امتلاك برنامج مدني نووي مقابل تطبيع العلاقات مع تل أبيب لكن الحرب في غزة أجلت النقاشات.

ونقلوا عن عصام ملكاوي، أستاذ الدراسات السياسية والاستراتيجية في جامعة عمّان، أن “عملية طوفان الأقصى أغلقت ملف تطبيع العلاقات بين المملكة وإسرائيل وهو ما جعل السعودية تشعر أن بإمكانها الضغط على الإدارة الأمريكية في هذا الملف الذي يمثل حاجة انتخابية ملحة لإدارة الرئيس جو بايدن الذي يريد أن يقول إنه أنجز شيئا ما قبل نهاية ولايته الأولى) انتهى.

* ولا يخفى أن كل هذا هو (لتأجيل) التطبيع وليس (لإلغائه) وهذا كله نتيجة (العمالة) العلنية لإيران، ووصف ذلك عند كل دول العالم هو (الخيانة العظمى).

– والأمر مؤلم غاية الألم وهو واقع مر لابد من معرفته.

* تنبيه: الكلام عن التطبيع للدول (الموجود والقادم) سياسي وواقعي بحت، ولا علاقة له بالحكم الشرعي، وكلٌّ ينطلق من مصلحة بلده، ومنفعته، وما أسهل حصولهم على فتاوى شرعية وترقيعات سياسية لفعلهم.

حرر يوم الثلاثاء 26/12/1445 هـ الموافق 2/7/2024 م

أجوبة على تساؤلات، ردود على إشكالات، توضيح لمقالات، فيما جرى من مناقشات، حول #كارثة_الطوفان (8)

كارثة الطوفان ( 8 )

الحمد لله

– كم نحن بحاجة لطوفان أخلاقي وسلوكي لنزع الحزبية واتباع الهوى.

٩. ومن حق أهل السنة في اليمن وسوريا ولبنان والعراق أن يغضبوا من مدح قاتلهم ومعذبهم في سجونهم ومشردهم، وأن يعتبروا ذلك مشاركة في إثم ما فعل بهم وببلدانهم، فلماذا الغضب من هذا؟ بل هو حق لهم، ووقوف الحركة في صف أعداء تلك الشعوب يجعلها في صف (محور الرفض) الذي رضيته لنفسها والذي نعتقد أنهم يشترونهم بالفتات ليكسبوا صفهم، مما جعل الرافضة الإيرانيين يعدُّون “غزة” امتدادا لمشروعهم، وهو ما صرح به كبار قادتهم ومعمميهم، وأما تصريح القائد (السنوار) في غزة فهو واضح بالصوت والصورة أنهم تصالحوا مع (سوريا الأسد التي تمثل إحدى ساحات الحشد والارتكاز) وأنهم هم جند الشام! – [بينما قال بشار الأسد: “موقف حماس منا كان مزيجا من الغدر والنفاق!] – وأن (“حزب اللات” يمثل الشطر الأهم من جند الشام) وأنه ينتظر تطوير العلاقة مع اليمن ليكونوا من (جند في اليمن) ومع الحشد الشيعي في العراق ليكونوا من (جند في العراق) في تحريف قبيح للحديث، باختيار أخس وأقذر خلق الله من المجرمين والقتلة لأهل السنة حتى يكوّن معهم ساحة واحدة! ولولا عدم جواز فعل ذلك لنشرت مقاطع لجند الشام! وجند العراق! فيها من أقذر الألفاظ في سب الرب تعالى وسب دينه وعائشة رضي الله عنها وقذف الأعراض للمعتقلين السنة ثم تعذيبهم بالحرق والضرب بالسلاح والطوب حتى الموت.

[ وفي هذا اللقاء الجماهيري (قبل أشهر من الطوفان) سيتبين لكم التصريح بالاتفاق مع محور الشر على المعركة، وستسمعون اسمها (الطوفان)، وهو يوضح كيف تعرضوا للخيانة العظمى منهم (ولم ينفع نداء الضيف لهم في اليوم الأول)، ويتبين كذب خامنئي أنه تفاجأ بالطوفان، ويتبين كذب سليماني على السنوار لما قال له”ستقف إيران والحرس الثوري وفيلق القدس بكل ما يملك مع شعب فلسطين من أجل الدفاع عن القدس وبقائها عاصمة لفلسطين!” وقال له “كل مقدراتنا وإمكاناتنا تحت تصرفكم في معركة الدفاع عن القدس” ].

والحقيقة التي لا يُمترى فيها أن هذا المجرم الهالك” قاسم سليماني” لم يأت من قبل زعميه المجرم” خامنئي” إلا من أجل قتل أهل السنة وتوسيع النفوذ الإيراني، وخاصة في سورية والتي اعترف قائد كبير صديق لسليماني أن وظيفته التي أرسل بها لسوريا هي تثبيت عرش “بشار” والقتال دونه، وقد أنفقت إيران من أجل ذلك أكثر من ٥٠ مليار دولارا، وقتلت وهجرت وسجنت ملايين السوريين، ولم يعطوا “حماس” إلا الفتات والكلام الفارغ والذي اشتروا به الدفاع عنهم وتبييض صفحتهم.
وانظر هذا المقطع وفيه بيان هذا :

وهذا

ولا أدري أي منهج وطريق يسلكه هؤلاء في التحالف مع هذه العصابات القذرة التي تحتل بلاد المسلمين، ليس التحالف في السلاح فحسب بل في الثناء عليهم والترحم على قتلاهم ولا يعرف لهم عداء ولا حرب ولا غيظ قلب إلا مع أهل السنة، ولا أتعجب من هؤلاء فقد عُرفوا من أول الأمر لما ذهبوا لمبايعة الخميني وسموا ثورته إسلامية وقال (مشعل) إن حماس الابن الروحي للخميني.

وكل ذلك ترعاه وتدعمه إيران والتي توسع قاعدة وجودها لتشمل بلدان كثيرة لتحقيق (إيران الكبرى) في تنافس محموم مع اليهود في تحقيق (إسرائيل الكبرى) وسيدهم الأمريكي يلعب بهم ويحقق مصالحه من خلالهم.

وكيف سيكون شعور الأب السوري الذي هُدّم بيته وقُتل أولاده وهو يرى (خليل الحية) مبتسما في لقاء (بشار)؟ وكيف ستقبل الام السورية التي اغتُصبت ابنتها من ميليشيا أسد ويعذب ابنها في السجون أن ترى المشهد ذاته؟ لم يهم القيادة كل ذلك، وكانوا من قبل يزاودون بتركهم سوريا من أجل شعبها، فلما ازداد الطغيان النصيري وازداد القتل والتشريد رجعوا لحضن النظام قبل أن يَرجع للجامعة العربية!.

ولم تلتفتوا لفتاوى ونصائح وتحذيرات “المجلس الإسلامي السوري” و “هيئة علماء المسلمين في العراق” وطائفة ممن يثقون بعلمهم الشيخ الددو، مما حدا بالشيخ (وجدي غنيم) للغضب الشديد على أولئك القادة فوصفهم بـ (مجرمون، منبطحون، خونة) وتبرأ منهم.

– وفي عالم السياسة ليس ثمة شيء بالمجان خاصة مع الفرس المجوس، ولذا لا عجب أن قال بعض قادة الحركة إن إيران تستفيد من دعمها لهم بفوائد منها :

أ. تجميل صورة إيران في العالم السنّي! (وهذا يعني تسويق التشيع في البلاد السنية، واعتراف من إيران بقبح حقيقتها).

ب. ابتزاز الغرب بقوة العلاقة مع حماس! (ويظهر هذا جليا في مفاوضات إيران مع الغرب حول النووي والأموال المجمدة والحصار، ويعني أيضا تهديدهم بإقامة حروب مع طفلتهم المدللة الكيان الصهيوني! ).

وكلا السببين ذكرهما (خالد مشعل) في مقابلة مع (المديفر).

ج. إضعاف اليهود وإشغالهم عن معاركهم ضد إيران! (وهذا يعني إقامة حروب مع اليهود! .

د. إظهار إيران بأنها ليست طائفية فهي تدعم “حزب اللات الشيعي” و “حماس السنية”! (وهذا تصريح واضح بطائفية إيران وانها تفعل ذلك للتعمية استغفالا لعوام أهل السنة).

– ذكَر هذين السببين (هنية) في لقائه مع “الظفيري”.

– وأما الاستفادة من إيران بدخولها معهم في قتال اليهود فذاك ما لن يحصل، وإن وعدوهم به نظرا فلإهلاكهم وتدمير مدينة سنية وهو ما تفعله إيران أصلا، ولذلك شجعوهم على الاستمرار بالطوفان (الإبادة) ونصحوهم بعدم قبول الهدنة.

أ. نبه خامنئي في أول أيام الطوفان هنية بإسكات الأصوات في الحركة التي تدعو إيران وحليفها “حزب اللات” للمشاركة في القتال.

ب. نالت إيران في الطوفان تزكية البيت الأبيض والخارجية الأمريكية والمخابرات المركزية، وتم تقديم المكافآت لها في ذلك.

ج. وراحت صيحة محمد الضيف في (٧ أكتوبر) مع الرياح لما نادى ذلك المحور الخبيث الذي أثنوا عليه خيرا وتوحدوا معه وهم يعلمون ما يفعل بإخوانهم من أهل السنة حيث قال (الضيف) [أدعو إخوتنا! في المقاومة بلبنان وإيران واليمن والعراق وسوريا للالتحام مع المقاومة في فلسطين].

باستثناء ما قام حزب اللات من إقامة حرب ضروس استخدمت فيها المدفعية والأسلحة الثقيلة واستمرت لفترة وصدرت فيه إصدارات مرئية تذكّر بإصدارات داعش، كل ذلك كان على عمود أهلكوه (ونهنهوه)، وقال (مشعل) – على استحياء-:(حزب الله قام مشكورا بخطوات لكن تقديري أن المعركة تتطلب أكثر، وما يجري لا بأس به لكنه غير كاف).

د. الحرس الثوري الإيراني يعيث فسادا في اليمن والعراق ولبنان وسوريا – وكل ذلك بالطبع بموافقة ومباركة أمريكا – كما كان الحال مع الدواعش تنقلهم بين الشام والعراق، وكما في احتلالهم للموصل – ومع ذلك لما طلب طالب جامعة إيراني تابع للحرس الثوري من خامنئي أن يرسله مع مجموعته المدربة إلى فلسطين لقتال اليهود، وضجت القاعة بالصياح (أيها القائد الحر! مستعدون،، مستعدون) قال له ولهم بكل وقاحة وصفاقة وجه (بعض الاقتراحات من الممكن أن تكون غير واقعية! كاقتراح الشاب العزيز الذي طلب إرساله إلى فلسطين) وأما إرساله هو وغيره لأي بلد عربي محتله فهو واقعي بالتأكيد وطلبه مجاب.

