الرئيسية بلوق الصفحة 67

تستمع مع زوجها آيات من القرآن فإذا جاء ذكر الحور العين تغلق المسجل! فهل تأثم؟

تستمع مع زوجها آيات من القرآن فإذا جاء ذكر الحور العين تغلق المسجل! فهل تأثم؟

السؤال:

عندما أستمع إلى القرآن بمعية زوجي وتأتي آيات وصف الحور العين: يقوم بعمل بعض الحركات، التي تجعلني أشعر بالغيرة، فهل يجوز أن أوقف القراءة؟ وهل أنا آثمة بذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب استماع القرآن من غيره .

عَن ابن مَسعودٍ رضي اللَّه عنه قالَ: قال لي النبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: ( اقْرَأْ علَيَّ القُرآنَ ) قلتُ: يا رسُولَ اللَّه، أَقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟، قالَ: ( إِني أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي ) فقرَأْتُ عليه سورَةَ النِّساء، حتى جِئْتُ إلى هذِهِ الآية: ( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهيد وِجئْنا بِكَ عَلى هَؤلاءِ شَهِيدا ) النساء/ 40: قال: ( حَسْبُكَ الآن ) فَالْتَفَتَّ إِليْهِ، فَإِذَا عِيْناهُ تَذْرِفانِ. رواه البخاري ( 4763 ) ومسلم ( 800 ).

وعلى ذلك لا ينبغي للمرأة أن تمتنع من هذه الحسنة – وهي استماع القرآن – لهذه السبب بل يجب عليها أن تضبط غيرتها؛ والغيرة أمر مغروس في فطرة النساء، لكنها ليست غيرة من الحور العين! فدخول زوجها الجنة، وتمتعه بالحور العين لن تكون معه في حسرة؛ إذ ليس مثل هذا في الجنة، بل المسلمات من أهل الجنة خير من الحور العين، ولا ينبغي للمرأة أن تقيس أحوال الآخرة على أحوال الدنيا، فما يكون منها تجاه ضراتها: لن يكون مثله في الآخرة تجاه الحور العين، فهي في نعيم عظيم، مقيم، ليس فيه ما ينغص عليها، ولا ما يؤلمها، وعلى المرأة المسلمة أن يكون همها دخول الجنة، والفوز برضوان ربها تعالى.

ثم إن الآيات التي في القرآن مما وصف الله فيها الحور العين: قليلة جدًّا، فلا ينبغي للزوج أن يفعل ما يغيظ زوجته عند سماع تلك الآيات، ولا ينبغي للزوجة أن تدقق على هذا، وتقف عنده، ولو صنع زوجها ما صنع، ويمكنها قهر شيطانها، وشيطانه، بقولها: ” أسأل الله أن يرضى عنك، وأن يدخلك الجنة، وأن يقرَّ عينك بالشهادة لتنال سبعين من الحور العين “! فتخيلي للحظة لو أن هذا الموقف هو الذي صدر منك، بدلًا من إغلاق المسجل الذي يُتلى منه القرآن: فكم سيكون مؤثرًا في ، وكم سيكون مخزيًا للشياطين التي تجتهد في التفريق بينكما لمثل هذا.

 

ثم إن الله تعالى أنزل القرآن لحكم كثيرة، ومنها: التذكر، والتفكر، والاعتبار، والهداية، فأين أنتما عن هذا كله مع هذه الأفعال؟!.

 

فالنصيحة للأخت السائلة أن لا توقف القراءة لهذا السبب – ولا نقول بأنها آثمة لو فعلت -، وأن تضبط غيرتها، والنصيحة للزوج أن يتقي الله ويحسن صحبة زوجته، وأن لا يستعمل القرآن في الكيد، والقهر.

 

ونسأل الله أن يوفقكم لما يحب ويرضى، وأن يؤلف بين قلوبكم.

 

والله أعلم.

 

يعمل شرطيًّا في شرطة بريطانيا فهل له الجمع بين الصلوات أحيانًا؟

يعمل شرطيًّا في شرطة بريطانيا فهل له الجمع بين الصلوات أحيانًا؟

السؤال:

أعمل في  الشرطة في ” بريطانيا “، وسؤالي يتعلق بأداء الصلاة أثناء أداء العمل، ففي بعض الأحيان أكون في مهمة القبض على شخص ما، ويصادف ذلك وقت صلاة العصر – على سبيل المثال – وقس على ذلك بقية الصلوات، فما العمل في مثل هذه الحالات؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولَا:

لا بد أن يعلم السائل أن عمله في الشرطة في تلك البلاد لا بد أن يقيد جوازه بشرط عدم الوقوع في محذور مخالف للشريعة، وفي مثل تلك البلاد غير الإسلامية يكون للشرطي أعمال كثيرة قد يكون في كثير منها مخالفة للشرع، كاعتقال أهل الإسلام لمجرد دينهم، أو تنفيذ القوانين الجائرة المتعلقة بالأسرة، وغيرها، أو حماية أهل الكفر، والفجور، في منتدياتهم، ومحالهم.

وليس هذا الحكم خاصًّا بالعمل في تلك البلاد، وفي تلك الوظيفة، بل هو عامّ في البلاد كلها، وفي جميع الوظائف.

واعلم أن من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه، وقال الله تعالى: ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ) الطلاق/ 2، 3.

ثانيًا:

جعل الله للصلاة وقتًا محددّا، كما قال سبحانه وتعالى: ( إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ) النساء/ 103، ولا شك أن من أحب الأعمال إلى الله: المحافظة على الصلاة في وقتها، كما جاء في الحديث عن عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود  قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: ( الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا ) قَالَ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: ( ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ )، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ( الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ).

رواه البخاري ( 504 ) ومسلم ( 85 ).

وتأخير الصلاة حتى يخرج وقتها من كبائر الذنوب, ومن العلماء من قال بكفره، وعلى ذلك: لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها بسبب العمل، إذا كانت طبيعة العمل تتطلب دائمًا التأخر عن الصلاة.

 

ثالثًا:

يجوز الجمع بين الصلاتين – الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء – لبعض الأعمال الضرورية، والتي يترتب على تأخيرها مفسدة، كالطبيب حال أداء عملية جراحية – مثلًا -.

* قال علماء ” اللجنة الدائمة “:

على الطبيب المتخصص في إجراء العمليات : أن يراعي في إجرائها الوقت الذي لا يفوت به أداء الصلاة في وقتها، ويجوز في حال الضرورة: الجمع بين الصلاتين، جمع تقديم، أو تأخير، كالظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء، حسبما تدعو إليه الضرورة، أما إذا كانت لا تجمع إلى ما بعدها، كالعصر، والفجر: فإن أمكن أداؤها في وقتها ولو كان عن طريق النوبة لبعض العاملين، ثم يصلي الآخرون بعدهم: فذلك حسن، وإن لم يمكن ذلك: فلا حرج في تأخير الصلاة، وقضائها بعد انتهاء العملية ؛ للضرورة، وهي تقدر بقدرها. الشيخ عبد الله آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 25 / 301 ).

وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

 

ويقاس على ذلك: بعض الأعمال التي يترتب على تأخيرها مفسدة, وعليه: فينظر في عذر السائل, فإن كان يترتب على هذه المهمة مفسدة، كهروب المطلوب مثلا: فيجوز الجمع، مع بيان أن الضرورة تقدر بقدرها.

 

والنصيحة للسائل أن يجتهد في أن تكون أعماله موافقة للشرع، لا مخالفة له، ويجتهد في المحافظة على الصلوات على وقتها.

 

والله أعلم.

 

 

سقطت أمها من مكان عالٍ فماتت، فهل لها أجر الشهداء؟

سقطت أمها من مكان عالٍ فماتت، فهل لها أجر الشهداء؟

السؤال:

أمي كانت ربة منزل، أفنت حياتها في بيتها، وخدمتنا، وبينما كانت تركّب حبلًا للغسيل، أو منشرًا في البلكونة بالدور الرابع: سقطت منها؛ لأنها وقفت على كرسي بجانب السور،  وماتت ، وسؤالي هو: هل تعتبر أمي في إحدى درجات الشهداء؟. شكرًا، وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

نسأل الله تعالى أن يرحم أمكِ رحمة واسعة، وأن يثيبها ثوابَا جزيلَا، وأن يغفر لها ذنبها كلَّه، دِقَّه وجِلَّه، أوله وآخره، سره وعلانيته.

وأما بخصوص تحصيل الميت لأجر الشهداء في الآخرة إن مات في غير المعركة: فقد جاءت نصوص نبوية صريحة تبين سعة فضل الله تعالى في كتابة أجر الشهادة لأولئك، ويمكن حصرهم بما يلي:

  1. الموت بداء البطن.
  2. الموت بسبب الهدم، ويدخل فيه حوادث السيارات.
  3. الموت غرقًا.
  4. موت المرأة في نفاسها بسبب ولدها، أو وهي حامل به.
  5. الموت حرقًا.
  6. الموت بمرض ” ذات الجنب “، وهو كُلّ وجع في الجنب، اشتقاقًا من مكان الألم.
  7. الموت بمرض السلّ.
  8. الموت بالطاعون.
  9. الموت دفاعاً عن الدين، أو المال، أو النفس.

* قال الحافظ ابن – رحمه الله -:

قال ابن التين رحمه الله: ” هذه كلها ميتات فيها شدة، تفضل اللّه على أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم بأن جعلها تمحيصًا لذنوبهم، وزيادة في أجورهم، يبَلِّغهم بها مراتب الشهداء “.  ” فتح الباري ” ( 8 / 438 ).

وكما ترين فليس في السنَّة المرفوعة للنبي صلى الله عليه وسلم ما يبيِّن أن أجر من مات من مكان عالٍ أن له أجر الشهيد، إلا أن تكون والدتك لم تمت جراء السقطة، بل من أجل نزيف داخلي في البطن، فيرجى أن يكون لها أجر الشهادة الأخرى بسبب ذلك.

وقد جاء عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود من قوله ما يجعل المتردي من مكانٍ عالٍ شهيدًا، فهذا إما أن يكون له حكم الرفع، أو يستأنس به.

روى عبد الرزاق الصنعاني في ” مصنفه ” ( 5 / 269 ) والطبراني في ” معجمه الكبير ” ( 9/  ص 345 ) عن ابن مسعود قال: إن من يتردى من رؤوس الجبال، وتأكله السباع، ويغرق في البحر: لشهيد عند الله.

وصححه الحافظ ابن حجر في ” فتح الباري ” ( 6 / 44 ).

واعلمي أن الله تعالى لا يضيع أجر المحسنين، والأم بما تبذله من عطاء لزوجها، وأولادها، وبيتها، يكون لها الأجور العظيمة، والتي نرجو أن يجزي اله تعالى بها والدتك خير الجزاء.

ونوصي أولادها وزوجها بقضاء ديونها المادية، والصيام عنها إن كان في ذمتها أيام واجبة لم تصمها، كما نوصيهم بالحج عنها إن لم تكن حجت، مع الإكثار من الدعاء لها بالرحمة، والمغفرة، وعظيم الأجر.

 

والله أعلم.

 

ما هي الأوصاف التي يُنادى بها على الكافر؟ وهل يجوز قول ” أخي ” و ” سيدي”؟

ما هي الأوصاف التي يُنادى بها على الكافر؟ وهل يجوز قول ” أخي ” و ” سيدي”؟

السؤال:

نحن طلاب ندرس في جامعة في أمريكا, ونعمل برامج دعوية لغير المسلمين للدعوة إلى الله، بعض الأحيان نستعمل بعض الطرق التي لا ندري عن صحتها مثل: ” البرامج المختلطة بين الرجال والنساء ” بحكم العادات، والتقاليد هنا في أمريكا، وبعض الأحيان نستعمل ألفاظ مثل ” سيدي “، أو ” صديقي “، أو ” أخي “، وكلمة ” أخي ” تعتبر دارجة بين أوساط الشباب.

أفتونا – مأجورين – في حكمها، ونرجو أن ترشدونا في كيفية التعامل مع غير المسلمين. جزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ملاحظة: اعذرونا إذا كان الأسلوب غير واضح.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الدراسة المختلطة بين الرجال والنساء فيها مفاسد جمَّة، ولها آثار سيئة على كلا الجنسين، فإذا كانت هذه الدراسة المختلطة في بلد غير محافظ: ازداد الأمر سوءً، وعظمت المفاسد.

 

ثانًيا:

وفي الوقت الذي ننكر الدراسات المختلطة، وفي مثل تلك الدول غير المسلمة: نشجع الطلبة على الالتزام ببرامج إيمانية فيها تزكية لنفوسهم؛ تعويضًا عما ينقص بالمشاهدات المحرَّمة، التي تضعف الإيمان، ونشجع على الالتزام ببرامج دعوية؛ استثمارًا لوجودهم في بلدان غير مسلمة، لدعوة أهلها إلى الإسلام، في فرصٍ قد لا تتكرر.

فنرجو الله أن يوفقكم في مسعاكم ، ونسأله أن يعظم لكم الأجور ، ومن الجيد أن يكون لكم اتصال مع أهل العلم ، ومواقع الفتوى ، للسؤال عما يشكل عليكم، وتجدون في موقعنا أجوبة كثيرة لمسائل متعددة ، تهمكم ، وتتعلق بشؤونكم .

