الرئيسية بلوق الصفحة 150

حشرة الفِراش، طريقة التخلص منها، وحكم دمها

حشرة الفِراش، طريقة التخلص منها، وحكم دمها

السؤال:

لم أستطع الهرب من الإصابة ببلاء وباء ” بق الفِراش ” في أمريكا، ونتيجة لذلك فإن الملابس التي أرتديها عليها بقع من بق الفراش سواء من أحشائه أو من الدم الذي يخرج مني، وقد تغسل الملابس مرات عديدة ولا يزول منها أحشاء بق الفراش، وقد قرأت فتوى حيث ذكرت حديثاً أنه يجب على المرء أن يحتها ثم يغسلها ثم يصلي، فهل يجوز الصلاة في هذه الملابس على الرغم من أنها ملونة بالحمرة من أثر مواد كيماوية من أحشاء بق الفراش والدم؟ وما هو وضع هذه الثياب وطهارتها؟.

فبلاء ” بق الفراش ” الذي أصاب أمريكا كالأوبئة التي أصابت قوم فرعون عندما عصوا موسى عليه السلام، أسأل الله أن ينجي المسلمين من البلاء الذي لا مفر منه إلا بعفوه. آمين.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

” بق الفراش ” أو ” حشرة الفراش ” هي حشرة صغيره غير مجنحة، طولها (4- 7 مليمتر)، ولونها يميل إلى البني الداكن، وهي بيضاوية الشكل، تمص الدماء أثناء النوم، وتسبب الحكة الشديدة والحساسية.

ويعاني الملايين في العالم من هذه البقة، وتبذل الدول والمؤسسات أموالًا طائلة للتعريف بخطرها وطرق القضاء عليها، ويُستعمل في سبيل ذلك مبيدات حشرية متنوعة.

وقد جاءت الإشارة إلى هذه البقة – وغيرها – في بعض الأحاديث الصحيحة، وفيها العلاج المحكم للقضاء عليها، وهو: نفض الفراش مع التسمية!.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَأْخُذْ دَاخِلَةَ إِزَارِهِ فَلْيَنْفُضْ بِهَا فِرَاشَهُ وَلْيُسَمِّ اللَّهَ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَا خَلَفَهُ بَعْدَهُ عَلَى فِرَاشِهِ ). رواه البخاري ( 5961 ) ومسلم ( 2714 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

( داخلة الإزار ) طرفه، ومعناه: أنه يستحب أن ينفض فراشه قبل أن يَدخل فيه؛ لئلّا يكون فيه حية أو عقرب أو غيرهما من المؤذيات، ولينفض ويده مستورة بطرف إزاره لئلّا يحصل في يده مكروه إن كان هناك. ” شرح مسلم ” ( 17 / 37 ، 38 ).

ثانيًا:

وليس عليك أن تقلق من الدماء التي تصيب ملابسك بسبب تلك الحشرة؛ لأن دماء تلك الحشرة لا تسيل، وما كان هذا حاله فهو من الدماء الطاهرة لا النجسة، فليس يجب عليك غسل الملابس المصابة بتلك الدماء وجوبًا شرعيًّا، لكنه يُزال من باب النظافة وإزالة القذر.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -: ودم ما لا نفس له سائلة، كالبق، والبراغيث، والذباب، ونحوه، فيه روايتان، إحداهما: أنه طاهر، وممن رخص في دم البراغيث: عطاء وطاووس والحسن والشعبي والحاكم وحبيب بن أبي ثابت وحماد والشافعي وإسحاق; ولأنه لو كان نجسًا لنجس الماء اليسير إذا مات فيه، فإنه إذا مكث في الماء لا يسلم من خروج فضلة منه فيه، ولأنه ليس بدم مسفوح، وإنما حرم الله الدم المسفوح.

والرواية الثانية عن أحمد قال في دم البراغيث إذا كثر: إني لأفزع منه، وقال النخعي: اغسل ما استطعت، وقال مالك في دم البراغيث: إذا كثر وانتشر: فإني أرى أن يغسل.

والأول أظهر، وقول أحمد إني لأفزع منه ليس بصريح في نجاسته، وإنما هو دليل على توقفه فيه، وليس المنسوب إلى البراغيث دمًا إنما هو بولها في الظاهر، وبول هذه الحشرات ليس بنجس، والله أعلم. ” المغني شرح مختصر الخرقي ” ( 1 / 410 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – في بيان أنواع الدماء الطاهرة -:

دم ما لا يسيل دمه، كدم البعوضة، والبقِّ، والذُّباب، ونحوها، فلو تلوَّث الثَّوب بشيء من ذلك: فهو طاهر لا يجب غَسْلُه.

وربما يُستدَلُّ على ذلك – بأنَّ ميْتة هذا النوع من الحشَرات طاهرة – بقوله صلّى الله عليه وسلّم ( إِذا وَقَع الذُّبابُ في شرابِ أحدكم فلْيَغْمِسْهُ ثم لينزِعْهُ فإِن في أحد جناحَيه داء وفي الآخر شفاء ) – رواه البخاري -.

ويلزم من غَمْسِه: الموت، إِذا كان الشَّراب حارًّا، أو دُهنًا، ولو كانت ميْتته نجسة: لتنجَّس بذلك الشَّراب ولا سيَّما إِذا كان الإِناء صغيرًا.” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” (1/440 ).

والدم الذي يخرج منك ليس نجسًا ولا ينقض الوضوء.

وأما ما قرأته مما يُحت ثم يُقرص ثم يُغسل ليصلَّى به: فهو الثوب الذي أصابه دم حيض، ودم الحيض نجس بغير خلاف نعلمه بين العلماء.

 

والله أعلم.

جواب على سائل يهودي حول القرآن والتوراة

جواب على سائل يهودي حول القرآن والتوراة

السؤال:

أعلم أن نقطة الاتفاق بين الإسلام واليهودية هي عبادة الله الواحد وحرمة عبادة الأصنام،  والفرق الأساسي بينهما هو كتاب كل دين – أقصد القرآن والتوراة -، فكيف تختلف تعاليم القرآن عن تعاليم التوراة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نرحب بك في موقعنا هذا ونسأل الله أن نقدِّم لك المفيد من المعلومات، وأن يكون ذلك نافعًا لك في دينك ودنياك.

 

ثانيًا:

اعلم أن الكتب السماوية كلها مصدرها واحد، وهو الرب عزَّ وجل، قال تعالى ( اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ. مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ ) آل عمران/ 2 – 4.

واعلم أن من أعظم القواسم المشتركة بينها كلها: أنها تدعو الناس لتوحيد الله تعالى ونبذ الشرك، قال تعالى ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) الأنبياء/ 25، وقال تعالى ( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ ) النحل/  36.

 

ثالثًا:

واعلم أن الإيمان بهذه الكتب ركن من أركان الإيمان في الإسلام، وأنه لا يكون مسلماً من كفر بأيٍّ من الكتب السماوية السابقة، قال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ ) النساء/ 136، وقال تعالى ( وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا ) النساء/ 136.

 

رابعًا:

واعلم أن التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى عليه السلام قد وصفها ربُّنا تعالى بما تستحقه من صفات، وقد جاء ذِكر هذه الصفات في القرآن الكريم، ومنها: أنها ” هدى ” و ” نور ” و ” فرقان ” و ” ضياء ” و ” ذِكر ” و ” رحمة “، قال تعالى ( إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ) المائدة/ 44، وقال تعالى ( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْرًا لِّلْمُتَّقِينَ ) الأنبياء/ 48، وقال تعالى ( ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِيَ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً ) الأنعام/154.

 

خامسًا:

– والتوراة الموجودة اليوم تشتمل على خمسة أسفار وهي:

  1. ” سِفر التكوين “: ويتحدث هذا السفر عن خلق العالم، وظهور الإنسان، وطوفان نوح، وولادة إبراهيم إلى موت يوسف عليه الصلاة والسلام.
  2. ” سِفر الخروج “: ويتحدث عن حياة بني إسرائيل في مصر، منذ أيام يعقوب إلى خروجهم إلى أرض كنعان مع موسى ويوشع بن نون.
  3. ” سِفر اللاويين “: نسبة إلى لاوي بن يعقوب، وفي هذا السِّفر حديث عن الطهارة، والنجاسة، وتقديم الذبائح، والنذر، وتعظيم هارون وبنيه.
  4. ” سِفر العدد “: يحصي قبائل بني إسرائيل منذ يعقوب، وأفرادَهم ومواشيهم.
  5. ” سفر التثنية “: وفيه أحكام، وعبادات، وسياسة، واجتماع، واقتصاد، وثلاثة خطابات لموسى عليه السلام.

واعلم أن التوراة التي أُمرنا بالإيمان بها، والتي جاءت أوصافها بما سبق ذِكره ليست هي هذه التوراة الحالية التي بأيدي اليهود؛ وذلك بسبب التحريف والتبديل والتغيير الذي نالها من أهلها، قال تعالى ( وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ. فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ ) البقرة/78،79، وقال تعالى ( أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) البقرة/ 75، وقال تعالى ( فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ ) المائدة/ 13.