– وقبل أيام قال قائد سلاح الجو في الحرس الثوري الإيراني : مشاهد غزة مؤلمة لكن أيدينا مكبلة ولا نستطيع تقديم شيء لها!.

١٠. وأما قضية الاضطرار فمقبولة لو كانت أخذا للسلاح فحسب، أما مدح دينهم، والترحم على هالِكهم، والحكم بالشهادة لمجرمهم، والذهاب لهم لتعزيتهم، وتكرار الاجتماع في ذكرى هلكاهم: فهو من التلبيس على الناس في دينهم، ومن يضطر لأكل الخنزير من الجوع لا يثني عليه ولا يتغنى بلحمه القذر.

– وعلاقة التنظيمات الحزبية والعسكرية بالدول علاقة (تبعية) بخلاف علاقة الدول بعضها مع بعض فهي علاقة (ندية) ولذلك تجدهم يتجسسون على بعض ويكيد بعضهم لبعض.

ومع ذلك فقد صرح أحمد عبد الهادي – ممثلهم في لبنان- أنهم – في العلاقة مع إيران – لم ينطلقوا من باب الضرورة والحاجة، بل قال “وإنما انطلقنا من كوننا واحد، جسد واحد، مكوّن واحد، مقاومة واحدة”! فليس الأمر ضرورة ولا حاجة بل هي تبعية محضة، ونرى ذلك واضحا في تقريراتهم وفي تضحيتهم بالشعوب السنية في البلاد المحتلة من الرافضة، ولا أرى هذه التبعية إلا في القيادة المرتزقة دون باقي الشباب المجاهد الذي أعدّ نفسه لله لنصرة دينه وليس تبعية لعدو مجرم لا يقل جرما عن العدو الصهيوني، وإن وجد غير ذلك فمن جاهل أو مغرر به.

حرر يوم الأربعاء 27/12/1445 هـ الموافق 3/7/2024 م

أجوبة على تساؤلات، ردود على إشكالات، توضيح لمقالات، فيما جرى من مناقشات، حول #كارثة_الطوفان (9)

كارثة الطوفان ( 9 )

حلقات #أحكام_الجهاد_وحِكَمه “1”

الحمد لله

١. الجهاد شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، ومنه (جهاد الطلب) وهو الذي شرعه الله تعالى لإعلاء كلمته ولنزع الشرك من الأرض ولقتال من يقف في وجه دعوة الناس للتوحيد، قال تعالى {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} .

وقتل الكفار وأخذ أموالهم ليس مقصودا لذاته في الجهاد، فالشارع يحب لهؤلاء أن يكونوا مسلمين، فإن لم يحصل فيكونون تحت مظلة الإسلام.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسير هذه الآية :

ذكر تعالى المقصود من القتال في سبيله، وأنه ليس المقصود به سفك دماء الكفار وأخذ أموالهم، ولكن المقصود به أن يكون الدين لله تعالى، فيظهر دين الله على سائر الأديان، ويدفع كل ما يعارضه من الشرك وغيره، وهو المراد بالفتنة، فإذا حصل المقصود فلا قتل ولا قتال . ” تفسير ابن سعدي ” ( ص 98 ) .

ومنه (جهاد الدفع) وهو الذي يكون لدفع العدو في دخوله لأرض المسلمين.

وقد كتب طائفة من (المشاهير) في نفي (جهاد الطلب) في شرعنا ليتقرب للغرب الكافر المستعمر في نفي هذا عن الإسلام، دافعا لكذبة (انتشار الإسلام بالسيف)، كما فعلوا مع غيره من الأحكام المجمع عليها كالرجم وحد الردة.

وكلا النوعين من الجهاد له شروطه وضوابطه، وليس يقام الأمر على قرار شخص أو حزب دون الالتزام بأحكام الشرع.

٢. والملاحظ المشاهد أننا وجدنا من ليس في منهجه ولا أجندته (الجهاد) أنه يستثمره لتحريك عاطفة الناس للقتال معه بالإغراء بلقب الشهيد، فيسمي معاركه مع أعدائه القادسية -مثلا- ويضع (الله أكبر) على العلم، وينشر عبارة (الشهداء أكرم منا جميعا)، وقد رأيت من اغتر بهذه الدعاية (البعثية) من (السلفيين) فرأيت بعضهم قد جاء من (الجزائر) ليلتحق بالقتال مع الجيش العراقي! وقد باع كل ما يملك وترك أهله وبلده لأجل ذلك، وكلمتهم ونصحتهم فلم يستجيبوا، وقد تحمس غيرهم من أهل (بلد عربي آخر) حماسة غير طبيعية، حتى قال بعض شعرائهم -بنص كلماته لا بترتيبها- (اضرب “أبا عدي” دمام والخبرا .. وخذ بعدها قطرا).

وهؤلاء (المساكين) لما تحمسوا للجهاد ذهبوا للقتال مع (صدام)، والحاليون ذهبوا للقتال تحت راية (حفتر)، واأسفا على أعمار ضُيعت ونفوس أزهقت بلا طائل.

ورأيناهم في حرب قائمة الآن بين دولة كافرة مع أخرى مثلها (روسيا و أوكرانيا) فيخرج (مفتي الشيشان) ليعلن لشعبه المسلم الجهاد ضد أوكرانيا، ويفعل مثله مفتي المسلمين في أوكرانيا، في عبث واضح من جميعهم بهذه الشعيرة العظيمة والتي هي ذروة سنام الإسلام فيما لا ترى للإسلام الصحيح نفسه وجودا وحكما واعتبارا في تلك البلدان.

وإذا أراد (حاكم) قتل مسلمين جاء بمن باع دينه بثمن بخس ليحوّل معركة ذلك الطاغية مع شعبه المسلم إلى معركة دينية فيعد الجنود بالجنة وتحقيق خصال الشهيد، والثناء على فعلهم يستدل لهم بأحاديث أنهم خير الناس لأنهم يقاتلون الخوارج، ولهم الثواب الجزيل سواء قَتلوا أو قُتلوا!

– وإن كان الفاعل من الأحزاب الإسلامية أضاف له الترغيب بالحور العين، والشفاعة لسبعين من أهله، وبعضهم يزيد عليهم -من كيسه- جيرانه وأصحابه!

وهو أيضا يستثمر عاطفة الناس ليلتحقوا بحربه وتحت إمرته -بالطبع- وليبدأ جنوده بالحكم على كل من لا يلتحق بهم بالقعود عن الجهاد، والتثاقل إلى الأرض، والرضا بالدنيا والزهد بالآخرة، وبعضهم يغطي بثمار الشهادة أفعاله العبثية وتسببه في قتل الناس بلا فائدة، فتراه يسكّت أهل القتيل أن ابنهم (شهيد) وأنه سيشفع لسبعين من أهله يوم القيامة، ويقول لهم -فرحا مستبشرا بعد تأمل وتحليق في السماء كأنه “فيثاغورس”- : إذا كان عدد قتلاكم (خمسة) مثلا فيضرب العدد (بسبعين) فتكون النتيجة (٣٥٠) فردا من الشفعاء، فيهنئهم بنجاة أهله كلهم ودخولهم الجنة! في عبثية بيّنة في الأحكام الشرعية مع عبثية في أحكام الآخرة من حيث شروط الشفاعة وكيفية تحقيقها.

وليس هذا بمخترع هذه الحسبة الترقيعية فقد سبقه (جزائري) قال [إذا كان قد قتل مليون ونص جزائري في حرب التحرير فإذا ضربنا العدد بسبعين يكون الناتج أكثر من مئة مليون فقال معناه كل أهل الجزائر في الجنة ولأنه يوجد عدد زيادة فسندخل معنا أهل المغرب العربي!].

– وحسبنا الله ونعم الوكيل.

والقتيل في الأحوال السابقة هو كل من مات في حروبهم حتى لو لم يكن مسلما! وحتى لو لم يكن من المصلين، وحتى لو مصرا على الحنث العظيم! ولذا ترى الشهيد (عندهم) من الرافضة والنصارى ومن يسب الرب والدين ومن يحارب الملتزمين.

٣. ومما يؤسف له وجود الخلل العظيم في شعيرة الجهاد من طائفة من العسكر والساسة بقيادة وتوجيه المرجعية الشرعية! في أن “الجهاد شرع للموت لا للحياة” ، وكل ذلك من أجل (الترقيع) لحروبهم، فلذلك لا تعجب عندما ترى في حروبهم الإبادات الجماعية والمجازر وهدم الدول والمدن، بل ولا يخجلون من التصريح بأن هؤلاء المدنيين هم دروعهم البشرية لأجندتهم وأفكارهم وأنهم قد أعدوهم للموت، وعليه: فلا تؤثر فيهم أعداد القتلى وتمزق أشلاء الأطفال والاعتقالات وهتك أعراض السجناء والنزوح القاتل من مكان لآخر مع الذل والجوع والعطش، طالما أن القيادة بخير وطالما أن القائد الذي كان بين المدنيين قد نجا من القتل! فإذا مات المدنيون بشروا أهله بالشهادة، وإذا نجا أحد قادتهم فرحوا بعدم قتله (أليس القتل شهادة فعلام الفرح بنجاته؟)! وتضيع دماء المدنيين ولا يلتفت لها طالما أننا قهرنا العدو بنجاة القائد.

ويكذبون في إعلامهم أن الناس صابرة ومحتسبة وتفرح بقتل أولادها وأنهم فداء لفلان وللأقصى، والواقع غير هذا، لكن لن تعرف هذا ما دمت تشاهد الصورة من منظارهم فحسب.

– وإذا كان الجهاد قد شرع للموت فمن الذي سيُعلي كلمة الله ويقيم التوحيد في الناس (في حال جهاد الطلب)، ومن الذي سيعمر البلاد ويعد العدة لحماية الدين ويعلم الناس دينهم (في حال جهاد الدفع)؟.

ولذلك لا عجب أن ترى هذا الخلل لأن الأمر قد دخل فيه الهوى وحب الملك وشهوة التسلط وجمع الأموال.