 

ثالثًا:

ونحن يفرحنا وجود ترتيب لجهودكم في الدعوة إلى الله، وتنظيم لعملكم ذاك، ونرى أن الدعوة إلى الله في مثل تلك البلاد تحتاج لعقلاء، وحكماء، ومبدعين، لإيصال رسالة الإسلام لأكبر قدر ممكن من المدرسين، والطلبة، مع التنبيه أن يحاط ذلك كله بالالتزام بأحكام الشرع، والتي تحكم على أقوال، وأفعال الدعاة.

وجوابًا على أسئلتكم تحديدًا نقول:

  1. لا يجوز لكم عمل برامج دعوية فيها اختلاط نساء برجال، ونرى أن التزامكم بالشرع في هذا الباب واجب عليكم؛ استجابة لأوامر الشرع في تحريم الاختلاط، ودفعًا للفتن المترتبة على ذلك، وهذا في حال أن تكونوا أنتم من يقيم ذلك المعرض، أو البرنامج، وأما أن يكون قائمًا من قبَل البلدة، أو الجامعة، ويكون منكم استثمار له، بوجود زاوية تعرضون فيها مواد سمعية، ومرئية، ونصية، عن الإسلام: فلا نرى في ذلك بأسًا، بشرط أن يكون القائم على تلك الزاوية مجموعة من الشباب، وليس فردًا واحدًا، وأن يكون عنده من العلم الشرعي والحكمة ما يجعله مؤهلًا للقيام بذلك العمل.
  2. لا يجوز لكم استعمال الألفاظ الشرعية الخاصة بالمسلمين، كلفظ ” أخي “، ولا الألفاظ التي فيها إظهار المودة المنهي عن وجودها عند المسلم تجاه غير المسلم، كلفظ ” صديقي “، ولا الألفاظ التي نهينا عن مخاطبة الكفار بها، كلفظ ” سيِّد “.

وقد رأينا من ينكر مثل هذه الأحكام، ويتعجب من تشريعها، ومن جهل أحكام الشرع وحكَمه لا يُتعجب منه ذلك الإنكار، والإسلام لا يطلب العبوسة في وجه أولئك الكفار، ولا مخاطبتهم بأبشع أسلوب، وأفظ طريقة، فهو ينهى عن موادتهم، ويجيز برهم ومعاملتهم بالحسنى، ويمنع من ابتدائهم بالسلام، ويجيز غيرها من تحيات اللقاء، وهكذا نقول هنا، فإذا رأينا العلماء يمنعون من مناداة الكفار بألفاظ ” الأخوة “، و ” الصداقة ” ، و ” السيادة “: فهم لا يمنعون من مناداتهم بأسمائهم، أو كناهم، ولا يمنعون من ألفاظ مباحة في مخاطبتهم، كـ ” زميل “، أو ” جار “، أو ” قريب “.

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

عن حكم قول: ” أخي ” لغير المسلم؟ وكذلك قول: ” صديق ” و ” رفيق “؟ وحكم الضحك إلى الكفار لطلب المودة؟.

فأجاب:

أما قول: ” يا أخي ” لغير المسلم: فهذا حرام، ولا يجوز، إلا أن يكون أخًا له من النسب، أو الرضاع؛ وذلك لأنه إذا انتفت أخوة النسب والرضاع: لم يبق إلا أخوَّة الدين، والكافر ليس أخاً للمؤمن في دينه، وتذكر قول نبي الله تعالى نوح: ( رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ).

وأما قول: “صديق “، ” رفيق “، ونحوهما: فإذا كانت كلمة عابرة يقصد بها نداء من جهل اسمه منهم: فهذا لا بأس به، وإن قصد بها معناها توددًا وتقربًّا منهم: فقد قال الله تعالى: ( لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ )، فكل كلمات التلطف التي يقصد بها الموادة : لا يجوز للمؤمن أن يخاطب بها أحدًا من الكفار.

وكذلك الضحك إليهم لطلب الموادة بيننا وبينهم: لا يجوز، كما علمت من الآية الكريمة  ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 3 / 42، 43 ).

– كما أنه في جواز معاملة الكفار بالرفق، واللين؛ طمعا في إسلامهم.

  1. وأما النهي عن قول ” سيد “، أو ” سيدي ” لأحدٍ من الكفار: فقد جاء ذلك في نص صحيح.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( لاَ تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ ).

رواه أبو داود ( 4977 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

وإذا كان هذا الحكم في المنافق الذي يُظهر الإسلام: فهو في الكافر من باب أولى، وقد جعل الإمام النووي – وغيره – هذا الحكم  شاملًا للفاسق، والظالم، والمبتدع ، فقد بوَّب في كتابه ” رياض الصالحين “، فقال: ” باب النهي عن مخاطبة الفاسق والمبتدع ونحوهما ب” سيِّد “، ونحوه “، واستدل على هذا التبويب بحديث بريدة.

* وقال – رحمه الله -:

لا بأس بإطلاق فلان سيِّد، ويا سيدي، وشبه ذلك إذا كان المسوَّد فاضلًا، خيِّرًا، إما بعلْم، وإما بصلاح، وإما بغير ذلك، وإن كان فاسقًا، أو متهمًّا في دينه، أو نحو ذلك: كُره له أن يقال ” سيِّد “.

وقد روينا عن الإمام أبي سليمان الخطابي في ” معالم السنن ” في الجمع بينهما نحو ذلك. ” الأذكار ” ( ص 362 ).

* وقال ابن القيم – رحمه الله – تحت فصل خطاب الكتابي بسيدي ومولاي ” -:

وأما أن يُخاطب بـ ” سيدنا “، و ” مولانا “، ونحو ذلك: فحرام قطعًا، وفي الحديث المرفوع ( لا تقولوا للمنافق سيدنا فإن يكن سيدكم فقد أغضبتم ربكم ).

” أحكام أهل الذمة ” ( 3 / 1322 ).

* وقال الشيخ حمود التويجري – رحمه الله -:

ولا يجوز وصف أعداء الله تعالى بصفات الإجلال والتعظيم كالسيد، والعبقري، والسامي ونحو ذلك، لما رواه أبو داود والنسائي والبخاري في الأدب المفرد عن بريدة رضي الله عنه ….

وقد قلَّت المبالاة بشأن هذا الحديث الشريف، حتى صار إطلاق اسم ” السيد ” ونحوه على كبراء الكفار، والمنافقين، مألوفَا عند كثير من المسلمين في هذه الأزمان، ومثل السيد ” المستر ” باللغة الإفرنجية، وأشد الناس مخالفة لهذا الحديث: أهل الإذاعات؛ لأنهم يجعلون كل مَن يستمع إلى إذاعاتهم من أصناف الكفار، والمنافقين، سادة، وسواء عندهم في ذلك الكبير، والصغير، والشريف، والوضيع، والذكر، والأنثى، بل الإناث هن المقدمات عندهم في المخاطبة بالسيادة، وفي الكثير من الأمور خلافًا لما شرعه الله من تأخيرهن.