وهذا التبديل والتحريف في كلام الله تعالى في التوراة قد قامت عليه الشواهد الكثيرة المتعددة، سواء كان التحريف للمعنى أو للفظ، أو لكليهما، مما يدل على أنه يستحيل أن تكون تلك النسخة مستحقة لتلك الأوصاف التي سبق ذِكرها للنسخة الأصلية، ومن الشواهد على أن التوراة الحالية ليست هي التوراة المنزلة من رب العالمين:

  1. ما حصل للتوراة من الضياع والنسخ والتحريف والتدمير، فلقد حُرِّف فيها، وبُدِّل، وضاعت، وتعرضت لسبع تدميرات، منذ عهد سليمان عليه السلام ( 945 ) قبل الميلاد إلى أن حصل التدمير السابع عام 613 م، مما يدل على ضياعها وانقطاع سندها.
  2. ما تشتمل عليه من عقائد باطلة لا تمت إلى ما جاء به المرسلون بأدنى صلة.
  3. اشتمالها على تنقص الرب جل وعلا وتشبيهه بالمخلوقين، ومن ذلك قولهم: ” إن الله تصارع مع يعقوب ليلة كاملة فصرعه يعقوب! “، ومن ذلك قولهم: ” إن الله ندم على خلق البشر لما رأى من معاصيهم، وأنه بكى حتى رمد فعادته الملائكة! “، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
  4. اشتمالها على سبِّ الأنبياء والطعن فيهم، ومن ذلك قولهم: ” إن نبي الله هارون صنع عجلاً وعبده مع بني إسرائيل! “، وقولهم: ” إن لوطًا شرب خمرًا حتى سكر، ثم قام على ابنتيه فزنى بهما الواحدة تلو الأخرى! “، وقولهم: ” إن سليمان عليه السلام ارتد في آخر عمره، وعَبَدَ الأصنام، وبنى لها المعابد! “.
  5. اشتمالها على المغالطات والمستحيلات والمتناقضات.
  6. أن المعركة التي قامت بين التوراة وحقائق العلم الحديث أثبتت ما في التوراة من الأخطاء العلمية.

ومن تلك الكتب التي تكلمت على هذا الموضوع كتابان هما: ” أصل الإنسان ” و ” التوراة والإنجيل والقرآن ” لعالم فرنسي اسمه ” موريس بوكاي ” حيث أثبت وجود أخطاء علمية في التوراة والإنجيل، وأثبت في الوقت نفسه عدم تعارض القرآن مع العلم الحديث وحقائقه، بل سجل شهادات تفوق سبق القرآنُ فيها العلمَ بألف وأربعمائة عام.

يُنظر كتاب ” الإيمان بالكتب ” للشيخ محمد بن إبراهيم الحمد ( ص 15 )، ومنه استفدنا فقرة ” خامسًا “.

ولعله قد تبين لك الآن أنه لم يعد ثمة قواسم مشتركة بين القرآن والتوراة حتى في عبادة الله وحده ونبذ عبادة الأصنام؛ لما حصل في التوراة الآن من تحريف قبيح تعلق حتى في الغاية التي من أجلها أرسل الله تعالى الرسل، فاقرأ – مثلًا – في ” سفر التكوين ” ( 32 : 1 – 5 ) تجد فيه أن هارون عليه السلام هو الذي صنع العِجِل، وأمَر بني إسرائيل بعبادته!، واقرأ في السفر نفسه ( 11: 10 – 12 ) تجد أن سليمان عليه السلام عَبَدَ الأصنام في آخر حياته، وبنى لها المعابد!!.

وكل هذا من الكذب والافتراء على دين الله تعالى وعلى أنبيائه الكرام عليهم السلام.

وحتى ما يوجد في التوراة من تحريم الربا ووجوب التعامل بالأمانة فإنهم حرَّفوا معناه، ونسبوا للرب تعالى أن ذاك التحريم للربا وذاك الوجوب في التعامل بالأمانة هو في حال إذا كان تعامل اليهود بعضهم مع بعض! وأما إذا كان تعاملهم مع غير اليهود فإنهم يستحلون الربا معهم ويستحلون خيانتهم.

وقد ذكر الله تعالى ذلك عنهم في القرآن الكريم فقال ( وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) آل عمران/ 75.

وأما القرآن الكريم فقد تكفل الله تعالى بحفظه بأسباب كثيرة.

 

سادسًا:

واعلم أن الله تعالى قد ختم رسالاته إلى الأرض بالإسلام، وختم أنبياءه ومرسَليه بنبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه تعالى قد ختم كتبه المنزلة من عنده بالقرآن الكريم، لذا كان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم مبعوثاً للناس كافَّة، قال تعالى ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) الأعراف/ 158، وقال تعالى ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ) سبأ/ 28، ولذا كان القرآن الكريم ذِكرًا للعالَمين، قال تعالى (وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ) القلم/ 52.

ولذلك فقد أوجب الله تعالى على كل أحد أن يدخل في الإسلام، وأن يؤمن بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم رسولًا من عند ربِّه تعالى، ولا يحل لأحدٍ كان على دينٍ أن يستمر عليه، ولو فعل فهو غير نافعه عند ربه؛ لأن الإسلام خُتمت به الديانات، وأحكام القرآن ناسخة ومهيمنة على ما قبلها في الأديان التي قبله، فلا ينفع أحدٌ أن يعمل بشريعةٍ أو يتعبد ربَّه تعالى بدينٍ إلا بشريعة ودين الإسلام، قال تعالى (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ) آل عمران/ 19، وقال تعالى ( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) آل عمران/ 85.

 

ونسأل الله تعالى أن نكون قد وفينا سؤالك حقَّه من الإجابة، ونسأله تعالى أن يشرح صدرك للإسلام، وما وجدته غير واضح ويحتاج لمزيد بيان فلا تتردد في مراسلتنا بشأنه.

 

والله أعلم.

 

تعرفت على رجل أجنبي في موقع زواج فخدعها بعلاقة محرمة وتريد التوبة فماذا تصنع؟

تعرفت على رجل أجنبي في موقع زواج فخدعها بعلاقة محرمة وتريد التوبة فماذا تصنع؟

السؤال:

أعيش في ندم دائم منذ أسابيع حيث أني ارتكبت ذنبًا، من أجل أن أجد شريك حياتي دخلت على موقع على الإنترنت لأحدِّث شخصا ما، وبالفعل تحدثت إلى شخص ما، وبالفعل تعرفت على هذا الشخص وقابلته وقابل أسرتنا وبدأت المقابلات بيننا، في بداية الأمر كانت في الأماكن العامة، وبعد ذلك وقعنا فيما حرم الله عز وجل، ولكني عزمت أن لا أفعل هذا، وطلبت منه أيضًا أن لا يطلب مني شيئًا كهذا، ولقد أدرك أيضًا حرمة ما فعل، وعاهدني أن لا يفعل، ولكن للأسف عادت بنا الحال إلى أن وقعنا مرة ثانية فيما حرم الله.

ولكني أديت الحج – والحمد لله – ومع ذلك أشعر بأني ارتكبت ذنبًا من الكبائر، وهو يخبرني كثيرًا أنه يريد الزواج مني ولكني للأسف ونظرًا لما فعله شعرت بضعفه وأصبحت أشعر بالغضب منه الأمر الذي جعله لا يريد الزواج مني.

وللعلم لم تحدث بيننا كبائر ذنوب ولا أمور كبيرة، حاولت إقناعه كثيرا أنه ينبغي علينا التوبة وأن نتزوج ولكنه لم يستجب لي، أشعر بأسى وحزن شديد بل وندم على ما صرت إليه حيث أشعر أن هذا بسبب ضعفي.

يريد مني أن أسامحه ونبقى أصدقاء ولكني لا أريد أن أرتكب ذنبًا آخر في أن أكون صديقة له، ولا أريد أن أسامحه وأريد أن يتألم مما فعله معي.

أريد أن أتوب إلى الله عز وجل فهل من أدعية للتوبة؟ وهل عليّ وزر من أن لا أسامحه على ما فعل بل وألعنه؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

المواقع الإلكترونية المختصة بالتعارف عن طريقها من أجل الزواج لم يُرَ منها إلا الشر والسوء؛ فإنه يدخل فيها كثير من العابثين من أجل اللهو ومن أجل اللعب بأعراض الفتيات والنساء، فيتم التعارف والوعود بالزواج مع الكذب في بيان حاله وحالته فقط من أجل الوصول لفريسته وقضاء شهوته المحرَّمة معها، وفي الغالب الأكثر لا يرضى صاحب المروءة أن تكون شريكة حياته ممن عرضت نفسها على تلك المواقع لتجد الزوج المناسب، ولذا فإن الصادقين من الداخلين لتلك المواقع أقل من القليل، ولذا لا نرى الدخول فيها، وللجادين والجادات في البحث عن الزواج اللجوء إلى الطرق الاعتيادية المباحة من أجل تحقيق هذا الغرض، وليس لهم أن يسلكوا طريق تلك المواقع ففيها من السوء والشر الشيء الكثير.