وأما الشرع فبريء من هذا كله، فقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم القتال مع وجود الاستعداد والقوة لاحتمال قتل من يخفي إسلامه بين الكفار (… ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم… )، وقد أثنى صلى الله عليه وسلم على خالد بن الوليد لحفاظه على بقية المقاتلين في (مؤتة) والرجوع بهم للمدينة، ولو كان الموت هو المقصود في الجهاد لكان الأمر على خلاف ما كان، في الأمرين، وسيأتي -إن شاء الله- مزيد بسط لهذا.

والله أعلم.

حرر يوم الخميس 12/1/1446 هـ الموافق 18/7/2024 م

أجوبة على تساؤلات، ردود على إشكالات، توضيح لمقالات، فيما جرى من مناقشات، حول #كارثة_الطوفان (10)

كارثة الطوفان ( 10 )

حلقات #أحكام_الجهاد_وحِكَمه “2”

الحمد لله

١. ما ذكرناه سابقا من نوعي الجهاد (الطلب والدفع) يستوي فيهما القول في أنه يطلب فيهما تحقق المصلحة وانعدام المفسدة، بالنظر في قوة المسلمين إعدادا وقتالا، وقوتهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فنحن نعيش في زمان غير الزمان الأول؛ فكان لوجود هذه القوى الأهمية الكبرى في تحقيق النصر على العدو.

فلا يصلح الدخول في قتال مع العدو دون تأمين مال لتصنيع أو شراء السلاح، ودون تأمين المدنيين وتجنيبهم الهلاك، ودون توفير مستلزمات الاستمرار في القتال من الطعام والشراب والدواء والعلاج، وهذا بدهي في عالم القتال لا يحتاج لتنبيه، و بمقدار ما يتخلف شيء من ذلك تكون له عواقب وخيمة، وللأسف كل من قاتل المسلمين في ديارهم حقق هذه الأمور -وفي كثير منها برجال ومال المسلمين وللأسف- وتُرك المسلمون يَدفعون الكافر الظالم وحدهم، بعد أن نجح العدو بقطع الصلة بينهم وبين الراغبين بنصرتهم بقوة السلاح والسياسة والاقتصاد.

قال ابن تيمية رحمه الله: 

“ولا ينبغي للإمام أن يقدم على قتال إلا بقوة وعدة، فإن كان العدو أكثر وأقوى، فالحذر الحذر من مقاتلته؛ فإن ذلك إضاعة لحقوق المسلمين، وتعريض لهم للفناء.” “السياسة الشرعية” (ص ١٣٨).
وفيه:
١. أن القتال لا يجوز أن يكون تهّورًا أو دون استعداد.
٢. إذا كان العدو أقوى، فعلى الإمام أن يتأنّى ويتحسّب، وألا يُعرّض المسلمين للفناء والهلاك.
٣. هذا من فقه السياسة الشرعية، ومراعاة المصلحة والمفسدة.
وهذا من أقوال ابن تيمية التي تُظهر توازنه بين القوة والحكمة، والجهاد والرحمة.

٢. والأصل في الإسلام الحفاظ على قواهم جميعا وخاصة القوى البشرية والزيادة المستمرة في إعدادهم عقيدة وعبادة وسلوكا، وقوة في نفسه وقوة في سلاحه قال تعالى: {وأعِدُّوا لهم ما استَطَعْتُم مِن قُوّة} الأنفال/٦٠، فجعل القوة نكرة في سياق الشرط فتكون عامة لتشمل كل أنواع القوة، ومنها قوة الرمي، قال النبي صلى الله عليه وسلم “ألاَ إنّ القوّةَ الرميُ (ثلاثا)” رواه مسلم، فيشمل رمي الرصاص والقنابل والصواريخ، حتى يصل الأمر للقوة النووية! ولولا وجود هذه القوة النووية عند (باكستان) لابتلعتْها (الهند) ، ولولا وجودها في (كوريا الشمالية) لاقتُلعت من الأرض من زمن، وهذا هو الأصل في القوة التي أمر بها المسلمون في إعدادها أنها (ترهب بها الأعداء ومن وراءهم ممن يدعمهم)، ولم يتجرأ أعداء الله على غزو بلاد المسلمين واحتلالها ونهب ممتلكاتها إلا بعد أن منعوهم من صناعة أسلحتهم بأيديهم، بل وتقييد الحصول على المتطور الفعال منها.

وكل نقص في الإعداد والقوة يؤثر سلبا على القتال أيا كان المقاتل، ويغفل عن هذا كثير من المنظرين فيكتبون أن الإعداد وإن قل وفي جانب دون باقي الجوانب كفيل بتحقيق النصر على العدو! وهذا خلل أدى إلى زوال كثير من الإعداد الذي بذلت فيه أموال وجهود وأرواح، وأدى إلى مزيد احتلال وسجن وتشريد وهدم.

ومنه تعرف الحكمة البالغة في عدم تشريع الجهاد (الدفع ومن باب أولى الطلب) أول الإسلام لما في المسلمين من ضعف وقلة عدد وعدة، وكان الأمر بالصبر في تلك المرحلة هو المأمور به، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر على آل ياسر يعذبون أشد العذاب ولا يجد أكثر من تصبيرهم والوعد لهم بالجنة، ومن طلب القتال من القادرين عليه كان يؤمر بـ {كفوا أيديكم}، وكان الرجل منهم يريد نصرة النبي صلى الله عليه وسلم والبقاء معه في مكة فيقول له ألا ترى حالنا ارجع لقومك حتى تسمع عن قوتنا فتلحق بنا.

وإذا علم الحاكم أن العدو أكثر عددا من الضعف جاز له أن لا يخرج لقتاله وإذا تفاجأ بعددهم أو نقص المسلمون لما دون ضعف الكفار جاز لهم الفرار من الزحف، قال تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}.

وروى مسلم عن النواس بن سمعان – في قصة قتل عيسى عليه السلام للدجال- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فبينما هو كذلك، إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عباداً لي لا يدان (أي لا قدرة) لأحد بقتالهم، فحرّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج …”.

قال النووي -رحمه الله-:

قال العلماء: معناه لا قدرة ولا طاقة.. وكأن يديه معدومتان … ومعنى (حرزهم إلى الطور) أي: ضمهم واجعل لهم حرزاً. “شرح مسلم”.

هذا على اعتبار العدد وحده مع تقارب الأسلحة وأما مع الاختلاف والفرق الكبيرين فإنه يحسب حساب هذا في المعركة، ويمكن فهم ذلك من إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم الفارس ثلاثة أسهم والراجل سهم واحد، فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم للفرس سهمين باعتباره سلاحا في المعركة، فالعدو الذي يتفوق بطائراته الحربية قصفا وتدميرا مع مسلم لا يملك مضادات لها لا ينظر لمعركته هذا للعدد بحد ذاته.

قال العز بن عبد السلام -رحمه الله- :

انهزام المسلمين من الكافرين مفسدة، لكنه جائز إذا زاد الكافرون على ضعف المسلمين، مع التقارب في الصفات؛ تخفيفاً عنهم؛ لما في ذلك من المشقة، ودفعا لمفسدة غلبة الكافرين لفرط كثرتهم على المسلمين. “قواعد الأحكام”.

كما يمكن للمسلمين إن كانوا أقل من الكفار بكثير وملكوا أسلحة تعوض نقص عددهم أو تحكموا في مكان المعركة كاستيلائهم على مكان الماء (كما حصل في ” بدر” ) أو ضيقوا الخناق على عدوهم في جغرافية المعركة – استثمار الوديان وجبل الرماة- لئلا يستفيدوا من عددهم (كما حصل في دفع الكفار في” أحد”) فيحسب لهذا حسابه ويستحب لهم الثبات أو يجب بحسب حال المعركة وقادتها.

٣. وسواء كان الجهاد جهادَ طلب أو دفع فإنه ينظر فيه للمصلحة والمفسدة، فإن كانت المصلحة أكبر من المفسدة فيُمضى في نوعي الجهاد، وإن غلبت المفسدة على المصلحة والضر على النفع تأجل جهاد الطلب، وسلكت سبل أخرى غير القتال إن كان جهاد دفع غير متعين، بخلاف من نفى ذلك من مشايخ العصر وقال إنها قاعدة إبليسية! بل كلامه أقرب لمراد أعداء الإسلام الذين يُدخلون المسلمين في معارك ليسوا أهلا لها ليقضوا على البقية الباقية منهم، أو يقضوا على ما تم إعداده من سلاح وعقول وتنمية وتربية، وللأسف الشديد أن مثل هذا يُفرح بفتواه الشاذة ويُسوّق مقطعُه على أنه انتصار للمتحمِّسين المحمِّسين وأنه رد على المثبطين المخذلين، فمن الذي يريد الخير للإسلام والمسلمين، الذي يأمر بمزيد إعداد وصبر حتى تتهيأ الظروف المناسبة أم الذي يلقي الأمة في التهلكة بقرار ينسق فيه مع أعداء الله الرافضة الخونة؟.

ولو كانت المعركة بين مقاتلين ومقاتلين، ليس فيها مدنيون، وفرضت على المسلمين فرضا لهان الخطب وقلنا إنهم قد أخذوا بالأسباب في الإعداد والحماية لأنفسهم في خنادق يقاتلون منها ويحمون أنفسهم من العدو، لكن عندما يفرض المسلم المعركة على العدو المجرم ويتترس بالمدنيين ويكلهم لمروءة وخلق عدوهم أو يكلهم للأمم المتحدة لتحميهم وللعدو نفسه أن يقدم لهم الخدمات! فهنا يقف المرء مندهشا من هذا التفكير وهذه المعركة.

٤. ومعارك المسلمين وجهادهم للكفار ليس فيها القتال فحسب، بل فيها كذلك:

– طلب المسلمين وقف القتال.

– الهدنة، تكون أثناء الحرب، ولو طالت أكثر من عشر سنين.

– المعاهدة، كما حصل من النبي صلى الله عليه وسلم ويهود المدينة.

– الصلح، كما حصل في “صلح الحديبية”.

– بل ودفع المال للعدو في حال عدم القدرة على صده، أو لمنعه من غزو بلاد المسلمين حفاظا على الأرواح والأعراض، وهذه ضريبة مؤلمة يتجرعها الأحرار بسبب تفرق المسلمين وذلهم واحتياجهم للغرب في طعامهم وسلاحهم وعموم حياتهم.

فقد يكون المسلمون المحاربون ضعفاء ويكون الأعداء أقوياء، فالمكابرة لا تغير الحقائق، ولا تجعل الضعيفَ قويًّا، والقويَّ ضعيفًا، وليس من الحكمة ولا الصواب أن ندخل مع العدو معركة فناء وإبادة، إذا كانت القوى غير متكافئة ولا متقاربة.