وبعض أهل الأمصار يسمُّون جميع نسائهم: ” سيدات “، وسواء عندهم في ذلك المسلمة، والكافرة، والمنافقة، والصالحة، والطالحة.

ويلي أهل الإذاعات في شدة المخالفة لحديث بريدة رضي الله عنه: أهل الجرائد، والمجلات، وما شابهها من الكتب العصرية؛ لأنهم لا يرون بموالاة أعداء الله، وموادتهم، وتعظيمهم: بأسًا، ولا يرون للحب في الله، والبغض في الله، والموالاة فيه، والمعاداة فيه: قدرًا، وشأنًا. ” تحفة الإخوان بما جاء في الموالاة والمعاداة والحب والبغض والهجران ” ( ص 20 ، 21 ) ترقيم الشاملة.

فاحذروا من مخالفة الشرع في إطلاق الألفاظ التي هي مختصة بأهل الإسلام، أو فيما فيه إظهار الحب والود لهم، وفيما فيه تعظيم لهم، ويباح لكم غير ذلك مما لا مخالفة للشرع فيه، كأن يُذكر اسمه، أو كنيته، أو بوصف ” الجوار ” – وإليه الإشارة في قوله تعالى ( وَالْجَارِ الْجُنُبِ ) النساء/ من الآية 36 -، أو ” القرابة ” – كما في قوله صلى الله عليه ويلم لعمِّه أبي طالب ” يَا عَمُّ ” -، أو ” المسمَّى الوظيفي ” – كقولكم ” رئيس الجامعة “، أو ” عميد الكلية “، كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم هرقل بـ ” عظيم الروم ” -، وغيرها من الأوصاف المباح مناداته بها.

 

رابعًا:

ونختم بهذه الفائدة:

أن مسائل أسماء الكفار، ولباسهم، ومراكبهم، وتغييرها، أو تمييزها عن المسلمين، مما يوجد في زمان المسلمين السالف، وفيما يُذكر في كتب الفقه: ليس يُعمل به على كل حال، وفي كل بيئة، بل هو راجع للمصلحة والمفسدة، والقوة والضعف، فنرجو مراعاة ذلك ممن يتشدد في هذه المسائل، ممن يطعن فيها ويميعها.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

ومَن تأمَّل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في تأليفهم الناس على الإسلام بكل طريق: تبيَّن له حقيقة الأمر، وعلِم أن كثيرًا مِن هذه الأحكام التي ذكرناها – من الغيار، وغيره – تختلف باختلاف الزمان، والمكان، والعجز، والقدرة، والمصلحة، والمفسدة.

” أحكام أهل الذمة ” ( 3 / 1321 ).

 

والله أعلم.

تفصيل القول في هجاء المسلم والكافر والمبتدع

تفصيل القول في هجاء المسلم والكافر والمبتدع

السؤال:

ما حكم هجاء المشركين والفسَّاق؟.

أرجو التفصيل، فقد أعجبني تفصيلكم في سؤال عن حكم الرثاء في الإسلام، فقد كانت إجابة شافية، ومؤصلة، ومعزوة؟ وشكرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

” الهجاء ” ضد ” المدح “، وقد اتفق الفقهاء على أن الأصل في عرض المسلم أنه مصون، وأنه لا يجوز هجوه من غير أن يكون مستحقًّا لذلك.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 42 / 159 ، 160 ):

وقد استدل الفقهاء على عدم جواز هجو المسلم بقول الله تعالى: ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ) الأحزاب/ 58، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَْلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِْيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) الحجرات/ 11، وَقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ) – متفق عليه – ، وَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلاَ بِاللَّعَّانِ وَلاَ الْفَاحِشِ وَلاَ الْبَذِيءِ ) – رواه الترمذي، وصححه الألباني -. انتهى.

 

ثانيًا:

ذهب الشافعية إلى جواز هجو المبتدع، والمعلن بفسقه، وذهب الحنفية إلى جواز هجو المنافق.

* قال الشربيني الشافعي – رحمه الله -:

ومثله في جواز الهجو: المبتدع، كما ذكره الغزالي في ” الإحياء “، والفاسق المعلِن، كما قاله العمراني، وبحَثه الإسنوي. ” مغني المحتاج ” ( 4 / 430 ).

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 42 / 159 ):

ذهب الفقهاء إلى عدم جواز هجو المسلم، واستثنى الشافعية المبتدع، والفاسق المعلِن بفسقه، فيجوز هجوهم، وعند الحنفية: يجوز هجو المسلم المنافق. انتهى.

وكلما ازداد قبح البدعة، وبُعدها عن الصراط المستقيم: تحتم على أهل السنَّة كشف عوارها، وتبيين ضلالها، وهو من الجهاد في سبيل الله باللسان.

 

* قال ابن القيم – رحمه الله – في بيان شرِّ بدعة التعطيل، والتأويل، وذم أهليهما -:

فكشْف عورات هؤلاء، وبيان فضائحهم، وفساد قواعدهم: مِن أفضل الجهاد في سبيل الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: ( إِنَّ رُوحَ القُدُسِ مَعَكَ مَا دُمْتَ تُنَافِحُ عَنْ رَسُولِهِ )، وقال: ( أُهْجُهُم – أَوْ هَاجِهِم – وَجِبْرِيلُ معك )، وقال: ( اللهمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ مَا دَامَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِكَ )، وقال عن هجائه لهم: (والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ فِيهم من النَّبْل )، وكيف لا يكون بيان ذلك من الجهاد في سبيل الله: وأكثر هذه التأويلات المخالفة للسلف الصالح من الصحابة، والتابعين، وأهل الحديث قاطبة، وأئمة الإسلام الذين لهم في الأمَّة لسان صدق: يتضمن من عبث المتكلم بالنصوص، وسوء الظن بها من جنس ما تضمنه طعن الذين يلمزون الرسول، ودينه، وأهل النفاق، والإلحاد ؛ لما فيه من دعوى أن ظاهر كلامه إفك ، ومحال، وكفر، وضلال، وتشبيه، وتمثيل، أو تخييل، ثم صرْفها إلى معانٍ يعلم أن إرادتها بتلك الألفاظ من نوع الأحاجي، والألغاز، لا يصدر ممن قصْدُه نصح، وبيان، فالمدافعة عن كلام الله ظن ورسوله، والذب عنه : من أفضل الأعمال، وأحبها إلى الله، وأنفعها للعبد. ” الصواعق المرسلة ” ( 1 / 301 ، 302 ).

ثالثًا:

وأما الكافر، والمشرك، والمرتد: فظاهر النصوص تدل على جواز هجائهم، بل قد دلَّت سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم على أن ذلك من الجهاد.