ثانيًا:

ولا شك أنك تحتاجين لتوبة مما حصل بينك وبين ذاك الرجل الأجنبي عنك من مراسلة ومحادثة ولقاء، ثم مما جرى مما هو أعظم من ذلك من الحرام، وليس ثمة أدعية تقال في التوبة أعظم من الاستغفار الصادق وطلب العفو من الله أن يغفر الذنب ويقبل التوب.

واعلمي أنه لا تكون توبة صادقة مع الاستمرار في الدخول لتلك المواقع، ولا مع الاستمرار في مراسلة الأجانب عنك من الرجال، ولا مع بقاء ذلك الرجل الأجنبي في حياتك، فحتى تكون التوبة صادقة لا بدَّ من التخلص من ذلك كله، فلا دخول لمواقع التعارف من أجل الزواج حتى لا تتكرر المعصية مع شخص آخر، ولا مراسلات ولا محادثات مع رجال أجانب، وكذلك يجب عليك قطع العلاقة مع ذلك الرجل الأجنبي والذي أوقعكِ في الحرام أكثر من مرة، وها هو يريد لتلك العلاقة أن تستمر بعد أن أظهر لك نيته بعدم رغبته التزوج منكِ، وهو يؤكد ما ذكرناه عن أحوال أولئك العابثين بأعراض النساء، وهو محتاج لتوبة صادقة بينه وبين ربِّه، وهو مذنب ذنوبًا عظيمة ليس يرفع آثامها مسامحة تصدر منك، وليس ثمة حاجة لأن تلعنينه؛ فليس المؤمن باللعَّان، ولا تعوِّدي لسانك على مثل هذا القول، واشتغلي بأمر توبتك والقيام بما يكفِّر ذنوبك من طاعات، ونرجو الله تعالى أن يكون قد غفر لك ذنوبك كلها بما قمتِ به من أداء مناسك الحج، ودعي أمره ليتولاه ربُّه وخالقه جلَّ في علاه.

ثالثًا:

واعلمي ليس ثمة صداقة بين النساء والرجال الأجانب عنهن، ولا تثمر تلك العلاقات والصداقات إلا الوقوع في المزيد من المحرمات، ولكِ في بنات جنسك غنية عن صداقة ذلك الرجل وغيره من الرجال الأجانب، فابحثي عن أخوات مستقيمات على الطاعة ليكنَّ صديقات لك تتعاونين معهنَّ على البر والتقوى، وتقوي إيمانك بصحبتهن، ولعلَّ الله تعالى أن ييسر أمر زواجك عن طريق إحداهن.

ونسأل الله تعالى أن ييسر أمركِ، وأن يلبسكِ لباس الطهر والعفاف، وأن يوفقك لما يحب ويرضى.

 

والله أعلم.

باع تمثالًا مجسَّمًا وجعل ثمنه كله في دفع الزيادة الربوية عن أصدقائه فهل يرتفع عنه الإثم؟

باع تمثالًا مجسَّمًا وجعل ثمنه كله في دفع الزيادة الربوية عن أصدقائه فهل يرتفع عنه الإثم؟

السؤال:

شخص باع تمثالًا أثريًّا مجسَّمًا، وهو يعلم أن المال حرام ونجس، ولكنه استغل المال بالكامل في دفع فوائد قروض بنوك ربوية عن أصدقائه، مع تعهدهم بعدم الرجوع للاقتراض الربوي مرة أخرى، فهل الشخص عليه وزر؟

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قد ذكرنا في جواب سابق حرمة صناعة التماثيل، وبيَّنا وجوب تكسير الأصنام.

ولا فرق بين أن تكون التماثيل مصنوعة من خشب أو حديد أو جبس، فالحكم فيها واحد، ولا فرق بين كونها قديمة أو حديثة.

 

ثانيًا:

– وقد صحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرَّم بيع الأصنام.

فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ  وَهُوَ بِمَكَّةَ ( إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ). رواه البخاري ( 2121 ) ومسلم ( 1581 ).

وعليه: فقد أخطأ خطأ عظيمًا ذلك الشخص الذي تُخبر أنه باع التمثال المجسَّم، وليَعلم أن كسبه محرَّم، ولا يجوز له أن يُنفق به على نفسه، ولا أن يرجع شيء من نفعه عليه، مع وجوب التوبة الصادقة من معصيته.

ولا تشفع له النية الحسنة في التخلص من المال بوجوه خير مختلفة في عدم اكتساب الآثام على بيعه لذلك التمثال المجسَّم؛ فالنية الحسنة لا تشفع للعمل المخالف للشرع خاصة مع علم صاحبها أنه يرتكب بفعله معصية ويكتسب إثمًا.

وليحذر المسلم من مكائد الشيطان كأن يزين له وضع المال في بنك ربوي ليأخذ الفائدة الربوية عليه لينفقها على المحتاجين من المسلمين؛ فإن هذا من أبواب مكر الشيطان بالمسلم، وإنما الأمر بالتخلص من المال المحرَّم للتائب من ذنبه، ففرق بين من يؤمر بالتخلص من المال المكتسب بالحرام بعد توبته، وبين من يتعمد ارتكاب الحرام ليتخلص من أمواله.

* قال علماء اللجنة الدائمة  

ولا يحل للإنسان الإقدام على أخذ الفوائد، ولا الاستمرار في أخذها.

الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ بكر أبو زيد .” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 13 / 354 ، 355 ).

وعلى كل حال:

فالإثم حاصل بفعله لذلك البيع المحرَّم، وعليه التوبة منه، وقد أحسن في التخلص منه بما لا يرجع نفعه إليه، وقد أحسن بأخذ العهد على أصدقائه بعدم العودة إلى معصية الربا.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

ومَن أخذ عوضًا عن عين محرمة أو نفع استوفاه مثل أجرة حمال الخمر وأجرة صانع الصليب وأجرة البغي ونحو ذلك: فليتصدق بها، وليتب من ذلك العمل المحرم، وتكون صدقته بالعوَض كفارة لما فعله؛ فإن هذا العوَض لا يجوز الانتفاع به؛ لأنه عوض خبيث. ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 142 ).

 

ونسأل الله تعالى أن يأجره على عمله هذا – أي: على أخذه العهد على أصدقائه -، وأنه إذا تاب أن يقبل الله منه توبته ويوفقه لعدم العودة لمثل هذا الفعل.

 

والله أعلم.

 

امرأة يهودية تسأل عن حكم الزيارات والصداقات بينها وبين المسلمات في الإسلام

امرأة يهودية تسأل عن حكم الزيارات والصداقات بينها وبين المسلمات في الإسلام

السؤال:

هل يجوز للمرأة المسلمة أن تصادق نساء غير مسلمات؟ وهل يحق للزوج أن يغضب إذا علم أن زوجته تصادق أو تُدخل بيته نساء غير مسلمات؟ فأنا امرأة يهودية ولديَّ الكثير من الصديقات من كل الديانات، وكل منّا يحترم الآخر وما يحمله من معتقدات وأفكار، ولكن مع هذا ليس لديَّ حتى الآن أي صديقة مسلمة، أقصد: مسلمة حقيقية، ترتدي الحجاب والنقاب وتتمثل الإسلام بكل معانيه.

وأريد أن أسألكم ما إذا كان دينكم يتيح لمثل هؤلاء النساء التعرف عليَّ ومصادقتي؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

يسرنا أنك توجهتِ بالسؤال لموقع إسلامي حتى تحصلين على جواب شرعي موثق، ونحن دوماً ندعو غير المسلمين لمثل هذا وأن لا يسأل أحدُهم عن شيء من أحكام الإسلام غيرَ المسلمين، أو غير المختصين بالعلوم الشرعية من المسلمين.

 

ثانيًا:

وفي شرعنا المطهَّر ليس ثمة قيد على المسلمات أن لا يزرن إلا مسلمات مثلهن، وليس ثمة قيد على غير المسلمة أنها لا تدخل بيت المسلمة، وإنما العبرة في شرعنا في هذا الباب: الفائدة والمصلحة من الزيارة، فليست الزيارات لتضييع الأوقات، والحياة قصيرة والوقت ثمين غالٍ فلا ينبغي تضييعه فيما لا نفع فيه ولا فائدة، والمسلمة العاقلة تعلم أنها ستقدم لا محالة على ربِّها تعالى وأنه سائلها عن عمرها فيما أفنَتْه، ولذا فإنه حيث وُجدت فائدة ومصلحة للزائرة أو للمزورة فلا يمنع الشرع المطهَّر بأن تزور المسلمة غير مسلمة – كتابية كانت أو وثنية -.

وقد توجد أسباب للزيارة بين المسلمة وغيرها من غير المسلمات توصي بها الشريعة الإسلامية استحبابا، ومن ذلك:

  1. أن تكون المرأة غير المسلمة أمّاً للمسلمة أو قريبة لها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أسماء بنت أبي بكر الصدِّيق أن تصل أمَّها المشركة.

عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي، وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: ( نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ ). رواه البخاري ( 2620 ) ومسلم (1003).

– ومعنى راغبة: أي: تطلب بر ابنتها لها.

وفي الحديث جواز زيارة أسماء رضي الله عنها لأمها المشركة، وجواز دخول الأم بيت ابنتها المسلمة.

  1. أن تكون المرأة غير المسلمة جارة للمسلمة.

قال الله تعالى ( وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا ) النساء/ 36.

* قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

( وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى ) أي: الجار القريب الذي له حق الجوار وحق القرابة.

( وَالْجَارِ الْجُنُبِ ) الذي ليس بقريب، فعلى العبد القيام بحق جاره مطلقًا، مسلمًا كان أو كافرا، قريبا أو بعيدا، بكف أذاه عنه، وتحمل أذاه، وبذل ما يهون عليه ويستطيعه من الإحسان، وتمكينه من الانتفاع بجداره، أو طريق ماء على وجه لا يضر الجار، وتقديم الإحسان إليه على الإحسان على من ليس بجار، وكلما كان الجار أقرب باباً كان آكد لحقه، فينبغي للجار أن يتعاهد جاره: بالصدقة والهدية والدعوة واللطافة بالأقوال والأفعال؛ تقربًا إلى الله وإحسانًا إلى أخيه صاحب الحق.

” تيسير اللطيف المنَّان في خلاصة تفسير الأحكام ” ( ص 57 ).

عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ذُبِحَتْ لَهُ شَاةٌ فِي أَهْلِهِ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ ” أَهْدَيْتُمْ لِجَارِنَا الْيَهُودِيِّ؟ أَهْدَيْتُمْ لِجَارِنَا الْيَهُودِيِّ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ (مَازَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ). رواه الترمذي ( 1943 ) وحسَّنه وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

وكما أوصت الشريعة ببعث الهدايا للجيران ولو كانوا يهودا فقد أباحت الشريعة قبول هدايا غير المسلمين وقبول دعوتهم للطعام في بيوتهم، وقد ثبت في صحيح السنَّة قبول النبي صلى الله عليه وسلم لدعوة يهودي في بيته على طعام، كما رواه أحمد في مسنده (20 / 424 ) بسند صحيح.

 

 

  1. أن تكون المرأة غير المسلمة مريضة فتعودها المسلمة في بيتها أو في المستشفى.

عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ ( أَسْلِمْ ) فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنْ النَّارِ ). رواه البخاري ( 1290 ).

وكما كان للنبي صلى الله عليه وسلم غلام يهودي يخدمه فقد كان لعائشة رضي الله عنها امرأة يهودية تخدمها، كما رواه الإمام أحمد في ” مسنده ” ( 41 / 66 ) بإسناد صحيح.

وكل ما سبق فيه دخول اليهودي واليهودية بيت النبي صلى الله عليه وسلم، اليهودي لخدمة النبي صلى الله عليه وسلم، واليهودية لخدمة عائشة رضي الله عنها، ثم فيه دخول النبي صلى الله عليه وسلم لبيت اليهودي لعيادة ابنه.

  1. أن تكون ثمة خصومة بين غير المسلمة وامرأة أخرى فتزورها المسلمة للإصلاح.

قال الله تعالى ( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ) النساء/ 114.

فقوله تعالى ( إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ) عام يشمل كل متخاصِمين من أي دين كانوا، وسواء زارت المرأة المسلمة أولئك المتخاصمات هي أو هنَّ زرنها في بيتها فالأمر سيان.

وثمة أسباب غير ما ذكرنا، وكلها تدعو المسلمة لأن تزور امرأةً غير مسلمة وعكسه، ومن أعظم الأسباب التي تدعو المرأة المسلمة لمثل تلك الزيارة – زائرة ومزورة – الدعوة إلى الله أداءً لواجب النصح الذي أوجبه الله تعالى على المسلمين تجاه الناس لدعوتهم إلى الدين الخاتم الذي ختم الله تعالى به الرسالات وأرسل به النبيَّ صلى الله عليه وسلم للناس كافَّة.

 

ثالثًا:

ومع ما سبق ذِكره من بيان أن الإسلام لا يمانع أن تزور المرأةُ المسلمة امرأة غير مسلمة في بيتها فإننا ننبه إلى أن ذلك لا بدَّ أن يكون وفق ضوابط شرعية، منها:

  1. أن لا تخرج المرأة من بيتها إلا بإذن زوجها.

وإذا كانت المرأة المسلمة مزورة فإن الأصل أن تستقبل من شاءت في بيتها إلا أن يمنعها زوجها من ذلك، فتمتنع الزوجة عن استقبال من يكره زوجها دخولها بيته؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ أَلاَّ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ وَلاَ يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ أَلاَ وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ ) رواه الترمذي ( 1163 ) وصححه، وابن ماجه ( 1851 ).

  1. أن تكون الزيارة للقاء بنات جنسها من النساء، فلا يجوز أن يكون ثمة رجال أجانب في مجلس الزيارة، فلا تزور المسلمة جارًا ولا تعود مريضًا من الرجال لا من المسلمين ولا من غير المسلمين.
  2. أن تخلو زيارة المرأة المسلمة للنساء غير المسلمات من محرمات تشاهَد أو تُسمع، فلا يكون في مجلس الزيارة موسيقى ولا أفلام فيها ما يحرم مشاهدته، كما يجب أن يخلو المجلس من الغيبة والطعن والقذف وغير ذلك من المحرمات.
  3. أن تكون الزيارة ذات نفع وفائدة للزائرة أو المزورة أو لكلا الطرفين، ولا ينبغي أن تكون من أجل القضاء على الوقت، وقد سبق التنبيه على هذا في أول الجواب.

وما سبق من الضوابط هو لعموم زيارات المرأة ولو كانت لامرأة مسلمه مثلها.

  1. أن لا تكون الزيارة لغير المسلمة – ولا الاستقبال لها – إن كانت محاربة للمسلمين أو مشاركة في احتلال أرضهم أو إخراجهم من ديارهم، فما ذكرناه سابقاً لا ينطبق على اليهودية التي جاءت من أوربا أو أفريقيا لتسكن في بقعة أرض احتلها جنود الصهاينة، وأولى بالمنع أن تكون اليهودية هي نفسها من المشاركات في الحرب والاحتلال، فالصنف الأول من غير المسلمين هو الذي له البر والقسط منّا دون الصنف الآخر، قال الله تعالى – في الصنف الأول -: ( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) الممتحنة/ 8، وقال الله تعالى – في الصنف الآخر -( إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) الممتحنة/ 9.

وبما سبق ذِكره يتبين لكِ أن الشرع الحكيم لم يمنع النساء المسلمات من زيارتكِ في بيتكِ أو استقبالك في بيوتهنَّ لكونك يهودية؛ فأنتِ – بحسب ما كتبتِ لنا – كندية وتعيشين في ” كندا “، فلن يكون دِينُك مانعاً من زيارة المسلمات لك وعكسه، وقد ذكرنا لكِ زيارة محمد صلى الله عليه وسلم لغلام يهودي في بيته، ودخول يهودية بيت عائشة رضي الله عنها، فاختلاف الدين لن يكون مانعاً من زيارة المسلمات لكِ وزيارتك لهنَّ، وإنما الذي يمنع أن تكون المرأة غير المسلمة محاربة للمسلمين أو مشاركة في الإعانة على احتلال أراضي المسلمين وطرد أهلها منها.

هذا بخصوص الزيارات واللقاءات بين المسلمة وغير المسلمة، وأما الصداقة: فلها شأن عظيم في الدين والواقع، ومن شأن الصداقة أن يكتسب الصديق من صديقه أخلاقه وتصرفاته، والأخطر من ذلك أن ينتقل له أسوأ ما عنده، ولذلك ليس في الشريعة ترغيب بصداقة كل أحد حتى من المسلمين، ولا ينبغي للمسلمة أن تتخذ صديقة لها من النساء إلا أن تكون على عقيدة التوحيد، وعلى أخلاق الإسلام، فهذان شرطا الصداقة، ولا يعني هذا مقاطعة من تخلف عندها الشرطان أو أحدهما، فقد ذكرنا جواز الزيارة والعيادة بين المسلمة وغيرها من غير المسلمات، ولكن الصداقة شأنها عظيم ولذا مُنع المسلم من مصادقة من قد يضره في دينه أو سلوكه.

 

ونرجو أخيرًا أن نكون قد أوفينا سؤالك حقَّه من الإجابة، ولتعلمي أننا لم نجاملكِ على حساب ديننا، بل ذكرنا لك أحكام الشرع بأدلتها، داعين الله تعالى أن يشرح صدركِ للحق والالتزام به، وأن يختارك الله لتكوني على دين موسى عليه السلام الحق، وهو دين أخيه محمد صلى الله عليه وسلم، فكلاهما دينه الإسلام وكلاهما على عقيدة واحدة وإن اختلفت شرائعهم، وتجدين في موقعنا هذا مزيدًا من الفوائد والمسائل، وخاصة في قسم ” تعرَّف على الإسلام “.