حرر يوم الإثنين 16/1/1446 هـ الموافق 22/7/2024 م

أجوبة على تساؤلات، ردود على إشكالات، توضيح لمقالات، فيما جرى من مناقشات، حول #كارثة_الطوفان (11)

كارثة الطوفان ( 11 )

حلقات #أحكام_الجهاد_وحِكَمه “3”

الحمد لله

١. توثيقا لما اختتمت به كلامي في الحلقة (١٠) أنقل عن فقيه هو مرجعية علمية عند المخالفين، وهو الشيخ القرضاوي رحمه الله، وكل النقولات من كتابه “فقه الجهاد” :

قال القرضاوي -رحمه الله- :

فماذا يفعل المسلمون حين تجري عليهم الأقدار، وتدور بهم الأيام، فينكسرون ويهزمون أمام أعدائهم؟ أو حين يرون أعداءهم أقوى بكثير منهم، وأنهم لا قِبَل لهم بهم، ولا طاقة لهم بحربهم؟ هنالك لا مفر من الاعتراف بالواقع فالمكابرة لا تغير الحقائق، ولا تجعل الضعيف قويًا، والقوي ضعيفا، وليس من الحكمة ولا الصواب أن ندخل مع العدو معركة فناء وإبادة، إذا كانت القوى غير متكافئة ولا متقاربة.

فإذا رأت قيادة المسلمين- بعد التشاور في الأمر، كما هو واجب – أن هناك خطرا عليهم من استمرار القتال، وجب وقف القتال، سواء طلب العدو إيقافه أم لم يطلبه. انتهى.

وقال:

أما إذا كان الجهاد جهاد دفع، أي جهاد مقاومة للعدو الغازي، فهذا جهاد اضطرار، لا جهاد اختيار، هو جهاد مقاومة للوقوف في وجه العدو حتى لا يدخل أرض الإسلام، أو لطرده منها إذا دخل، وفي هذا الجهاد تُبْذل المُهَج والأرواح حفاظًا على الأرض والعِرض، ودفاعًا عن الحرمات والمقدسات، ولكن ليس إلى حدِّ تعريض الجماعة كلِّها للهلاك.

فليس من الحكمة ولا الصواب أن ندخل مع العدو معركة فناء وإبادة، إذا كانت القوى غير متكافئة ولا متقاربة، وهذا من واقعية هذه الشريعة، التي تتعامل مع الحقائق على الأرض، ولا تحلِّق في مثاليات ليس تحتها طائل، إنها تعمل أبدًا على جلب المصلحة، وتوقِّي المفسدة. ولها في ذلك فقه رحب عميق، سمَّيناه (فقه الموازنات). انتهى.

وقال:

وقال الإمام ابن القيم في فقه غزوة الحديبية من “الهدي النبوي” ، حيث ذكر: جواز ابتداء الإمام بطلب صلح العدو إذا رأى مصلحة المسلمين فيه، ولا يتوقف ذلك على أن يكون ابتداء الطلب منهم.

ثم يستدل بقصة غطفان في غزوة الأحزاب: وقال في [بداية المجتهد]: (كان الأوزاعي يجيز أن يصالح الإمام الكفار على شئ يدفعه المسلمون إلى الكفار، إذا دعت إلى ذلك ضرورة فتنة ، أو غير ذلك من الضرورات). انتهى.

وقال :

وقد تنتهي المعركة بين المسلمين وأعدائهم بالصلح والمسالمة، إذا جنح إلى ذلك، وطالب المسلمين بالصلح والمهادنة، وكف الأيدي عن القتال، ومعنى الهدنة كما قال ابن قدامة: أن يعقد (أي الإمام) لأهل الحرب عقدًا على ترك القتال مدَّة، بِعوض أو بغير عوض، وتسمى: مهادنة وموادعة ومعاهدة، وذلك جائز بدليل قوله الله تعالى: (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين) [التوبة:1]، وقال سبحانه وتعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم) [الأنفال:61]، وروى مروان والمسور بن مخرمة: أن النبي –صلى الله عليه وسلم– صالح سهيل بن عمرو (ممثل قريش) بالحديبية، على وضع القتال عشر سنين، ولأنه قد يكون بالمسلمين ضعف، فيهادنهم حتى يقوى المسلمون، ولا يجوز ذلك إلا للنظر للمسلمين: إما بأن يكون بهم ضعف عن قتالهم، وإما أن يُطمع في إسلامهم بهدنتهم، أو في أدائهم الجزية، والتزامهم أحكام الملة، أو غير ذلك من المصالح ….. بل ذهب الإمام ابن القيم إلى أن مصالحة المشركين ببعض ما فيه ضيم على المسلمين جائزة للمصلحة الراجحة، ودفع ما هو شرٌّ منه، ففيه دفع أعلى المفسدتين باحتمال أدناهما، وهذا ذكره استنباطًا من فقه صلح الحديبية وما فيه من فوائد فقهية.

وإذا كان بعض الفقهاء لا يجيزون المعاهدة [الصلح مع المشركين] لأكثر من عشر سنين فهناك من أجاز الهدنة لما هو أكثر من ذلك وفق مصلحة المسلمين وهذا ما أرجحه. انتهى.

٢. وتتمة لما سبق في الحلقة (١٠) أود التنبيه على ما قد يُفهم غلطا وخاصة ممن يقرأ ليشغِّب لا ليستفيد: أن الشرع لا يحرّم مواجهة مجاهدي المسلمين لجيش الكفار إذا كان الكفار أضعاف عددهم -وبذلك يبطل الاستدلال بكثير من الحوادث جيء بها  للرد على ما نقول- وأكثر معارك المسلمين كانت كذلك أصلا مثل القادسية واليرموك وأعظم منهما معركة “ملاذكرد”، وإنما الذي نبهنا عليه هو أن لا تكون أعدادهم وأسلحتهم (تبيد المسلمين أو توقعهم أسرى، أو تكون هزيمة من غير نكاية موجعة للعدو).

– ففي (جهاد الطلب وهو جهاد اختيار) لا يواجهون الكفار بل ينسحبون، وإذا حصل هذا أثناء القتال فيباح لهم الفرار، فالأمر يدور بين (عدم وجوب المواجهة) و (إباحة الفرار).

قال الخطيب الشربيني -رحمه الله-:

إذا زادت الكفار على الضعف ورُجي الظفر بأن ظنناه إن ثبتنا: استُحب لنا الثبات، وإن غلب على ظننا الهلاك بلا نكاية: وجب علينا الفرار؛ لقوله تعالى {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، أو بنكاية فيهم: استُحب الفرار. “مغني المحتاج”.

وقال الشوكاني -رحمه الله-:

ومعلوم أن من أقدم وهو يرى أنه مقتول أو مأسور أو مغلوب: فقد ألقى بيده إلى التهلكة. “السيل الجرار”.

وفي (جهاد الدفع وهو جهاد اضطرار) يبذل المسلمون جميعا ما يقدرون عليه، وإنما التوقف في حال كون القتال يسبب إبادة جماعية فيُتصرف بما ذكرناه سابقا من طلب وقف الهجوم أو وقف القتال مقابل هدنة أو صلح أو مال يُدفع لهؤلاء الكفار.

قال ابن تيمية – رحمه الله-:

فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين فإنه يصير دفعه واجباً على المقصودين كلهم، وعلى غير المقصودين لإعانتهم … وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله مع القلة والكثرة والمشي والركوب كما كان المسلمون لما قصدهم العدو عام الخندق لم يأذن الله في تركه لأحد كما أذن في ترك الجهاد ابتداء لطلب العدو الذي قسمهم فيه إلى قاعد وخارج. “الاختيارات الفقهية”.

وللأسف فهذا لا ينطبق على الحرب على غزة التي كتبنا هذه الحلقات من أجلها، فالمقاتلون هم من بدأوا المعركة جاءوا بالأسرى والسبايا! فأدخلوا العدو للبلد بنفس خبيثة نازية للانتقام الشديد فطبقوا تعاليم دينهم المحرف في قتل النساء والأطفال، واشتدوا في الوحشية إهانة وقتلا وتعذيبا، حتى احتلوا غزة كلها، فبدلا من تحرير الأقصى أضعنا غزة المحررة أصلا، وتُرك المدنيون في مواجهة الأسلحة المدمرة حتى وصل عدد الشهداء ل (٥٠ ألفا) و الجرحى (ل ١٠٠ ألف) -مع الاستمرار وعدم التوقف لهذه اللحظة- مع تدمير شامل للمساجد والجامعات والمؤسسات والبيوت، والمقاتلون في خنادق ليسوا في مواجهة مع العدو، وهذه الصورة لم يذكرها العلماء في جهاد الدفع، بل العكس هو ما كان كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم من وضع النساء في حصن وكان هو والصحابة في مواجهة العدو في الأحزاب، ولما بعث حذيفة بن اليمان بينهم قال له (لا تَذْعرهم علينا) وتمكن حذيفة من قتل أبي سفيان لكنه لم يفعل استجابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي هذه المعركة لم يؤمن جانب النساء والأطفال وتم إذعار العدو علينا، والحجة الفارغة أنهم كانوا سيدخلون البلاد لا ترقع للأمر، فمن يعلم بقرب دخول عدوه عليه فإما أن يدفعه بالقوة الشديدة في الاستعداد، وإما أن يمنعه من الدخول بالكلية أو يؤخره قدر الاستطاعة لا أن يعجل بدخوله دخولا نازيا متوحشا.

والمجاهدون لهم أعمال بطولية لا تنكر، ومن رأى مقاطعهم لم يشك في صدقهم وبيع أنفسهم لله والرغبة في النكاية بالعدو المجرم، لكن لم يبق في القلب مجال للفرح بقتل يهود مع عظيم الحزن والألم لما أصاب المدنيين من هدم وقتل وتشريد وجوع وعطش، وعدم تأثير القتل بهم مع وجود مرتزقة كثر، ولا في آلياتهم مع وجود دول تدعمهم بأضعافها، والمشكلة أن القادة -والمنظرون لهم في الخارج- لا يزالون يرون صحة فعلهم وأنهم سيكررونها مرارا! فأين هو دفع العدو الصائل الذي أدخلتموه بلدكم؟ ولا نرى إلا معركة شرسة نازية بين جيش وشعب أعزل، مع تغني القادة السابق مرارا بتحدي هذا الجيش أن يدخل بريّا وأنه سيغرق في رمال غزة، وأنه سيندم ويهلك، مع ما سمعناه من الخرافات السمجة في “مؤتمر وعد الآخرة”، مع ما قاله (هنية) أنه أوصى نجارين لصناعة منبر جديد للمسجد الأقصى! والواقع المعلوم لكل عاقل أنه لا مقارنة بينكم في العدة والعتاد، واليهود حلفاؤهم كل كافر نجس في الأرض يبغض الإسلام ويتمنى زواله، وأنتم ليس لكم حلفاء إلا إيران المجوسية الخائنة وهي لا تقل كفرا وخبثا ووحشية عن حلفاء اليهود، ولو كانت المعركة (لا سمح الله) معها لرأينا النتائج الكارثية أضعافا مضاعفة، سيأتي مزيد بيان لهذا، إن شاء الله.