عَنْ أَنَس بن مالك أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ ).  رواه أبو داود ( 2504 ) والنسائي ( 3069 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

عيب ديننا، وشتم نبيِّنا: مجاهدة لنا، ومحاربة، فكان نقضاً للعهد ، كالمجاهدة، والمحاربة بالأَوْلى.

يبين ذلك: أن الله سبحانه قال في كتابه: ( وَجَاهِدُوا بِأَمْوالِكم وَأَنْفِسكم فِي سَبيلِ الله ) التوبة/ 41، والجهاد بالنفس: يكون باللسان، كما يكون باليد، بل قد يكون أقوى منه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( جَاهِدُوا المُشْرِكين بِأَيْدِيكُم وَأَلْسِنَتِكُم وَأَمْوالِكُم ) رواه النسائي وغيره، وكان صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت: ( أهْجُهُم وَهَاجِهِم)، ( وكان يُنصب له منبر في المسجد ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعره، وهجائه للمشركين ) – رواه البخاري تعليقا، ورواه أبو داود والترمذي متصلًا، وحسنه الألباني -، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اللهمَّ أَيِّدْهُ بِرُوح القُدُس ) – متفق عليه -، وقال: ( إِنَّ جِبرائيلَ مَعَكَ مَا دُمْتَ تُنَافِحُ عَنْ رسول الله صلى الله عليه وسلم ) – وهو الحديث قبل السابق -، وقال: ( هِيَ أَنْكَى فِيهُم مِن النَّبْل ) رواه مسلم.

” الصارم المسلول ” ( 1 / 213 ).

كما يظهر أن ذلك يكون مقيَّدًا بما إن كان ردًّا على هجاء أولئك الكفار للإسلام، أو لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ وقد دلَّ النص القرآني على عدم جواز ابتدائهم بالسب، والهجاء؛ خشية من تعرضهم لله تعالى، أو لدينه، أو لرسوله صلى الله عليه وسلم، بالسب والشتم، فقال الله تعالى: ( وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) الأنعام/ 108.

ومما يدل على جواز هجاء الكفار والمشركين ردًّا عليهم: ما ثبت من أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرَ حسان بن ثابت بأن يهجو المشركين، ردًّا على طعنهم، وأخبره صلى الله عليه وسلم أن جبريل عليه السلام ينصره.

عَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِحَسَّانَ: ( اهْجُهُمْ – أَوْ قَالَ: هَاجِهِمْ – وَجِبْرِيلُ مَعَكَ ). رواه البخاري ( 5801 ) ومسلم ( 2486 ).

* قال العيني – رحمه الله -:

قوله ( اهجهم ): أمرٌ مِن هجا، يهجو، هجوًا، وهو نقيض المدح.

قوله ( أو هاجهم ): شك من الراوي، من المهاجاة، ومعناه: جازهم بهجوهم.

قوله ( وجبريل معك ): يعني: يؤيدك، ويعينك عليه.

” عمدة القاري ” ( 15 / 134 ).

* وفي ” مغني المحتاج ” ( 4 / 430 ):

محل تحريم الهجاء إذا كان لمسلم فإن كان لكافر أي غير معصوم جاز كما صرح به الروياني وغيره؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أمر حسَّان بهجو الكفار، بل صرح الشيخ أبو حامد بأنه مندوب.

وظاهر كلامهم جواز هجو الكافر غير المحترم المعين، وعليه: فيفارق عدم جواز لعنه ؛ فإن اللعن: الإبعاد من الخير، ولاعِنه لا يتحقق بعده منه، فقد يختم له بخير بخلاف الهجو. انتهى.

* وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 42 / 160 ):

ذهب الفقهاء إلى جواز هجو الكافر غير المعصوم، وكذا المرتد ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر حسان بن ثابت رضي الله عنه بهجو الكفار. انتهى.

وفي ذِكر جبريل عليه السلام في الحديث دون غيره من الملائكة حكمة بالغة.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وإنما خصَّ النبي صلى الله عليه وسلم جبريل، وهو روح القدس، بنصرة من نصره، ونافح عنه؛ لأن جبريل صاحب وحي الله إلى رسله، وَهُوَ يتولى نصر رسله، وإهلاك أعدائهم المكذبين لهم، كما تولى إهلاك قوم لوط، وفرعون، في البحر .

فمَن نصر رسول الله، وذب عنه أعداءه، ونافح عنه: كان جبريل معه، ومؤيِّدًا له، كما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ( مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ) التحريم/ 4 ]. ” فتح الباري ” لابن رجب ( 2 / 509 ).

وبالتأمل في سبب ورود الحديث: يتبين أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر حسان بن ثابت بهجاء المشركين ردًّا على طعنهم، لا أن ذلك كان ابتداءً.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وفي الحديث : جواز سب المشرك، جوابًا عن سبه للمسلمين, ولا يعارض ذلك مطلق النهي عن سب المشركين لئلا يسبوا المسلمين: لأنه محمول على البداءة به, لا على من أجاب منتصرًا.  ” فتح الباري ” ( 10 / 547 ).

وفي ” حاشية السندي على صحيح البخاري ” ( 4 / 141 ):

وقوله: ( بِرُوحِ القُدُس ) هو جبريل، في ذلك إشارة إلى أن هجو الكفار من أفضل الأعمال، ومحله: إذا كان جوابًا، كما هنا، وإلا فهو منهي عنه لآية: ( وَلاَ تَسُبُّوا الذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دِونِ اللهِ ).  انتهى.

فالخلاصة:

  1. تحريم هجاء المسلم من حيث الأصل.
  2. جواز هجاء الكافر، والمشرك، والمرتد.
  3. مراعاة أن يكون هجاء الكافر ردًّا عليه، لا ابتداء من المسلم.
  4. أن يكون الناظم للهجاء على قدر من البلاغة والفصاحة؛ لاختيار النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت دون غيره، ولما قد يسببه نظم الجاهل والضعيف من سخرية الشعراء والفصحاء.
  5. جواز ابتداء المبتدع، والمعلِن بفسقه، بالهجاء.
  6. مراعاة عدم الشطط في الهجاء، وعدم التعدي على العرض، وعدم القذف.
  7. من هجا مسلمًا بغير حق: فإنه يستحق التعزير.

وفي ” الموسوعة الفقهية ” ( 42 / 162 ):

للإمام أن يعزِّر مَن يهجو الناس بغير حق؛ وذلك لأن هذا النوع من الهجاء محرم، وفعله معصية، وكل معصية ليس فيها حد: وجب فيها التعزير. انتهى.

 

والله أعلم.

هل معنى حديث ( شقي أو سعيد ) الشقاء والسعادة في الدنيا؟

هل معنى حديث ( شقي أو سعيد ) الشقاء والسعادة في الدنيا؟

السؤال:

أولًا: والله إننا نحبك في الله يا شيخنا العزيز.