 

والله أعلم.

أسئلة لامرأة نصرانية عن النعوش والتوابيت وهل ثمة جنة خاصة للنساء وعن الأشباح

أسئلة لامرأة نصرانية عن النعوش والتوابيت وهل ثمة جنة خاصة للنساء وعن الأشباح

السؤال:

هل تستخدمون ( يا مسلمين ) نعوشًا أثناء الجنازة؟ وإذا كانت الإجابة بالسلب فلماذا؟ وهل يذهب الناس للجنَّة معًا؟ أم أنها منفصلة حيث يكون هناك جنَّة للرجال وأخرى للنساء؟ ( وأنا أحب أن أكون في الجنة مع الشخص الذي أحبه ).

وهل تؤمنون بالأشباح؟ لأني أرى شبحًا ولا أعرف ما معنى هذا؟ ولم أخبر أي أحد بهذا الشأن.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

سرَّنا تلقينا أسئلتك واستفساراتك فيما يتعلق بديننا من أحكام وعقائد أشكل عليك معرفتها، ونرجو الله تعالى أن تنتفعي بما نجيبك به.

 

ثانيًا:

يستعمل المسلمون ” نعشًا ” أثناء الجنازة، وفيه يوضع الميت، ويُحمل على الأكتاف، ثم يُخرج الميت منه ليدفن البدن وحده من غير ” نعش ” أو ” تابوت “.

فالنعش في لغة العرب: السرير الذي يُحمل عليه الميت، والميت: منعوش، أي: محمول على النعش. وينظر ” لسان العرب ” ( 6 / 4473 )، ” المعجم الوسيط ” ( 2 / 934).

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه في جنازة ميمونة رضي الله عنها: هَذِهِ زَوْجَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا فَلَا تُزَعْزِعُوهَا وَلَا تُزَلْزِلُوهَا وَارْفُقُوا. رواه البخاري (4780 ) ومسلم ( 1465 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

– ” قوله ” فإذا رفعتم نعشها ” بعين مهملة وشين معجمة: السرير الذي يوضع عليه الميت.

– قوله ” فلا تزعزعوها ” بزاءين معجمتين وعينين مهملتين والزعزعة تحريك الشيء الذي يرفع.

– وقوله ” ولا تزلزلوها ” الزلزلة: الاضطراب.

– قوله ” وارفقوا ” إشارة إلى أن مراده السير الوسط المعتدل، ويستفاد منه: أن حرمة المؤمن بعد موته باقية كما كانت في حياته “. انتهى من ” فتح الباري ” ( 9 / 113 ).

وأما عند إرادة دفن الميت فإنه يوضع بدنه من غير استعمال ” تابوت “؛ وهكذا هو الشرع عندنا، وأنتِ تعلمين أن الناس يختلفون في دفن موتاهم باختلاف أديانهم ومذاهبهم، فالهندوس والبوذيون وعامة الوثنيين يحرقون موتاهم! ويتم هذا في دول مثل الصين والهند واليابان! وهو أمر غاية في البشاعة والتحقير للنفس الإنسانية، وللأسف فقد تبعت طوائف منكم – ونقصد النصارى – أولئك الوثنيين في فعلهم؛ من أجل التعلق بحطام الدنيا وهو الإبقاء على الأرض لاستثمارها والانتفاع بها! ونكاية بما كانت تأمر به الكنيسة، ويتم هذا الأمر المنافي للفطرة والذوق والمروءة والأديان السماوية في دول تزعم أنها متقدمة في الحضارة وتدعي أنها حارسة على حقوق الإنسان!.

وقد جاء في ” الموسوعة العربية العالمية “: ” ظل إحراق جثث الموتى غير شائع في البلدان النصرانية حتى القرن التاسع عشر الميلادي، لكن الاهتمام باستخدام الأرض في المناطق الحضرية وتزايد المعارضة لتعاليم الكنيسة ساعد على إحياء الاهتمام بإحراق جثث الموتى، وجدير بالذكر أن أول محرقة قانونية لاستخدام الجماهير تم افتتاحها في ” ميلانو ” بإيطاليا عام ( 1876 م )، وفي الوقت الحاضر يتم التصرف في نحو ( 50% ) من المتوفين في أستراليا بإحراق جثثهم، وفي نحو ( 70% ) في المملكة المتحدة، وحوالي ( 15% ) في الولايات المتحدة، وإحراق جثث الموتى من الممارسات الشائعة في اليابان، حيث يتم إحراق ( 95% ) من جثث الموتى “. انتهى.

فأين ما يفعله المسلمون من إكرام الميت بغسله وتنظيفه وتطييبه والرفق به في الحمل ثم إكرامه بدفنه في مكان طاهر لائق مع الصلاة عليه أين هذا كله ممن يحرق جثة قريبه أو زوجته أو فلذة كبده؟! ومن لم يفعل ذلك منكم فإنه يدفنه بتابوت فخم! والسبب هو نفسه وهو التعلق بالدنيا وزخرفها، وهو ما جعل لكم شعائر وطقوس في الجنازات وأماكن وطرق الدفن، ومن مظاهر ذلك التعلق بالدنيا والاهتمام بزخرفها في هذا الموضوع عندكم: ما نراه من حال المقابر، فهي ساحات خضراء فيها الأشجار والورود بما يُلهي ناظره عن الاعتبار بالموت، ومن المظاهر أيضًا: ما يُجعل لباسًا للميت من ” بدلة ” كاملة، ومن المظاهر أيضًا: ذاك التابوت الضخم المزركش الغالي الثمن، وأما الأمر عندنا فمختلف، فلا يشرع في ديننا تلك المظاهر، فالميت يُغطى بثلاثة أكفان، ويدفن ببدنه ويُكره دفنه بتابوت، وليس يجوز أن تُجعل المقابر حدائق؛ وكل ذلك للاعتبار والاتعاظ بالموت ورهبته، والقبر وهيبته، فمصير المسلم إلى تلك الحفرة في ستكون مسكنه ومأواه في عالَم البرزخ، فإن كان من الموحدين الطائعين كانت تلك الحفرة روضة من رياض الجنَّة، وإن كان غير ذلك: كانت حفرة من حفَر النيران، فالجنائز عندنا حملها ثم الصلاة عليها ثم دفنها من أعظم ما يُذكِّر المسلم بحقيقة الحياة وأنها دار ممر إلى ما بعدها، ولذا فقد رأينا أن تلك الأحوال كانت سببًا في هداية كثير من العصاة.

وليُعلم أن الشرع عندنا لا يُمانع من الدفن بتابوت في أحوال معيَّنة، كأن يكون الميت مقطَّعًا إلى أشلاء أو مهترئًا بحروقات، كما أجازه بعض الفقهاء في حال أن تكون التربة رخوة غير متماسكة، وأما في الأصل: فغير جائز استعماله لدفن الموتى؛ لعدم ثبوت هذه الطريقة في الشرع، وللبعد عن مشابهة أهل الدنيا.

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

” ولا يستحب الدفن في تابوت؛ لأنه لم يُنقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، وفيه تشبه بأهل الدنيا، والأرض أنشف لفضلاته “. انتهى من ” المغني ” (2/379 ).

 

ثالثًا:

وأما الجنة في اعتقاد المسلمين فليس ثمة جنة خاصة بالنساء وأخرى خاصة بالرجال، وهذا لا يمكن أن يكون لما فيه من انعدام التمتع الذي وعد الله تعالى به من استقام على دينه ولقيه لم يشرك به أحداً، فثمة متاع للداخل في الجنة مع أهله الذين عاش معهم في الدنيا، وهي متعة عظيمة، قال تعالى ( وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ) الطور/ 21.

قال ابن عباس رضي الله عنه – في تفسير هذه الآية -: ” إن الله ليرفع ذرية المؤمن في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقرَّ بهم عينه “، وهو أثر صحيح، له حكم الرفع، وانظر ” السلسلة الصحيحة ” ( 2490 ).

وقد أعدَّ الله تعالى للمسلمات ما تشتهيه أنفسهن وتلذ به أعينهن من النعيم المقيم، والسعادة الأبدية بكل ما أعدَّه الله تعالى لها في الجنَّة.

ولتعلمي أن نفوس الداخلين في جنة الله تعالى نفوس مهذَّبة منقَّاة، ولن تكون أحوالهم وأخلاقهم وصفاتهم وطبيعتهم كما هي في الدنيا، وما كان ممنوعًا منه المسلمون في الدنيا من اختلاط النساء بالرجال فمن أجل طبيعة النفس البشرية وما فيها من ميل أحدهما للآخر، وهو ما يسبب فسادًا لم يعد يخفى على أحد، مما دعا العقلاء من غير المسلمين إلى السعي بقوة لفصل الذكور عن الإناث في مجالات كثيرة وقد تحقق لهم هذا في أماكن الدراسة وفي وسائل النقل، وقد تمَّ هذا في دول كثيرة كبريطانيا والمكسيك وغيرهما من الدول، ولم يكن ثمة مجال لعلاج التحرش الجنسي وفساد التعليم إلا بهذا الفصل الموافق لشرعنا والموافق – أصلًا – للعقل والفطرة.