٣. وكون عدد الكفار -الذي يمنع وجوب المواجهة ويبيح الفرار- ضعف عدد المسلمين لا يراد لذات العدد بل لأنه مظنة القوة، فيكون مثله -بل وأولى منه- إذا تفوق العدو بأسلحة الدمار ولا يملك المسلم مثلها ولا أقل منها بكثير، وذكر العدد هو مع تقارب العتاد والسلاح، والمسألة وإن كان فيها خلاف بين المتقدمين إلا أن فقهاء المذاهب المعاصرين لا أظنهم يختلفون مع ما يرونه من تفاوت القوة في السلاح.

قال السرخسي- رحمه الله – :

ثم خفف الأمر فقال: {الآن خفف الله عنكم} إلى قوله {فإن يكن منكم فئة صابرة يغلبوا مئتين}، وهذا إذا كان بهم قوة القتال بأن كانت معهم الأسلحة، فأما من لا سلاح له فلا بأس بأن يفر ممن معه السلاح، وكذلك لا بأس بأن يفر ممن يرمى إذا لم يكن معه آلة الرمي.

ألا ترى أن له أن يفر من باب الحصن، ومن الموضع الذي يرمى فيه بالمنجنيق لعجزه عن المقام في ذلك الموضع؟ وعلى هذا لا بأس بأن يفر الواحد من الثلاثة، إلا أن يكون المسلمون اثنى عشر ألفا كلمتهم واحدة، فحينئذ لا يجوز لهم أن يفروا من العدو وإن كثروا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لن يغلب اثنا عشر ألفا عن قلة، ومن كان غالبا فليس له أن يفر”. “شرح السير الكبير”.

وما قاله السرخسي هنا -وهو مذهب الحنفية- من تخصيص الحديث لعموم الآية غلط:

أ. فعندهم -وليس راجحا عندي- لا يَنسخ الآيةَ إلا قطعي الثبوت -القرآن والخبر المتواتر- والحديث هذا من الآحاد بل ولا يصح أصلا!

ب. نص الحديث «خَيْرُ الصَّحَابَةِ أرْبَعَةٌ وَخَيْرُ السَّرَايَا أرْبَعُمِائَةٍ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أرْبَعَةُ آلاَفٍ، وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ ألْفاً مِنْ قِلَّةٍ». رواه أحمد وأبو داود والترمذي.

قال أبو داود في” سننه”: والصحيح أنه مرسل.

وقال في” المراسيل” : قد أُسند هذا، ولا يصح، أسنده جرير بن حازم وهو خطأ.

وأشار الترمذي لإرساله.

وعلله الدارقطني وأبو حاتم الرازي وقال: المرسل أشبه، لا يحتمل هذا الكلام أن يكون كلام النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى.

– والحديث كان صححه الشيخ الألباني رحمه الله ثم تراجع وضعفه.

ج. وهذا هو الصحيح أنه ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم والواقع يغلطه، فقد هزم المسلمون في معارك كانوا فيها أكثر من ذلك العدد.

د. ولو صح الحديث فمعناه: أن الهزيمة لا تكون من جهة العدد بل من أشياء أخرى.

قال الشيخ العثيمين -رحمه الله-:

إذا قاتل المسلمون الكفار وهم اثنا عشر ألفا فإنهم لن يغلبوا، لكن لن يغلبوا باعتبار الكمية أما باعتبار الكيفية فلو اجتمع اثنا عشر مليون هزموا….

فالحاصل: أن الحديث (لن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة) هذا لو أننا صدَقنا اللهَ، أما ونحن الآن لا نريد إلا شبع البطون وشهوة الفروج ولذة الفرش فسنغلب لو كنا اثني عشر ألف مليون، نعم . انتهى.

والله أعلم.

حرر يوم الأربعاء 18/1/1446 هـ الموافق 24/7/2024 م

أجوبة على تساؤلات، ردود على إشكالات، توضيح لمقالات، فيما جرى من مناقشات، حول #كارثة_الطوفان (12)

كارثة الطوفان ( 12 )

حلقات #أحكام_الجهاد_وحِكَمه “4”

الحمد لله

١. كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم مراعاة قوته وضعفه في ابتداء القتال، وانتقام المسلم من الظالم من أشد الأشياء طلبا، ومع ذلك فما كان ليغامر بالمسلمين ويفرط بأرواحهم في سبيل التشفي والانتقام.

ومن أعظم ما أحزنه في حياته صلى الله عليه وسلم حادثة (بئر معونة) (٤ هجري) حيث قَتل الطفيل بن عامر -من بني عامر- بالتآمر مع قبائل (عُصيَّة ورِعل وذَكوان من بني سُلَيم) – سبعين من خيرة أصحابه صلى الله عليه وسلم وكانوا من صفوة أهل العلم، بعثهم النبي صلى الله عليه وسلم لأهل نجد لدعوتهم لدين الله فقتلوهم غدرا، وحزن لذلك النبي صلى الله عليه وسلم أشد الحزن، قال أنس رضي الله عنه: (فما رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجَدَ (حزن) على شيء ما وجد عليهم) رواه البخاري، وقد كان عددهم يساوي عدد شهداء أُحُد، وقد قنت النبي صلى الله عليه وسلم شهرا كاملا في الصلوات الخمس يدعو على هذه القبائل.

وكانت (ديار بني عامر) ذاك تبعد عن المدينة المنورة (١٨٠) كيلا.

ولأنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه للتو قد خرجوا من غزوة أحد وما حصل فيها لم يقو على الانتقام لأصحابه.

ولكنه صلى الله عليه وسلم لما قُتل رسوله إلى (بُصرى) الصحابي الحارث بن عمير الأزدي من قبل شرحبيل بن عمرو الغساني وكان قد لقيه في “مؤتة” جهز النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة آلاف مقاتل لتأديب شرحبيل وعصابته، وفي المكان نفسه، وكانت تبعد عن المدينة (١٠٠٠) كيلا!، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في قوة إذ كان في صلح مع قريش في “الحديبية” وكان الناس يدخلون في دين الله، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليبعث هذا العدد إلا لأولئك العصابة وليس في باله تدخل الروم لنصرة شرحبيل ولم يكن يعلم ذلك وقد تفاجأ الصحابة بهم عند المواجهة، وحصل ما حصل مما هو معلوم، ومن عظيم نتائج هذه الغزوة المباركة فتح مكة! فقد فرحت قريش بهزيمة المسلمين وظنت زوال هيبتهم وقوتهم فنقضت العهد بنصرة قبيلة (بني بكر) على (قبيلة خزاعة) حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم فجهز النبي صلى الله عليه وسلم جيشه وفتح مكة وكان فتحا مبينا، والشاهد من هذا واضح بيّن، وهو مراعاة قوة وضعف الدولة والطائفة والجماعة، وأنه لا يغامر بانتقام لقائد قتل أو أسير مضرب عن الطعام مات أو لانتقام من خنزير صهيوني، بما يسبب قتلا وتدميرا ثم البحث عن وسيط لوقف إطلاق النار (احمونا)، ولا نجني إلا مزيدا من الخسائر في الأنفس والبنيان، وبعض المغامرين كان يريد الانتقام من مؤسسة أمنية بالتسبب بكارثة عظيمة جدا يقتل فيها الألوف من أجل انتقامٍ لاعتقالٍ سابق فيها أو تعذيب، وللأسف أن يولى مثل هؤلاء قدرات وحماسات أسلحة وأموال تذهب في مثل هذه العبثيات.

٢. وطبيعة النفس البشرية أنها تؤثر فيها مشاهد القتل والأشلاء للمدنيين – وخاصة النساء والأطفال- أكثر من تأثرها بالعسكريين؛ لما للفرق الذي لا يخفى بينهم، والشريعة الإسلامية راعت هذا الأمر، ولنتأمل هذه الآية وتفسيرها،

قال تعالى { هُمُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ وَصَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡهَدۡیَ مَعۡكُوفًا أَن یَبۡلُغَ مَحِلَّهُۥۚ وَلَوۡلَا رِجَالࣱ مُّؤۡمِنُونَ وَنِسَاۤءࣱ مُّؤۡمِنَـٰتࣱ لَّمۡ تَعۡلَمُوهُمۡ أَن تَطَـُٔوهُمۡ فَتُصِیبَكُم مِّنۡهُم مَّعَرَّةُۢ بِغَیۡرِ عِلۡمࣲۖ لِّیُدۡخِلَ ٱللَّهُ فِی رَحۡمَتِهِۦ مَن یَشَاۤءُۚ لَوۡ تَزَیَّلُوا۟ لَعَذَّبۡنَا ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِیمًا} الفتح/ ٢٥.

كفار قريش هم الذين جحدوا توحيد الله، وصدُّوكم يوم “الحديبية” عن دخول المسجد الحرام، ومنعوا الهدي، وحبسوه أن يبلغ مَحِلَّ نحره، وهو الحرم. ولولا رجال مؤمنون مستضعفون ونساء مؤمنات بين أظهر هؤلاء الكافرين ﺑ”مكة”، يكتمون إيمانهم خيفة على أنفسهم لم تعرفوهم؛ خشية أن تطؤوهم بجيشكم فتقتلوهم، فيصيبكم بذلك القتل إثم وعَيْب وغرامة بغير علم، لَكُنّا سلَّطناكم على المشركين؛ ليدخل الله في رحمته من يشاء فيَمُنَّ عليهم بالإيمان بعد الكفر، لو تميَّز هؤلاء المؤمنون والمؤمنات عن مشركي “مكة” وخرجوا من بينهم، لعذَّبنا الذين كفروا وكذَّبوا منهم عذابًا مؤلمًا موجعًا. “التفسير الميسر”.