ثانيًا: كنت أنا وبعض الإخوة في الله نناقش مغزى حديث رسولنا الكريم الذي رواه عبد الله بن مسعود وخلصنا إلى بعض الأسئلة التي نعرضها بين يدي فضيلتكم للإجابة عليها ، بما فتح الله عليكم.

عن عبد الله بن مسعود قال: حدَّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: ( إن أحدكم ليُجمع خلْقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الله إليه الملَك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ) متفق عليه، صدق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.

من المعلوم أننا كمسلمين يجب أن نؤمن بلب هذا الحديث إيماناً راسخا، ولكن وردت الأسئلة التالية أثناء النقاش، ولقلة زادنا الشرعي: رغبنا أن نستزيد من علمكم، حفظكم الله:

  1. هل السعادة والشقاء من منظور شرعي – التي وردت في الحديث – هما نفس السعادة والشقاء من منظور حسي – أي: التي نعيشهما، ونحسهما في هذه الدنيا الفانية؟.
  2. هل يمكن للإنسان أن يعرف مع أيِّ الفريقين هو؟ هل هناك علامات نستدل بها؟.
  3. في واقعنا الإنساني نجد بعض القصور في التسليم بذلك – أي: بما ورد في الحديث – فهل هذا يعتبر قصورًا في الدين، أو التقوى؟.
  4. بسبب طبيعتنا الإنسانية نتذمر في العادة عندما يتلبسنا الإحساس بالتعاسة، هل ذلك يعتبر إنكارًا لقدَر الله؟.
  5. عندما تغمرنا السعادة من كل جانب، وتنبسط لنا الدنيا: قلَّ أن ننسب ذلك لقدر الله، ولكن نحاول الإيحاء أن ذلك بجهدنا، وعلو همتنا، هل هذا يعتبر نقضًا، أو إنكارًا لقدر الله؟.

نسأل الله أن لا يحرمكم الأجر، وأن ينفع الإسلام والمسلمين بجهودكم، وعلمكم.

 

 

 

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لفظا ” السعادة ” و ” الشقاء ” الواردان في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ليسا هما ما نحسه في الدنيا من ” سعادة “، وما يصيبنا فيها من ” شقاء “، بل هما ” الإسلام ” و ” الكفر “، وهما الطريقان إلى ” الجنة ” و ” النار “، والمقصود بالحديث: ما يختم للإنسان بأحد الأمرين في الدنيا، فمن ختم له بخير فهو سعيد، وهو من أهل السعادة، وجزاؤه الجنة، ومن خُتم له بشرٍّ فهو شقي، وهو من أهل الشقاء، ومصيره النار – والعياذ بالله -.

* وقد جاء هذا اللفظان في الكتاب والسنَّة بذات المعنى الذي قلناه:

أ. ( يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ. فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ. خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ. وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) هود/ 105 – 108.

ب. عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنَّا فِى جَنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ فَنَكَّسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ ثُمَّ قَالَ: ( مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلاَّ وَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ مَكَانَهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلاَّ وَقَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً ) قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ فَقَالَ: ( اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ )، ثُمَّ قَرَأَ ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ). رواه البخاري ( 4666 ) ومسلم ( 2647 ).

– ( المِخصرة ): ما اختصر الإنسان بيده، فأمسكه من عصا، أو عَنَزة.

ج. وفي رسالة العقائد لابن أبي زيد القيرواني ( ص 6 ):

يُضل مَن يشاء فيخذلُه بعدله، ويهدي مَن يشاء فيوفقه بفضله، فكلٌّ ميسَّر بتيسيره إلى ما سبق مِن علمه، وقدَره، مِن شقيٍّ، أو سعيد. انتهى.

* قال الحافظ ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقد تكاثرت النُّصوص بذكرِ الكتابِ السابقِ، بالسَّعادة والشقاوة، ففي ” الصحيحين ” عن عليِّ بن أبي طالب – وذكر الحديث -.

ففي هذا الحديث: أنَّ السعادة، والشقاوة: قد سبقَ الكتابُ بهما، وأنَّ ذلك مُقدَّرٌ بحسب الأعمال، وأنَّ كلاًّ ميسر لما خُلق له من الأعمال التي هي سببٌ للسعادة، أو الشقاوة.

وفي ” الصحيحين ” عن عمرانَ بن حُصينٍ، قال: قال رجل  يا رسول الله، أيُعرَفُ أهلُ الجَنَّةِ مِنْ أهلِ النَّار ؟ قالَ: ( نَعَمْ )، قالَ: فَلِمَ يعملُ العاملونَ؟ قال: ( كلٌّ يعملُ لما خُلِقَ له، أو لما ييسر له ).

وقد روي هذا المعنى عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من وجوهٍ كثيرةٍ، وحديث ابن مسعود فيه أنَّ السعادة والشقاوة بحسب خواتيم الأعمال .

” جامع العلوم والحِكَم ” ( ص 55 ).

وفي معنى ( فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَاب ) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:

والمعنى: أنه يتعارض عملُه في اقتضاء السعادة، والمكتوب في اقتضاء الشقاوة، فيتحقق مقتضى المكتوب، فعبَّر عن ذلك بالسبق؛ لأن السابق يحصل مراده دون المسبوق، ولأنه لو تمثَّل العمل، والكتاب، شخصين، ساعيين: لظفِر شخص الكتاب، وغلب شخص العمل. ” فتح الباري ” ( 11 / 487 ).

ومما يدل على أن ما ذكرناه هو المراد: أن الإنسان يصيبه في دنياه سعادة وشقاء، وهما يجتمعان؛ إذ ليس بينهما تضاد، وخاصة المؤمن، فهو سعيد بإيمانه، واستقامته، وقد يكون من أهل الشقاء، والنصب، والتعب، والحديث لم يُرد به النبي صلى الله عليه وسلم هذا، قطعًا، ولذا قال فيه: ( أو )، ومعنى هذا: أنه سلتزمه حال واحدة إما السعادة، أو الشقاء، وهذا لا يكون إلا فيما بينهما تضاد، كالإسلام والكفر في الدنيا، والجنة والنار في الآخرة.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

ومعنى قوله ( شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ): أن الملَك يكتب إحدى الكلمتين، كأن يكتب مثلًا: أجل هذا الجنين كذا، ورزقه كذا، وعمله كذا، وهو شقي باعتبار ما يُختم له، وسعيد باعتبار ما يختم له، كما دل عليه بقية الخبر.

وكان ظاهر السياق أن يقول: ” ويُكتب شقاوته وسعادته “، لكن عدل عن ذلك؛ لأن الكلام مسوق إليهما، والتفصيل وارد عليهما، أشار إلى ذلك الطِّيبي.

” فتح الباري ” ( 11 / 483 ).