رابعًا:

أما قولكِ ” وأنا أحب أن أكون في الجنَّة مع الشخص الذي أحبه “: فاعلمي أن هذا لن يكون إذا فارقتِ هذا الحياة على غير الإسلام؛ وهذا حق لا ريب فيه، وقد بُعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم للناس كافَّة، ولا يقبل الله تعالى من أحدٍ بعد بعثته صلى الله عليه وسلم دينًا غير دين الإسلام، ومن لقي الله تعالى على غير الإسلام فمصيره جهنم خالدًا فيها أبدًا، ولسنا نريد غشك وتمييع المسألة ، فالأمر جد خطير، وها نحن نبلغك ما يريد الله تعالى منك وما يأمرك به، وها نحن نذكر لكِ الوعيد لمن خالف تلك الأوامر فأبى الدخول في الإسلام، وانتبهي لما نذكره من أدلة في ديننا راجين لك الهداية، قال الله تعالى ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) آل عمران/ 85، وقال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِي وَلاَ نَصْرَانِي ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ) رواه مسلم ( 153 ) من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ.

*قال النووي – رحمه الله -” وقوله صلى الله عليه وسلم ( لاَ يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ ) أي: مَن هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة، فكلهم يجب عليهم الدخول في طاعته، وإنما ذكر اليهودي والنصراني تنبيهًا على مَن سواهما؛ وذلك لأن اليهود النصارى لهم كتاب فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتاباً فغيرهم ممن لا كتاب له أولى “. انتهى  من ” شرح مسلم ” ( 2 / 188 ).

واعلمي أن هذا الحكم على من لا يدين بدين الإسلام لا خلاف فيه بين المسلمين، بل من شكَّ فيه فلا يكون مسلمًا لأنه يكون مكذِّبًا للقرآن.

ونرجو أن يكون هذا الحكم غير مفاجئ لك، فالنصارى بطوائفهم المختلفة يكفِّر بعضهم بعضاً، وكل طائفة ترى أن الجنة من نصيبها دون غيرها، وإذا كانت كل طائفة تكفِّر أختها فمن باب أولى أن يكون المسلمون عندهم أشد كفرًا وأن الجنة عليهم حرام.

وهذه مناسبة أخرى ندعوكِ فيها للتفكر بحالك ومآلك، وأنه لا منجا لك في الآخرة إلا باعتناق الإسلام، واعلمي أن عيسى عليه السلام سيتبرأ من كل عبده وادَّعى أنه ليس عبداً لله تعالى، وأنه عندما ينزل للدنيا فإنه سيكسر الصليب ويقتل الخنزير، فكوني من أتباع عيسى وإخوانه الأنبياء والمرسلين فقد كانوا كلهم موحدِّين لا يشركون بربهم شيئًا، واشهدي لنبيك محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة ففي ذلك – والله – النجاة في الآخرة من النار وفيها الفوز بالجنة.

 

 

خامسًا:

أما الأشباح: فلا وجود لها في الإسلام، والشبح في لغة العرب هو الشخص كما في ” القاموس المحيط ” ( ص 288 )، كما لا وجود للأشباح في الواقع، إنما هي خيالات وتوهمات وعبث من الجن بعقول ضعفاء الدين والعقل، ممن تنطلي عليهم ما يرونه في الأفلام وما يقرؤونه في الروايات كمثل روايات ” هاري بوتر “.

 

ونسأل الله تعالى أن يهدي قلبك للحق، وأن يوفقك للسير على دين الفطرة دين الأنبياء والمرسلين الذي ارتضاه الله تعالى لخلقه، وهو دين التوحيد القائم على إفراد الله تعالى بالألوهية والربوبية، والقائم على نبذ الوثنية وعبادة الأشخاص والجمادات، ولن تجدي هذا الآن إلا في دين الإسلام.

 

والله أعلم.

أسلمت حديثًا وتزوجت مِمَّن تظن فيه الصلاح، ثم أساء لها فهل تطلب منه الطلاق؟

أسلمت حديثًا وتزوجت مِمَّن تظن فيه الصلاح، ثم أساء لها فهل تطلب منه الطلاق؟

السؤال:

كان لدي صديق دخل السجن ثم اعتنق الإسلام وهو في السجن، ثم ساعدني على اعتناق الإسلام فأسلمت، وظل يراسلني وهو في السجن ويرسل لي الكتب الدعوية وما شابهه، واتفقنا على أن نتزوج بمجرد خروجه من السجن، ولكن بعد ذلك بعام تقريبًا تعرفت على رجل من أهالي الحي يصلي في المسجد ويُعرف عنه التدين وأنه تم قبوله لدراسة العلم الشرعي في جامعة ” المدينة “، فكانت كل هذه أمور جعلتني أتخلى عن صديقي الأول وتزوجت هذا الرجل أملًا في أن يساعدني على التمسك بديني.

ثم بعد توالي الأيام اتضح لي أنه لا يحافظ على صلواته بالشكل المطلوب، ويتساهل في كثير من الأمور، وتخلى عن الذهاب للدراسة في جامعة ” المدينة “، وأصبحت أتخاصم معه باستمرار، لدرجة أنه قد يمر أسبوع كامل ولا نتكلم فيه مع بعض، وقد طلقني مرتين، ولدي منه طفلة وأريد أن تنشأ نشأة إسلامية ولا أظن أنه يساعدني على ذلك.

ثم في الآونة الأخيرة عاد صديقي القديم، فبدأ يراسلني من جديد، ففكرت بشكل جاد بأن أطلب الطلاق نهائيًّا من زوجي وأذهب فأتزوج ذاك، فلا أدري ما هو الأفضل؟ هل أصبر وأحتسب الأجر؟ أم أطلب الطلاق؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

في البداية نسأل الله تعالى أن يثبتكِ على الإسلام وأن ييسر أمرك وأن يختار لك الخير لدينك ودنياكِ، ونوصيك بطلب العلم قراءة واستماعاً، وبالمحافظة على أوراد الصباح والمساء، فالإيمان يزيد بالطاعة.

واعلمي أن نعمة الاستقامة على هذا الدين العظيم لا ينبغي أن يعكر صفو السعادة بها والفرح لأجلها ما حصل من زوجك تجاهك، فمثل هذه الأمور لا تخلو منها الدنيا في بيوت المسلمين وغيرهم، ولعلك عرفتِ أن الإسلام بريء من تصرفات أتباعه المخالفة له، وشرائع الإسلام وأحكامه ليس فيها إلا ما فيه صلاح الفرد والمجتمعات، فمن استقام عليها أثابه الله، ومن خالفها فلا يضر إلا نفسه والإسلام من أفعاله بريء.

 

 

ثانيًا:

وقد أحسن إليك الرجل الأول حيث دعاكِ إلى الإسلام، ونسأل الله تعالى أن يكتب أعمالك في ميزان حسناته.

وأنتِ قد أحسنتِ في قرارك بالتزوج من الرجل الثاني؛ لأن الفتن التي تعصف بالإنسان في هذا الزمان كثيرة ومتنوعة، فنرجو أن لا يكون منك ندم على أصل اتخاذ القرار، وخاصة أنكِ قد قبلتِ بذلك الزوج لما عنده من صفات وأفعال رأيتِ أنها ستكون معينة لك على الاستقامة على دين الله.

 

ثالثًا:

والذي نراه في مسألة الطلاق: أنه لا ينبغي أن تكون بسبب خروج الرجل الأول من السجن والرغبة بالارتباط به، ولا بأس أن يكون الطلاق بسبب سلوك وأفعال الزوج، على أن يكون ذلك إما بسبب ارتكابه لكبائر من الذنوب التي لا يمكن الصبر عليها كترك الصلاة بالكلية أو شرب الخمر أو الزنا، أو بسبب سلوكه المشين معكِ بالإهانة والضرب، فهذه الأسباب التي يمكن أن تكون سبباً للمرأة لطلب الطلاق من زوجها، أو أن تطلب المخالعة بسببها إن رفض تطليقها، وأما ما عداها من الأفعال والسلوك للزوج مما هو أقل منها: فنرى أن تصبري عليها وتحتسبي أجركِ عند الله.

ونرى أن تخبري الرجل الأول بحقيقة حالك وأنك أردت إعفاف نفسك وتلبية نداء الفطرة بالزواج الحلال، وأن عندكِ طفلة منه، ولا نرى لكِ إخفاء الأمر عنه وعدم مصارحته به؛ فمِن شأن إخباره إراحتكِ من التفكير بالطلاق، وإراحته هو من التعلق بآمال قد لا تتحقق على أرض الواقع، ويجب أن تعلمي أنه أجنبي عنكِ فلا يحل لكِ إنشاء علاقة معه بالمراسلة والمحادثة.