قال الشيخ عبد الوهاب الطريري -حفظه الله-:

عند قول الله عز وجل {لَوۡ تَزَیَّلُوا۟} أي: لو تميّز هؤلاء المؤمنون عن الكفار ففارقوهم وانفصلوا عنهم {لَعَذَّبۡنَا ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِیمًا} أي: لحلّت العقوبة الماحقة في هؤلاء الكفار، ولكنّ الله عز وجل لم يشأ أن يعذبهم بعذاب عامّ يستأصلهم؛ رحمةً بالمؤمنين المستضعفين بينهم.

إن الله عز وجل قادر على أن يعاقبهم عقابا أليما خاصّا يستأصلهم ولا ينال المؤمنين ضرره، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} فهو قادر على أن ينزل عقوبة تخص الكافر وينجو منها المؤمن، ولكنّ الله عز وجل كفّ يد نبيه؛ رعاية لسُنّة الأسباب التي جعلها نظاما لهذا الكون، فكانت رعاية نظام الأسباب والسنن التي جعلها لهذا مقدمةً على إحداث معجزة خارقة يموت فيها الكافر ويبقى المسلم.

ولذلك عندما يرتفع التكليف ويُرفع القرآن تأتي ريح طيبة تقبض أرواح المؤمنين وتترك الكفار يتهارجون تهارج الحُمُر؛ لأن التكاليف ارتفعت ونظام الكون يوشك على الانتقاض لقرب قيام الساعة، أما في زمن التكليف فكل شيء يسير وفق قانون الأسباب الذي جعله الله نظاما لهذا الكون.

فانظر -يا رعاك الله- كيف كفّ الله يد نبيه وخيرة الخلق معه مع شدة شوقهم لمكة وقد وصلوا مشارفها محرِمين بالعمرة، والهدي معهم معكوفا أن يبلغ محله: ثم يعودون وهم يكابدون شوقهم ولهفتهم وحسرة قلوبهم.

وأن ذلك كله كان حفاظا على أرواح فئة قليلة من المؤمنين مستخفية بإيمانها ببطن مكة.

فأي صيانة لأرواح المسلمين ورعايةٍ لحرمة دمائهم أبلغ من هذا؟ وأين هذا الهدي الرباني في تعظيم شأن أرواح المسلمين وصيانتهم من التعرض لأسباب التهلكة من هذه المجازفات باسم الجهاد والتي يكون أول ضحاياها هم المستضعفون العزل من المسلمين الذين {لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا}؟! فإذا هم بعد السكينة في دورهم، والتعبّد في مساجدهم، والتعلم في مدارسهم: قد صاروا أشلاء ممزقة، قضت عليهم أشد أسلحة الدمار فتكا، ومن نجا منهم تفرقوا بددا بين الملاجئ والمنافي.

والأعجب ألا تسمع بعد ذلك كلمة ندم، أو اعترافا بخطأ، ممن تسبب عليهم بذلك، وإنما التبرير والتعذير والتنصل من كل مسؤولية، والمتاجرة بدمائهم، والمزايدة بمصائبهم، حتى سمعنا بعض هؤلاء المحرضين يهوّن من كل ذلك قائلا: وكم الذين ماتوا ضحايا حوادث السيارات؟ وكم الذين ماتوا من نزلات البرد؟ أو ضربات الحر؟ ولا أدري هل يتقبل هذا المستهتر بالدماء هذه الحجة لو قُتل ولدُه أو والدُه ثم قيل له: افترض أن سيارة قد دهسته؟ .

أي منطق وأي تبرير هذا؟ وهل نلوم أعداءنا بعد ذلك إذا استهانوا بدماء إخواننا المسلمين بعد أن استهنّا نحن بها وعرضناها لهذه الهلكات؟ لقد هانوا علينا فهانوا على أعدائنا. “سنام الإسلام”.

واستدل بعضهم بموت الناس بالزلازل والفيضانات فقال موت هؤلاء على يد اليهود أفضل! فاستدل على مغامراته بالأحكام الكونية التي لا إرادة للعبد بها ولا يُسأل الله عما يفعل، وترك مخالفة الأحكام الشرعية والتي منعت الجهاد مع العجز وقسوة النتائج، وتغافل عن أن الله تعالى سائله عما قال وفعل.

والله المستعان.

حرر يوم الخميس 19/1/1446 هـ الموافق 25/7/2024 م

أجوبة على تساؤلات، ردود على إشكالات، توضيح لمقالات، فيما جرى من مناقشات، حول #كارثة_الطوفان (13)

كارثة الطوفان ( 13 )

حلقات #أحكام_الجهاد_وحِكَمه “5”

الحمد لله

١. يكتب منظرون أنه طالما كنا نحن على الإسلام وأصحاب حق وكان عدونا كافرا وهو صاحب باطل، وكنا وإياهم في معركة وقتال: فهذا كفيل بتحقق النصر لنا! ويضيفون -افتراء على الله- أنه تعالى وعدهم بذلك! وهذه مصيبة عظمى في فهم الشرع وتبليغه للعامة أن معهم من الله تعالى لذواتهم وعدا بالنصر! ولو صح هذا الكلام لما صارت هزيمة “أحد” ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ولما هُزم المسلمون في معركة.

فالانتصار في كل قتال لم يحصل للأنبياء والمرسلين فضلا عن غيرهم من الأولياء والصالحين، ولكنها أوهام تسوّق للناس افتراء على الله تعالى وشرعه.

وقد استدل “هرقل” على صحة نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، في الحديث (المتفق عليه) في حواره مع أبي سفيان؟ وفيه قوله “وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَدْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَتَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالًا، يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ ‌الرُّسُلُ ‌تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ”.

قال المهلب:

وإنما يبتلى الله الأنبياء ليِعظم لهم الأجر والمثوبة ولمن معهم، ولئلا يخرق العادة الجارية بين الخلق، ولو أراد الله خرق العادة لأهلك الكفار كلهم بغير حرب، ولثبط أيديهم عن المدافعة حتى يؤسروا أجمعين، ولكن أجرى تعالى الأمور على العوائد ليأجر الأنبياء ومن معهم، ويأتوا يوم القيامة مكلومين شهداء في سبيل الله، ظاهري الوسيلة والشفاعة. انتهى من “شرح صحيح البخاري” لابن بطال.

قال ابن القيم -رحمه الله-في كلامه عن “غزوة أحد”، وما وقع فيها من هزيمة المسلمين، وحِكم الله العظيمة في ذلك-:

ومنها: أن حكمة الله وسنَّته في رسله وأتباعهم جرت بأن يُدالوا مرةً، ويدال عليهم أخرى، لكن تكون لهم العاقبة، فإنهم لو انتصروا دائمًا دخل معهم المؤمنون وغيرهم ولم يتميَّز الصادقُ من غيره، ولو انتُصِر عليهم دائمًا، لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة.

فاقتضت حكمة الله أن جمع لهم بين الأمرين، ليتميز من يتَّبعهم ويطيعهم للحق وما جاءوا به، ممن يتَّبعهم على الظهور والغلبة خاصةً. “زاد المعاد”.

٢. وقد ذكر أهل العلم أن النصر المؤكد في المعارك مع الكفار في أشياء محددة، وهي :

أ. المعارك مع كفار قريش بعد بيعة الرضوان وصلح الحديبية (وهذه قطعية، وتذكر في علامات النبوة).

قال تعالى {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا . سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} الفتح/٢٢، ٢٣.

والمعنى : لو كان حصل قتال وقتها بينكم وبين كفار قريش لانتصرتم عليهم، والمعنى الثاني: لن يحصل قتال بعد تلك البيعة وذاك الصلح إلا وتكون الغلبة لكم.

فهي خاصة بتلك الواقعة، أو خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام في قتالهم مع كفار قريش تحديدا، وبعد ذلك الصلح تحديدا كذلك.

قال ابن عطية -رحمه الله- :

وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾، إشارَةٌ إلى قُرَيْشٍ ومَن والاها في تِلْكَ السَنَةِ، قالَهُ قَتادَةُ، وفي هَذا تَقْوِيَةٌ لِنُفُوسِ المُؤْمِنِينَ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: أرادَ الرُومَ وفارِسَ، وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما الإشارَةُ إلى العَدُوِّ الأحْضَرِ. “المحرر الوجيز”.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-في الآية ومثيلاتها-:

وكان كذلك، فلم يقاتلوهم بعد نزول الآية إلا انتصر عليهم المسلمون.

“الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح”.

ب. المعارك الفاصلة العظيمة بين الإيمان والكفر، لا بين مسلمين وكفار، بمعنى لا يمكن أن يسلط عدو على المسلمين جميعا فيستبيح بيضتهم.

– قال ابن كثير -رحمه الله-:

﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ أَيْ: هَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ وَعَادَتُهُ فِي خَلْقِهِ، مَا تَقَابَلَ الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ فِي مَوْطِنٍ فَيْصَلٍ إِلًا نَصَر اللَّـه الْإِيمَانَ عَلَى الْكُفْرِ، فَرَفَعَ الْحَقَّ وَوَضَعَ الْبَاطِلَ، كَمَا فَعَلَ تَعَالَى يَوْمَ (بَدْرٍ) بِأَوْلِيَائِهِ الْمُؤْمِنِينَ نَصَرَهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مَعَ قِلَّةِ عدد المسلمين وعُدَدهم، وكثرة المشركين وعددهم . “تفسير القرآن العظيم”.

– وقال الشنقيطي -رحمه الله-:

في معنى هذه الآية أوجه للعلماء: منها: أن المراد بأنه لا يجعل لهم على المؤمنين سبيلاً يمحو به دولة المسلمين ويستأصلهم ويستبيح بيضتهم؛ كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عنه صلى الله عليه وسلم من حديث ثوبان أنه قال:”وإني سألت ربي ألا يُهلك أمتي بسنَة بعامة وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن الله قد أعطاني لأمتي ذلك حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضًا” . “أضواء البيان”.

– ومن قال (من المتأخرين) بعموم الآية ربط ذلك بتحقيق الصبر والتقوى.

قال ابن القيم -رحمه الله-:

أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ الكُفّارَ لَوْ قاتَلُوا أوْلِياءَهُ لَوَلّى الكُفّارُ الأدْبارَ غَيْرَ مَنصُورِينَ، وأنَّ هَذِهِ سُنَّتُهُ في عِبادِهِ قَبْلَهُمْ، ولا تَبْدِيلَ لِسُنَّتِهِ.

فَإنْ قِيلَ: فَقَدْ قاتَلُوهم يَوْمَ أُحُدٍ وانْتَصَرُوا عَلَيْهِمْ ولَمْ يُوَلُّوا الأدْبارَ؟.