 

ثانيًا:

وفي ظننا أن الأسئلة الباقية كانت باعتبار أن السعادة، والشقاء: هي ما يحس به المرء في الدنيا، وقد تبين لكم خطأ هذا، ولا مانع من إجمال الأسئلة الباقية في كلام مجمل يجمعها، فنقول:

ما يصيب المسلم من نعمة وسرَّاء: فهي مِن الله، وليس من جهد العبد، فهو أضعف من أن يحصل شيئًا لولا فضل الله، ورحمته، وإكرامه بتلك النعم، قال تعالى : ( وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ) النحل/ من الآية 53.

وقد طلب الله تعالى من عباده أن ينسبوا هذه النعمة – من سعادة، وهناء، ومال، وولد – إلى الله تعالى، وأن يؤدوا شكرها، ومن شكرها: الثناء على الله تعالى بما يستحقه، وتسخير تلك النِّعَم في طاعة الله تعالى، والمباح من الأفعال.

وما يصيب المسلم من ضراء وشقاء: فهو أيضًا من تقدير الله، وقد يكون ذلك عقوبة للعبد على ما فعل من معاصٍ، وقد يكون ابتلاء ليرفع الله درجته إن صبر، واحتسب مصائبه عند الله تعالى.

وإنما يُعرف المؤمن أنه محقق للإيمان في هذا الباب، وأنه مسلِّم لقدَر الله تعالى، مؤمن به: إذا شكر ربه في السرَّاء، وصبر عند الضرَّاء.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

جعل اللهُ سبحانَه وتعالى عبادَه المؤمنين بكل منزلة خيرًا منه، فهم دائمًا في نعمةٍ من ربهم، أصابَهم ما يُحِبَّون، أو ما يكرهون، وجعل أقضيته، وأقداره التي يقضيها لهم، ويُقدرها عليهم: متاجرَ يَربحون بها عليه، وطُرُقًا يصلون منها إليه، كما ثبت في الصحيح عَن إمامهم ومتبوعهم – الذي إذا دُعي يوم القيامة كل أناسٍ بإمامهم دُعُوا به صلواتُ الله وسلامه عليه – أنه قال: ( عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله عجب، ما يقضي الله له من قضاء إلاّ كان خيرًا له، إن أصابته سرَّاءُ شكَرَ فكان خيرًا له، وإن أصابَتْه ضرَّاءُ صَبَر فكان خيرًا له ).

فهذا الحديث يَعمُّ جميعَ أَقضيتِه لعبده المؤمن، وأنها خير له إذا صبر على مكروهها، وشكرَ لمحبوبها، بل هذا داخلٌ في مسمَّى الإيمان، فإنه كما قال السلف: ” الإيمان نصفان، نصفٌ صبر، ونصفٌ شكر “، كقوله تعالى: ( إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور )، وإذا اعتَبر العبدُ الدينَ كلَّه: رآه يَرجِعُ بجملته إلى الصبر، والشكر.

” جامع المسائل ” ( 1 / 165 ).

 

والله أعلم.

 

هل له أن يشجع علاقة بين مسلم وكافرة حفظا لها من الشر ودعوة لها للخير؟!

هل له أن يشجع علاقة بين مسلم وكافرة حفظا لها من الشر ودعوة لها للخير؟!

السؤال:

هناك امرأة غير مسلمة، لها صديق مسلم، وأود أن تعتنق الإسلام، وعلى الرغم من أن مسألة الصداقة بين الرجل والمرأة مرفوضة إلا أني أشجعهما على البقاء مع بعض لسببين: الأول: أن هناك شابّاً آخر غير مسلم، وهو شاذ، يريد أن ينصب لها فخّاً ويوقعها في شباكه، وأنا لا أحب أن تقع في شرَكه، والسبب الثاني: أن هذا الشاب المسلم قد يستطيع مع مرور الأيام أن يؤثر عليها فتُسلم ، فما العمل لكي تبتعد عن ذلك الشاب غير المسلم؟ وما هي الطريقة الأنسب لدعوتها إلى الإسلام؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نحن وإن كنا نقدر لك حرصك على الخير، وقصدك لما فيه نفع تلك المرأة: لكننا نرى أنك أخطأت خطأ عظيماً في قولك إنك تشجع علاقة الصداقة بينها وبين ذلك المسلم؛ وكم من مريد للخير لا يصيبه، والواجب أن يكون الحكم الشرعي هو منطلقنا في أفعالنا، وليس أن نحكم عواطفنا لنجلعها منطلقًا، وخاصة أنها تخالف شرع الله، وأنت تعلم أن العلاقة المحرمة بين الرجل والمرأة يعتريها كثير من المخالفات، وقد تؤدي إلى الوقوع في كبائر الذنوب، فأنَّى لعلاقة محرَّمة كهذه أن تؤدي بأصحابها إلى طريق النجاة والسلامة؟! لسنا نتهم أحدًا بسوء نية، ولا برغبة سوء، لكننا نحكم على الفعل، ونعلم الحكمة من تحريمه، فالعلاقة بين النساء والرجال الأجانب حكمها التحريم، والحكمة في تشريع هذا الحكم لا تخفى على من وهبه الله عقلًا ونظرًا، عقلاً يفهم به تلك الحكمة، ونظرًا ينظر من خلاله حوله، ليرى عظيم الفحش والمنكرات من جراء تلك العلاقات المحرمة.

ثانيًا:

ويمكنك أخي السائل أن تؤدي رسالتك العظيمة في حفظ تلك المرأة من الشر، وفي دعوتها للإسلام، عن طريق امرأة – مثلها – مسلمة، وتكون قريبة منها، تدعوها للخير، وتحذرها من الشر، وتكون هذه المرأة المسلمة موجهة من زوجها، أو أخيها، إذا أشكل عليها شيء رجعت إلى رجل من أهلها تستشيره.

 

 

* والخلاصة:

لا يجوز لك تشجيع تلك العلاقة المحرَّمة وذلك الرجل المسلم؛ لحرمة تلك العلاقة في شرع الله تعالى، ويمكنك أداء تلك الرسالة عن طريق امرأة، مسلمة، داعية، وبه نسلِّم تلك المرأة غير المسلمة، وذلك الرجل المسلم، من السوء، والوقوع فيما لا يرضي الرب تعالى.

 

والله أعلم.

مسجدان متقاربان والثاني منهما قليل المصلين أو معدومه ففي أي المسجدين يصلي؟

مسجدان متقاربان والثاني منهما قليل المصلين أو معدومه ففي أي المسجدين يصلي؟

السؤال:

نحن في منطقتنا يوجد مسجدان متقاربان، أحدهما يمتلأ عادة بالمصلين، أما الآخر: فيكون خالٍ من المصلين حتى إنَّه في بعض الأحيان لا يفتح المسجد أحيانا، ففي هذه الحالة أيهما أفضل: الصلاة في المسجد الممتلئ، أم إعمار المسجد الآخر؟.