وعلى كل حال: فقد بقيتْ لك طلقة واحدة ونرجو أن لا تكوني سببًا في إيجادها، وما ذكرتِه لزوجك من أفعال وسلوك لا يجعل طلبك للطلاق منه مباحاً خالياً من الإثم، فنرى أن تصبري حتى يجعل الله تعالى لك فرَجاً إما بهداية زوجك، أو بالطلاق منه والتزوج بمن هو خير منه، وإياكِ أن تعتقدي أن زواجك بالرجل الأول هو الخير لدينك ودنياك؛ لأنه لا يُدرى عن حاله سلوكيّاً بعد السجن كيف صار، كما لا يُعرف منهجه واعتقاده على وجه التحديد، فلا تتعجلي باتخاذ القرار بالتزوج منه إذا حصل طلاق من زوجك إلا بعد مشاورة واستخارة.

 

والله أعلم.

أسلم حديثًا ولا تزال ابنته كافرةً وتطلب منه أن تتزوج نصرانيًّا وأن يحضر عرسها!

أسلم حديثًا ولا تزال ابنته كافرةً وتطلب منه أن تتزوج نصرانيًّا وأن يحضر عرسها!

السؤال:

أنا شخص اعتنقت الإسلام وقد كنت مسيحيًّا في السابق، ولدي ابنة ما زالت على المسيحية، وقد طلبت مني أن أخلي سبيلها فأتركها تتزوج بشخص مسيحي تحبه، بل وتريد مني أن أحضر حفل زفافها، فما رأيكم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نحمد الله تعالى أن هداك للإسلام وأنعم عليك بسلوك صراطه المستقيم، ونسأله تعالى أن يثبتك عليه، وأن يزيدك هدى وتوفيقًا.

ونوصيك بابنتك خيرا، فلا تقطع صلتك بها، وأحسن إليها، وترفق بها، وداوم على دعائها إلى الإسلام، فلعلَّ الله تعالى أن ينقذها على يديك فتقر عينك بها في الدنيا والآخرة، ومن السبل التي قد تجدي نفعاً في دعوتها إلى الإسلام وفيه إزالة الضغط النفسي الواقع عليك بما تسأل عنه: أن تحاول بكل ما تستطيع أن تقنعها بالعدول عن التزوج بذاك النصراني الكافر وأن تتزوج بمسلم تعرف دينه وتثق بحكمته وعقله أن يكون سببًا في دخولها في الإسلام، ولعله لا يخفى عليك حلُّ تزوج المسلم بالكتابية – يهودية ونصرانية – فلعلها أن تحظى بفرصة جيدة للدخول في الإسلام بوجود أبٍ وزوج مسلِمَيْن، وأما إذا لم تستجب لك في أمر تركها لذاك النصراني والتزوج بمسلم: فلا إثم يلحقك بفعلها، وإذا حصل زواجها منه فإن الشرع المطهر يقرهما عليه إذا اعتقداه في دينهما زواجًا صحيحًا.

 

ثانيًا:

ولتعلم أخي السائل أنه ما دامت ابنتك على الكفر فإنه ليس لك عليها ولاية تزويج، فلا يحل لك أن تكون وليَّها في الزواج.

* قال الإمام الشافعي – رحمه الله -:

ولا يكون ولي الذمية مسلمًا وإن كان أباها لأن الله تعالى قطع الولاية بين المسلمين والمشركين وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان وولى عقدة نكاحها ابن سعيد بن العاص وكان مسلماً وأبو سفيان حيٌّ فدل ذلك على أن لا ولاية بين أهل القرابة إذا اختلف الدينان وإن كان أبًا، وأن الولاية بالقرابة واجتماع الدينَيْن. ” الأم ” ( 5 / 8 ).

* وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

عن رجل أسلم : هل يبقى له ولاية على أولاده الكتابيين؟

فأجاب:

لا ولاية له عليهم في النكاح كما لا ولاية له عليهم في الميراث، فلا يزوج المسلم الكافرة سواء كانت بنته أو غيرها، ولا يرث كافر مسلمًا ولا مسلم كافرًا، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وأصحابهم من السلف والخلف … والله سبحانه قد قطع الولاية في كتابه بين المؤمنين والكافرين، وأوجب البراءة بينهم من الطرفين، وأثبت الولاية بين المؤمنين. ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 35 ، 36 ).

 

ثالثًا:

وأما بخصوص حضور حفل زفافها: فأنت تعلم أنه لا تخلو تلك الأعراس من وجود مخالفات لشرعنا المطهَّر من تبرج فاضح، واختلاط قبيح، وشرب للخمور، وغناء، ورقص، وبعض هذه المحرمات لو وُجدت في عرس لمسلمين ما جاز حضوره فكيف أن يكون في عرس غير مسلمين؟!.

فلتصارحها بهذا الحكم الشرعي الموافق للفطرة والعقل، وهي لم تخجل منك في أن أظهرت حبَّها لنصراني كافر، وهي لم تخجل من دعوتك لحفل زفافها مع ما فيه منكرات، فلا تستح أنت من إظهار الحكم الشرعي في الامتناع من حضور عرسها إن كان فيه تلك المنكرات أو بعضها، ولك أن تعدها بزيارة لبيتها بعد الزواج وتأخذ من الهدايا ما تتألف به قلبها وقلب زوجها، وعسى الله تعالى أن يفتح عليك في دعوتهما للإسلام وأن يكلل عملك بالنجاح، ونحن ننتظر منك بشرى طيبة في هذا الأمر، وعسى أن يكون قريبًا.

 

والله أعلم.

 

هل يسمح لزوجته التائبة بزيارة ابنتها من الزنا التي تعيش مع من زنى بأمها؟

هل يسمح لزوجته التائبة بزيارة ابنتها من الزنا التي تعيش مع من زنى بأمها؟

السؤال:

أنا مقبل على الزواج من فتاة كانت قد وقعت في الزنا، لكنها تابت والحمد لله، ابنتها من الزنا تعيش مع مرتكب الزنا.

هل إذا منعتها من زيارة ابنتها أكون قد ارتكبتُ ذنبًا؟ وما هي شروط زيارتها في حالة إذا كان هذا واجباً عليَّ؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن الزنا من كبائر الذنوب، وأن فاعله متوعد بأشد الوعيد في الآخرة مع ما عليه من عقوبة في الدنيا، لكنه إن تاب تاب الله عليه وغفر له ذنبه، وعلى من وقع في هذا الذنب الابتعاد عن أسبابه التي توقعه فيه، كما عليه الابتعاد عن الطرف الآخر حتى لا تسوِّل لهم أنفسهم الوقوع في الذنب مرة أخرى.

ونرجو الله أن يكون حال من ترغب الزواج بها قد انصلح، وأن يقبل الله توبتها، وأن تكون نعم الزوجة لزوجها عشرة بالمعروف له، وحفظاً لعرضه وبيته وماله وأولاده.

ثانيًا:

ولتعلم – أخي – أنه لا يجوز لك إن تزوجت تلك المرأة التائبة أن تزور ابنتها من الزنا – وهي على الحال التي ذكرت في سؤالك – لسببين:

الأول: أن بقاء ابنتها من الزنا مع الزاني من المحرمات؛ فهو لا يربطه بها نسب ولا رضاع ولا مصاهرة، وهي الأشياء التي تنتشر بها المحرمية، فبقاؤها مع ذلك الرجل بقاء امرأة مع أجنبي لا يحل له أن يراها ولا أن يختلي بها، فضلًا أن يعيش وإياها في مسكن واحد، ثم مثله لا يؤمن جانبه أن يفعل مع تلك الابنة مثل ما فعل مع أمها، ولا شيء يردعه مثل الدِّين والخوف من الله، وإذا لم يتب توبة صادقة من فعله ذاك فلن يؤمن جانبه.

والزاني وإن كان لا يجوز له التزوج بابنة المزني بها منه فإن هذا لا يعني أنها صارت ابنته وتُنسب إليه وتجب عليه نفقتها ويحل له الخلوة بها، بل هي أجنبية عنه في هذه الأبواب كلها.

 

* قال ابن قدامة – رحمه الله -:

– والوطء على ثلاثة أضرب:….

الثالث: الحرام المحض، وهو الزنا، فيثبت به التحريم – على الخلاف المذكور – ولا تثبت به المحرمية، ولا إباحة النظر لأنه إذا لم يثبت بوطء الشبهة فالحرام المحض أولى، ولا يثبت به نسب، ولا يجب به المهر إذا طاوعته فيه. ” المغني ” ( 7 / 482 ).