قِيلَ: هَذا وعْدٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ مَذْكُورٍ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وهو الصَّبْرُ والتَّقْوى، وفاتَ هَذا الشَّرْطُ يَوْمَ أُحُدٍ بِفَشَلِهِمُ المُنافِي لِلصَّبْرِ، وتَنازُعِهِمْ وعِصْيانِهِمُ المُنافِي لِلتَّقْوى، فَصَرَفَهم عَنْ عَدُوِّهِمْ، ولَمْ يَحْصُلِ الوَعْدُ لِانْتِفاءِ شَرْطِهِ. “زاد المعاد”.

وقد جمع بين المعنيين الطاهر بن عاشور، فقال -رحمه الله -:

والمَعْنى: سَنَّ اللَّهُ ذَلِكَ سُنَّةً، أيْ جَعَلَهُ عادَةً لَهُ يَنْصُرُ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ إذا كانَتْ نِيَّةُ المُؤْمِنِينَ نَصْرَ دِينِ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] وقالَ ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]، أيْ أنَّ اللَّهَ ضَمِنَ النَّصْرَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنْ تَكُونَ عاقِبَةُ حُرُوبِهِمْ نَصْرًا وإنْ كانُوا قَدْ يُغْلَبُونَ في بَعْضِ المَواقِعِ كَما وقَعَ يَوْمَ أُحُدٍ وقَدْ قالَ تَعالى {والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} ، وقالَ {والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى} .

وإنَّما يَكُونُ كَمالُ النَّصْرِ عَلى حَسَبِ ضَرُورَةِ المُؤْمِنِينَ وعَلى حَسَبِ الإيمانِ والتَّقْوى، ولِذَلِكَ كانَ هَذا الوَعْدُ غالِبًا لِلرَّسُولِ ومَن مَعَهُ فَيَكُونُ النَّصْرُ تامًّا في حالَةِ الخَطَرِ كَما كانَ يَوْمَ (بَدْرٍ)، ويَكُونُ سِجالًا في حالَةِ السِّعَةِ كَما في وقْعَةِ (أُحُدٍ) وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: “اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ لا تَعْبُدُ في الأرْضِ”؟ وقالَ اللَّهُ تَعالى ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] ويَكُونُ لِمَن بَعْدَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِن جُيُوشِ المُسْلِمِينَ عَلى حَسَبِ تَمَسُّكِهِمْ بِوَصايا الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم. انتهى.

وليُعلم أن الكذب على الشرع ضلال مبين وإثم عظيم ويزداد هذان بالاستدلال على ذاك الكذب بأدلة من الشرع، كمن يجيز الاستغاثة الشركية أو التوسل المبتدع أو التحريف في أسماء الله تعالى وصفاته، وحتى في المسائل العملية، ويضاف إلى آثامهم تغرير العامة وتشكيكهم بدينهم بعد انقضاء المعركة على غير ما سوقوا لها، وهو ما جعل بعضهم يرتد عن الدين، كما سبق أن بيناه في مقالات سابقة لما أقسم هؤلاء المفترون على الله بحتمية انتصار صدام حسين في معركته مع التحالف بعد غزوه للكويت.

– ويستدل هؤلاء لباطلهم بأدلة، منها:

أ. قوله تعالى {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} الأعراف/١٣٧.

والرد على ذلك أن يقال لهم:

إن بشارة موسى عليه السلام لقومه {قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} الأعراف/١٢٨، لم يدركها في زمانه، بل مات وأخوه هارون عليهما السلام في صحراء التيه، وأدرك البشارةَ الجيلُ الذي بعده من أتباع موسى عليه السلام، قال تعالى {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا … } الأعراف/١٣٧.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:

يبين هذا أن في هذا الدعاء -يعني الوارد في آخر سورة البقرة- سؤال الله بالعفو والمغفرة والرحمة والنصر على الكفار، ومعلوم أن هذا ليس حاصلاً لكل واحد من أفراد الأمة، بل منهم من يدخل النار، ومنهم من يُنصر عليه الكفارُ، ومنهم من يُسلب الرزق؛ لكونهم فرطوا في طاعة الله ورسوله، فيسلبون ذلك بقدر ما فرطوا أو قصروا. “مجموع الفتاوى”.

ب. ويستدل هؤلاء أيضا:

بقوله تعالى {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا ) النساء/ ١٤١.

وفيها ثلاثة أقوال:

أحدُها: أنه لا سبيل لهم عليهم يوم القيامة.

والثاني: أن المراد بالسبيل: الظهور عليهم، يعني: أن المؤمنين هم الظاهرون، والعاقبة لهم.

والثالث: أن السبيل: الحجة. قال السدي: لم يجعل الله عليهم حجة. يعني: فيما فعلوا بهم من القتل والإخراج من الديار.

[وليس منها أن يكون النصر والظفر في كل نازلة مع الكفار] .

ولو جعلنا المعنى الثاني هو المراد -كما يفعله كل من يقيم قتالا ضد الكفار- فلن يخلو الأمر من وجوب تحقيق شروط النصر من الإعداد والصبر والتقوى والنية في نصرة الدين، مع عدم مخالفة الشرع.

يقول ابن القيم -رحمه الله- :

الآية على عمومها وظاهرها، وإنما المؤمنون: يصدر منهم من المعصية والمخالفة التي تضاد الإيمان ما يصير به للكافرين عليهم سبيل بحسب تلك المخالفة، فهم الذين تسبّبوا إلى جعل السبيل عليهم، كما تسببوا إليه يوم (أُحُد) بمعصية الرسول ومخالفته، والله سبحانه لم يجعل للشيطان على العبد سلطانا حتى جعل له العبد سبيلا إليه بطاعته والشرك به، فجعل الله حينئذ له عليه تسلطا وقهرا، فمن وجد خيرا فليحمد الله تعالى، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه. انتهى. “إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان”.

ويقول العلامة الطاهر بن عاشور -رحمه الله- :

فإن قلت: إذا كان وعدا: لم يجز تخلفه، ونحن نرى الكافرين ينتصرون على المؤمنين انتصارا بيّنا، وربما تملكوا بلادهم وطال ذلك، فكيف تأويل هذا الوعد؟.

قلت: إن أريد بالكافرين والمؤمنين الطائفتان المعهودتان بقرينة القصة: فالإشكال زائل؛ لأن الله جعل عاقبة النصر أيامئذ للمؤمنين، وقطع دابر القوم الذين ظلموا، فلم يلبثوا أن ثُقفوا وأخذوا وقتلوا تقتيلا، ودخلت بقيتهم في الإسلام، فأصبحوا أنصارا للدين.

وإن أريد العموم: فالمقصود من المؤمنين: المؤمنون الخُلَّص الذين تلبسوا بالإيمان بسائر أحواله وأصوله وفروعه، ولو استقام المؤمنون على ذلك لما نال الكافرون منهم منالا، ولدفعوا عن أنفسهم خيبة وخبالا. ” التحرير والتنوير”.

– وللحديث بقية في نقض استدلالاتهم.

حرر يوم الخميس 26/1/1446 هـ الموافق 1/8/2024 م

أجوبة على تساؤلات، ردود على إشكالات، توضيح لمقالات، فيما جرى من مناقشات، حول #كارثة_الطوفان (14)

كارثة الطوفان ( 14 )

حلقات #أحكام_الجهاد_وحِكَمه “6”

الحمد لله

١. د. ويستدلون بقول الله تعالى: ﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾.

وفيها ثلاثة أقوال:

أحدها: أن ذلك بإثبات حججهم.

والثاني: بإهلاك عدوهم.

والثالث: بأن العاقبة تكون لهم.

قال ابن الجوزي – بعد ذكره الأقوال الثلاثة-:

وفصل الخطاب: أن نصرهم حاصل لابد منه، فتارة يكون بإعلاء أمرهم كما أعطى داود وسليمان من الملك ما قهرا به كل كافر، وأظهر محمدا ﷺ على مكذبيه، وتارة يكون بالانتقام من مكذبيهم بإنجاء الرسل وإهلاك أعدائهم، كما فعل بنوح وقومه وموسى وقومه، وتارة يكون بالانتقام من مكذبيهم بعد وفاة الرسل، كتسليطه بختنصر على قتلة يحيى بن زكريا. وأما نصرهم يوم يقوم الأشهاد، فإن الله منجيهم من العذاب. “زاد المسير”.

– [وليس منها أن يكون النصر والظفر في كل نازلة مع الكفار].

قال ابن كثير -رحمه الله-:

أورد أبو جعفر بن جرير، رحمه الله تعالى، عند قوله تعالى { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } سؤالا فقال: قد عُلِم أن بعض الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، قتله قومه بالكلية كيحيى وزكريا وشعياء، ومنهم من خرج من بين أظهرهم إما مهاجرا كإبراهيم، وإما إلى السماء كعيسى، فأين النصرة في الدنيا؟ ثم أجاب عن ذلك بجوابين.

أحدهما: أن يكون الخبر خرج عاما، والمراد به البعض، قال: وهذا سائغ في اللغة.

الثاني: أن يكون المراد بالنصر الانتصار لهم ممن آذاهم، وسواء كان ذلك بحضرتهم أو في غيبتهم أو بعد موتهم. “تفسير القرآن العظيم”.

وفي تفسير الألوسي:

{ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا والذين ءامَنُواْ } الخ كلام مستأنف مسوق من جهته تعالى لبيان أن ما أصاب الكفرة من العذاب المحكى من فروع حكم كلي تقتضيه الحكمة هو أن شأننا المستمر أننا ننصر رسلنا وأتباعهم { وَقَالَ إِنَّمَا اتخذتم } بالحجة والظفر والانتقام لهم من الكفرة بالاستئصال والقتل والسبي وغير ذلك من العقوبات، ولا يقدح في ذلك ما قد يتفق للكفرة من صورة الغلبة امتحاناً إذ العبرة إنما هي بالعواقب وغالب الأمر. انتهى.

قال ابن تيمية -رحمه الله-:

الله تعالى قد يُديل الكافرين على المؤمنين تارة كما يديل المؤمنين على الكافرين، كما كان يكون لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مع عدوهم، لكن العاقبة للمتقين .. وإذا كان في المسلمين ضعف، وكان عدوهم مستظهرًا عليهم: كان ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم؛ إما لتفريطهم في أداء الواجبات باطنًا وظاهرًا، وإما لعدوانهم بتعدِّي الحدود باطنًا وظاهرًا. “مجموع الفتاوى”.

وقال -أيضا-:

ومن اتبع ما بعث الله به رسوله كان مهديا منصورا بنصرة الله في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى {إنا ‌لننصر ‌رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} وقال تعالى {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين . إنهم لهم المنصورون . وإن جندنا لهم الغالبون} “. “مجموع الفتاوى”.

وقال ابن القيم -رحمه الله-:

والله سبحانه قد بيَّن في كتابه أنه ناصر المؤمنين في الدنيا والآخرة، وهذا كثير في القرآن، وقد بيَّن سبحانه فيه أن ما أصاب العبد من مصيبة، أو إدالة عدوٍّ، أو كسرٍ، وغير ذلك، فبذنوبه. “إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان”.

وقال -أيضا-:

وكذلك النصر والتأييد الكامل، إنما هو لأهل الإيمان الكامل، قال تعالى {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} وقال {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} فمن نقص إيمانه نقص نصيبه من النصر والتأييد، ولهذا إذا أصيب العبد بمصيبة في نفسه أو ماله، أو بإدالة عدوه عليه: فإنما هي بذنوبه، إما بترك واجب، أو فعل محرم، وهو من نقص إيمانه. المصدر السابق.

٢. وفي النهاية فإن الله أمر بالقتال في عالم الأسباب وسنن الحياة الجارية، ومن علم بحصول الهزيمة لمعارك فيها أنبياء وأولياء، وعلم أن بعض النبيين قد قتل، وجب عليه الأخذ بأسباب القوة كلها، وهو يرى بعينه كيف ينتصر القوي في معاركنا المعاصرة، وها هو العدو يسرح هنا وهناك في اليمن وسوريا ولبنان قتلا واغتيالا وقصفا بما امتلكه من أسباب القوة، ولا يزال العاطفيون يتنقلون بين مقطع فيديو ومنشور وملصق يجاهدون من يخبرهم بالحقيقة وأنه قد كاد بهم أهل الشر وجعلوهم يعيشون أوهاما وخيالات لا واقع لها ولا أساس، وما أن يكتب الواحد منهم منشورا بأي وهم وخيال ويرد على مخالف، حتى يعلق عليه العاطفيون بالدعاء والثناء والنفخ في الحال فيصدق نفسه أنه أنجز إنجاز من فجر دبابة أو قتل جنودا، فينام قرير العين نومة الأبطال! وتعيش الضحايا لهذه الحرب العبثية الإيرانية في همها وغمها ونزوحها وجوعها وعطشها.

وإن القلب ليحزن على هذا البناء في تلك السنوات للجامعات والمشافي والسلاح والعقول والشباب والحفظة والأسر المتعففة التي تسعى على رزقها لولادة مولود أو لزواج ابن وبنت أو لتخرج وعمل، ثم يضيع كل هذا فيصير من الذاكرة وتباد المدينة ويفنى الحجر والشجر والبشر، على معركة خاسرة، كانوا قد جربوا مثلها من قبل في حروب عدة (٢٠٠٨ و ٢٠١٤ و ٢٠٢١) وفي مسيرات العودة (٢٠١٨) ، فما وجدوا غير القتل والهدم، والله المستعان.

وكان الواجب على المجاهدين الصادقين استثمار الاستقلال النسبي، ووجود العقول والأموال، في الإعداد الحقيقي لأسلحة فعّالة مدمّرة كما عند العدو، بقدر الاستطاعة، فإن لم توجد فلا نستعجل المعركة ولا نذعر عدونا ليحقق مقصوده.

والعجيب أن (حماسا) نفسها كانت تمنع “حركة الجهاد” و “كتائب أبو علي مصطفى” من إطلاق النار والصواريخ على اليهود! وتصادر منصات صواريخهم وتعتقل مقاتليهم! فما هو السبب في هذا المنع؟ هم قالوا (عدم استدراجها لحرب أخرى) (الصواريخ التي تهدف إلى إعطاء الاحتلال [إسرائيل] ذريعة لمواصلة العدوان)، وهذا عين العقل والحكمة، فهل بعد ذلك صرتم مهيئين لتحرير الأقصى؟! والله إنكم وقعتم في خدعة وخيانة من الإيراني البغيض، وإنه ورطكم في هذه الحرب ووقف يتفرج ويستمتع بالمشاهد، فأرجو من الله أن يَخرج صادقون ويعترفون بالحقيقة لئلا يقلدكم أناس آخرون فيهلكون الحرث والنسل مستدلين بفعلكم وبتنظير المشايخ لكم واستدلالاتهم البعيدة كل البعد عن الحق والصواب.

٣. والمشاهَد من أكثر قادة الطوفان الساسة وبعض العسكر الولاء لإيران المجوسية المحتلة لبلاد المسلمين والمتسلطة عليهم سجنا وتعذيبا وتشريدا، مع شرك ووثنية في الاعتقاد وبغض لأهل السنة شديد، مع تكفيرهم لصحابة النبي صلى الله عليه وسلم واتهامهم لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، مع اعتقادهم بتحريف القرآن، فلا أدري -والله- كيف يُطلب النصر من الله مع هذا الحليف الوثني القذر، بل وأضافوا لها الباطنية من النصيرية والذين لا يقلّ إجرامهم وكفرهم عن إخوانهم المجوس [والقول أن العلاقة مع إيران لضرورة السلاح سأفرد له حلقة خاصة، فهب أننا صدقنا هذا وعذرناهم فما علاقة هذا بالتحالف مع البعث السوري والثناء عليه؟] فيصرح قائد المعركة في كل مناسبة بالثناء على إيران و التصالح مع النصيريين والتنسيق معهم في (حرب واحدة)، وسرى ذلك إلى قاعدة المجاهدين فصار بعضهم (يُهدي) عملياته الجهادية لتلك العصابات القذرة في اليمن ولبنان والعراق.

وبياناتهم في التعزية فيها وهب منقبة (الشهادة) لمجرمي وقادة التعذيب والقتل لأهل السنة، كل ذلك من أجل دراهم حرام معدودة سرقوها من البلاد السنية التي احتلوها، وتعدى بعض قادتهم بالولاء المطلق للمجوس فصار ينال بالسب والشتم لكل من فرح بقتل مجرمهم الأكبر سليماني.

فأي ذنوب اقتُرفت في هذه المعركة أعظم من هذه حتى يأتي (منظر) أو (عاطفي) فينزّل آيات الله تعالى في الكبار الأطهار عليهم، وهم يعلمون ما حصل في (أحد) من بعض الرماة في جيش كامل مع نبيهم لم يقترفوا شيئا ومع ذلك دارت عليهم الدائرة وجرح النبي صلى الله عليه وسلم وشج رأسه وكسرت بعض أسنانه، فكيف سيكون الحال مع هذه المعصية العظيمة والتي لبسوا فيها على عموم المسلمين بتبييض صفحة أولئك المجوس وأنهم حطوا رحالهم في الجنة في منازل الشهداء!.

مع ما نراه في أثناء المعركة في وضعهم الأسرى بين المدنيين للتسبب بقصفهم من اليهود المجرمين، مع تخفي بعضهم الآخر بين المدنيين في خيامهم ومراكز الإيواء وإطلاق نار على يهود فيهلك يهودي فيتسببون بقتل عشرات المسلمين ونزوح الألوف في حال شديد الموت أرحم منه، كما حصل في رفح والنصيرات والمواصي و”مدرسة خديجة” و “مدرسة دلال المغربي” وغيرها، ولا تزال مستمرة،وليست هذه روايات صهيونية كما قاله بعض (الموتورين) ممن يستحقون العلاج النفسي، بل هي رؤية عين لأهل تلك المناطق أو اعترافات مقاطع قتل اليهود، ولولا كشف أمر الأسرى الذين حررهم اليهود لأنكر أولئك الرواية وقالوا هي صهيونية، وهذا والله فعل منكر وإثم عظيم.

[إن التسبب في عدوان العدو أو إغرائه بمزيد من البطش والعنف هو مشاركة في العدوان والبغي، وتحمل لمسؤولية ما يجري بعد ذلك على الأمة من ضرر، فقد نهى الله عن سب أصنام المشركين ومعبوداتهم حتى لا يكون ذلك سببا لتعديهم في سب الله بغيا وعدوا، فقال تعالى {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} فلم يكن النهي عن سب معبودات المشركين تعظيما لها، ولكنه نهي للمسلمين أن يتسببوا بذلك، ونهي عن استثارة المشركين ببغي لا يستطيع المسلمون دفعه وهو سب الله عز وجل.. .

وهكذا فالتسبب في استثارة عدوان العدو هو في حقيقته عدوان على الأمة، والتسبب بإغرائه بمزيد من البطش والبغي على العزّل من الضعفة المدنيين، هو في حقيقته بغي عليهم وبطش بيد العدو بهم.

إن ترْك القيام بالأسباب خلل في العقل، وإن الاعتماد على الأسباب خلل في العقيدة، وقد أُمر المسلمون باتخاذ الأسباب، وذلك لا ينافي الإيمان بالقدر، وقدوتهم في ذلك نبيهم محمد صلوات الله وسلامه عليه، وحادثة هجرته أنموذج حي لفعل الأسباب مع صدق التوكل]. “سنام الإسلام”.

٤. ومع هذا كله تأسف أشد الأسف أن ترى قادة ومنظرين اغتروا بأنفسهم وهوّنوا من عدوهم فكانوا سببا في هذا الدمار، فقال كبير لهم (لا يجرؤ جندي صهيوني واحد على دخول غزة! ولا يجرؤون على أن يلقوا قذيفة أو قنبلة! وأن أمريكا لن تقف معهم!) وكثير منهم تحدوا العدو بالدخول البري!.

وشاركهم قوم آخرون ممن جزم بأمور الغيب المطلق فحدووا لهم (زوال إسرائيل) بتاريخ معين عابثين بكتاب الله تعالى بأرقام سوره وآياته، فصدقوهم ولم يأخذوا بأسباب القوة (لأن نبوءة أولئك أنها تزول بدون قتال!) فعقدوا مؤتمر السذاجة (وعد الآخرة) برعاية (القائد) ليناقشوا العملة الجديدة ومصير مفاعل ديمونة! وكيفية التصرف مع السلطة الفلسطينية ودول الجوار،وغير ذلك من المواضيع الهزلية، بينما كان عدوهم يخطط وينسق ويصنع السلاح ويرسم المخططات لاحتلال غزة والسيطرة على الحدود البرية مع مصر ومنابع الغاز البحرية، وحشر المجتمع الغزي في الجنوب، فتصير (غزة الشمالية) و (غزة الجنوبية) ، والله المستعان .

والله الموفق.

حرر يوم السبت 28/1/1446 هـ الموافق 3/8/2024 م