وإنما لم يجز له التزوج بها لأنها ابنته خلْقًا وكوْنًا لا شرعًا، فهي بضعة منه، وإذا كان لبن الزوج يؤثر فيصير أباً في الرضاع فمن باب أولى تأثير مائه، وتبعُّض الأحكام في النسب غير مُستنكر، فقد صحَّ في الحديث ( يَحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ) ومع ذلك لم يثبت بالرضاع نسبٌ، ولم تجب به نفقة، ولا يقع به توارث، ثم إن الحرمة في النكاح ليست مقصورة على النسب الثابت شرعاً ولا مرتبطة بالمحرمية، كحال أمهات المؤمنين رضي الله عنهنّ فهنَّ أمهات في الحرمة فقط لا في المحرمية.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

” النسب ” تتبعض أحكامه، فقد يكون الرجل ابناً في بعض الأحكام دون بعض، فابن الملاعَنة ليس بابن لا يرث ولا يورث وهو ابن في ” باب النكاح ” تحرم بنت الملاعنة على الأب، والله سبحانه وتعالى حرَّم من الرضاعة ما يحرم من النسب فلا يحل للرجل أن يتزوج بنته من الرضاعة ولا أخته؛ مع أنه لا يثبت في حقها من ” أحكام النسب ” لا إرث ولا عقل ولا ولاية ولا نفقة ولا غير ذلك إنما تثبت في حقها حرمة النكاح والمحرمية.

و” أمهات المؤمنين ” أمهات في الحرمة فقط؛ لا في المحرمية، فإذا كانت البنت التي أرضعتها امرأته بلبن در بوطئه تحرم عليه وإن لم تكن منسوبة إليه في الميراث وغيره: فكيف بمن خُلقت من نطفته فإن هذه أشد اتصالًا به من تلك. ” مجموع الفتاوى ” ( 32 / 139 ).

الثاني: أننا لا نرى أن تجتمع المرأة بمن زنى بها لقاء واجتماعًا ومخالطة؛ لأن الشيطان قد يزين لهما طريق الفاحشة مرة أخرى، ومن تمام التوبة البُعد عن المكان الذي فُعلت فيه المعصية، والهجر لأشخاص السوء الذي أعانوا عليها، أو كانوا الطرف الآخر فيها.

 

 

 

 

ثالثًا:

وعليه: فيجب على الابنة أن تعلم أنه لا يحل لها البقاء مع ذلك الرجل الأجنبي عنها، ويجب عليها أن تنفصل في معيشتها وحياتها عنه؛ فهو لا يرتبط معها برابط نسب ولا غيره مما يجعل له حقًّا عليها؛ إذ هو أجنبي عنها – إلا في الزواج كما سبق -، ونرى أن الأفضل أن تعيش مع أمِّها، ونرجو أن تُكمل معروفك – أخي السائل – بأن تسمح بذلك وأن تجمع بين الأم وابنتها، واعلم أنك إن تزوجت أمها ودخلت بها: فقد حرمت عليك ابنتها تلك على التأبيد، ولا يكون في معيشتها معك حرج بعد ذلك من حيث النظر والخلوة والمحرمية؛ لأن المحرمية هنا ثبتت بالمصاهرة، وإن أبت تلك الابنة أن تعيش مع أمها وأصرَّت أن تعيش وحدها: فلا مانع من أن تزور أمها في أي وقت تسمح لها أنت به، وأما إن أصرَّت على البقاء مع ذلك الرجل فلا ينبغي لأمها زيارتها – كما سبق ذِكره – ولكم أن تمنعوها من زيارتكم من باب الضغط عليها لتترك العيش عند ذلك الأجنبي عليها، وتراعى المصلحة في ذلك فإن لم يُجد معها الهجر فلا بأس من السماح لها بزيارة أمها فعسى أن يكون ذلك نافعًا لها لتترك ذلك الرجل.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

هل يجوز للمعتدة من وفاة زوجها أن تخرج لاستقبال المعزين في غير بيتها؟

هل يجوز للمعتدة من وفاة زوجها أن تخرج لاستقبال المعزين في غير بيتها؟

السؤال:

امرأة توفي زوجها ولها أولاد، وتسكن في حي يبعد عن المدينة التي يقيم فيها أهلها وأهل زوجها أكثر من مائة كيلو متر.

نحن عندنا في ” ليبيا ” أن الزوجة إذا مات زوجها فإن إقامة مكان العزاء هو بيت والد الزوج ( بيت العائلة ) وكل من يأتي لتقديم واجب العزاء يأتي إلى بيت العائلة, السؤال: في الأيام الأولى لوفاة الزوج أين تمكث هذه الزوجة المتوفى عنها زوجها هل في بيتها البعيد عن أهل الزوج وأهلها أم تمكث أينما يكون مكان العزاء ثم تكمل العدة في بيتها أم ماذا؟ مع العلم أن الزوج لظروف عمله أقام في ذلك الحي الذي يبعد عن المدينة.

هذه المشكلة كثيرًا ما نتعرض لها, فرجاء الاهتمام والرد بشرح وافٍ.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

المرأة المعتدة من وفاة زوجها يجب عليها أن تمكث في بيت الزوجية فترة عدتها، فإن كانت حاملاً فحتى تضع حملَها؛ لقوله تعالى وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) الطلاق/ 4، وإن كانت غير حامل فأربعة أشهر وعشرًا؛ لقوله تعالى ( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ) البقرة/ 234.

وهذا الأجلان هما المرادان في الحديث الصحيح الذي يأمر المرأة بالمكوث في بيتها حتى ينقضيان.

عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لأُخْتَهُ الْفُرَيْعَةَ بِنْتَ مَالِكٍ رضي الله عنها:( امْكُثِي فِي بَيْتِكِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ نَعْيُ زَوْجِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ). رواه الترمذي ( 1204 ) وأبو داود ( 2300 ) والنسائي ( 200 ) وابن ماجه (2031) ، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

ولا يحل للمرأة المعتدة من وفاة أن تخرج من بيتها إلا لحاجة في النهار وضرورة في الليل.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :

المعتدة عدة الوفاة تتربص أربعة أشهر وعشرًا، وتجتنب الزينة والطِّيب في بدنها وثيابها، ولا تتزين ولا تتطيب ولا تلبس ثياب الزينة، وتلزم منزلها فلا تخرج بالنهار إلا لحاجة ولا بالليل إلا لضرورة ….

ويجوز لها سائر ما يباح لها في غير العدة: مثل كلام من تحتاج إلى كلامه من الرجال إذا كانت مستترة وغير ذلك.

وهذا الذي ذكرتُه هو سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يفعله نساء الصحابة إذا مات أزواجهن ونساؤه صلى الله عليه وسلم. ” مجموع الفتاوى ” ( 34 / 27 ، 28).

وإذا كان خروج المرأة للحج لا يعدُّ من الأسباب المبيحة لخروجها في عدة وفاتها فأولى أن يكون خروجها لاستقبال المعزين في بيت والد زوجها.

* سئل شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

عن امرأة عزمت على الحج هي وزوجها فمات زوجها في شعبان: فهل يجوز لها أن تحج؟.

فأجاب:

ليس لها أن تسافر في العدة عن الوفاة إلى الحج في مذهب الأئمة الأربعة.

” مجموع الفتاوى ” ( 34 / 29 ).

ثانيًا:

والأصل أن يقصد المعزون من محارمها والمعزيات من النساء الزوجة بالعزاء لا أن تذهب هي لبيت غيرها لاستقبالهم هناك، وهذا هو الذي كانت تفعله الصحابيات ومن تبعهن بإحسان.

عنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ مِنْ أَهْلِهَا فَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النِّسَاءُ ثُمَّ تَفَرَّقْنَ إِلَّا أَهْلَهَا وَخَاصَّتَهَا أَمَرَتْ بِبُرْمَةٍ مِنْ تَلْبِينَةٍ فَطُبِخَتْ ثُمَّ صُنِعَ ثَرِيدٌ فَصُبَّتْ التَّلْبِينَةُ عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَتْ كُلْنَ مِنْهَا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ ). رواه البخاري ( 5101 ) ومسلم ( 2216 ).

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وفي هذا الحديث من الفوائد أيضًا: جواز الجلوس للعزاء بسكينة ووقار.

” فتح الباري ” ( 3 / 168 ).

وعليه:

فلا يجوز للمرأة التي توفي عنها زوجها أن تخرج من بيتها لبيت آخر إلا لظروف خاصة قد بيَّنها العلماء.

 

 

* قال ابن قدامة المقدسي – رحمه الله -:

فإن خافت هدما أو غرقًا أو عَدوًا أو نحو ذلك أو حوَّلها صاحب المنزل لكونه عاريَّة: رجع فيها، أو بإجارة انقضت مدتها أو منعها السكنى تعديًّا أو امتنع من إجارته أو طلب به أكثر من أجرة المثل أو لم تجد ما تكتري به أو لم تجد إلا من مالها: فلها أن تنتقل؛ لأنها حال عذر، ولا يلزمها بذلك أجر المسكن، وإنما الواجب عليها فعل السكنى لا تحصيل المسكن، وإذا تعذرت السكنى: سقطت ولها أن تسكن حيث شاءت، ذكره القاضي.  ” المغني ” ( 9 / 172 ).

 

وما عداه: فإنها تلزم بيتها حتى تنتهي عدتها، وليس استقبال المعزين والمعزيات بعذر في خروجها من منزلها لمنزل آخر.

 

والله أعلم.