وثانيًا: – بارك الله فيك – الإمام الذي في المسجد الممتلئ لا يراعي السنَّة، فهو مسبل، ولا يراعي السنَّة، أما المسجد الآخر: فإمامه نوعًا ما ملتزم ما استطاع بالسنَّة.

فنرجو منكم توضيح في أي المساجد الصلاة تكون فيه أفضل.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

انتشار المساجد، وكثرتها، ولو في الحي الواحد: علامة خير، وهو مما يشجع الناس على أداء الصلاة في بيوت الله، لكننا ففي الوقت نفسه ننبه على أمورٍ:

  1. أن لا يكون بناء المساجد بتقارب شديد، حتى لا يكاد المصلي يجد فرقًا في المسافة في الذهاب لواحد منهما؛ لئلا يكون بناؤها من الإسراف، والمباهاة، وهو ما حدث مع المسجد الآخر عندكم، حتى إنه ليأتي عليه أوقات لا يُفتح فيها لعدم وجود مصلين!.
  2. أن لا يكون بناء المسجد الآخر نتيجة عداوة، وبغضاء، وتعصب، بين أهل الحي الواحد، والمسجد على هذا سيؤصل للفُرقة، ويؤخر من الإصلاح.
  3. أن لا يصلَّى الجمعة فيهما، بل يصلى في المسجد الكبير منهما؛ ليجتمع المصلون في مكانٍ واحد، وبعض أهل العلم يرى بطلان الصلاة في المساجد الفرعية في القرية الواحدة، ونحن وإن كنا نرى عدم البطلان، لكننا نمنع من صلاة الجمعة في المسجدين المتقاربين، إلا لعذر شرعي، كامتلائهما بالمصلين، وغيرها من الأعذار المبيحة.
  4. ونرى أن بناء المساجد في المناطق التي تخلو من مساجد بالكلية أولى من بنائها في أماكن يوجد فيها من المساجد ما يؤدي الغرض.

هذه التنبيهات نرجو أن يُهتم بأمرها، وأن تكون في واقع التنفيذ، ومن المؤسف أننا لا نجد رسالة المسجد تحقق أهدافها في بعض الأماكن التي يوجد فيها مساجد متقاربة.

 

 

 

 

ثانيًا:

وبما أن الحال هو ما ذكرتَ : فإننا نرى أن تكون الصلاة في المسجد الأول؛ لأمور:

  1. أن اجتماع المصلين في مسجد واحد من شأنه أن يحقق الألفة بينهم، ويزيد في ترابطهم، فيُعرف مريضهم فيُعاد، وفقيرهم فيُعان، وميتهم فيُصلَّى عليه، ويُعزى أهله.
  2. أن المسجد الذي يصلي فيه أهل الحي جميعهم يعين على تعليمهم، ووعظهم، بخلاف تشتتهم في أكثر من مكان، فإذا جاء العلِم ليُعلِّم، والواعظ ليعظ، ويكون الناس قد اجتمعوا في صعيد واحد: فإن الخير والنفع والفائدة تصل لجميعهم.
  3. كلما زاد عدد المصلين في الجماعة: كان أحب إلى الله.

عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( وَإِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ).

رواه أبو داود ( 554 ) والنسائي ( 843 ).

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

لو قدِّر أن هناك مسجدين، أحدهما أكثرُ جماعة مِن الآخر: فالأفضلُ أن يذهبَ إلى الأكثرِ جماعة؛ لأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: ( صَلاةُ الرَّجُلِ مع الرَّجُلِ أزكى مِن صلاتِهِ وحدَهُ، … ).

وهذا عامٌّ، فإذا وُجِدَ مسجدان: أحدُهما أكثرُ جماعة مِن الآخرِ: فالأفضلُ أن تُصلِّيَ في الذي هو أكثر جماعة.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 4 / 150، 151 ).

ثالثًا:

وأما بخصوص الإمام في المسجد الثاني: فإننا نرى أن ينضم إلى المسجد الأول، ولا يُحدث تفرقاً بين المسلمين، وليس في الإمام الأول ما يمنع من الصلاة خلفه، لا في اعتقاده، ولا في قراءته، واجتماع المسلمين مصلحة عظيمة، وخاصة إن كانوا أهل حيٍّ واحد، بل حتى لو كان حضور الإمام الثاني يعني أن تقام جماعة فيه، فانضمامه إلى المسجد الأول: أولى.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

الأفضل لغير أهل الثَّغر أنْ يصلِّي في المسجدِ الذي تُقام فيه الجماعةُ إذا حضر، ولا تُقام إذا لم يحضر، مثال ذلك: إذا كان هناك مسجدٌ قائمٌ يصلِّي فيه الناسُ، لكن فيه رَجُلٌ إن حَضَرَ وصار إمامًا: أُقيمت الجماعةُ، وإنْ لم يحضُرْ: تفرَّقَ الناسُ: فالأفضلُ لهذا الرَّجُلِ أنْ يصلِّيَ في هذا المسجدِ مِن أجلِ عِمارته؛ لأنَّه لو لم يحضُرْ لتعطَّلَ المسجدُ، وتعطيلُ المساجدِ لا ينبغي، فصلاةُ هذا الرَّجُلِ في هذا المسجد: أفضلُ مِن صلاتِهِ في مسجدٍ أكثرَ جماعةٍ.

لكن ينبغي أن يقيَّد هذا بشرطٍ، وهو أن لا يكون المسجدُ قريبًا مِن المسجدِ الأكثرِ جماعةً، فقد يُقال: إنَّ الأفضلَ أن يجتمعَ المسلمون في مسجدٍ واحدٍ، وأنَّ هذا أَولى مِن التفرُّق، فإذا قُدِّرَ أن هذا مسجدٌ قديمٌ ينتابه خمسةٌ، أو عشرةٌ من الناسِ، وحولَه مسجدٌ يجتمعُ فيه جمعٌ كثيرٌ، ولا يشقُّ على أهلِ المسجدِ القديمِ أنْ يتقدَّموا إلى المسجدِ الآخرِ، فرُبَّما يُقال: إنَّ الأفضلَ أن ينضمُّوا إلى المسجدِ الآخر، وأن يجتمعوا فيه؛ لأنَّه كلَّما كَثُرَ الجمعُ: كان أفضل.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 4 / 150 ).

 

والله أعلم.

 

له مشاركات نافعة في الإنترنت وينظر أحيانا لمحرمات فهل يبقى فيه أم يخرج؟

له مشاركات نافعة في الإنترنت وينظر أحيانا لمحرمات فهل يبقى فيه أم يخرج؟

هل ترك الشبكة أولى أم معالجة الذنب أولى؟؟؟

السؤال:

أولًا: جزاكم الله خيرًا على ما تبذلونه لنصرة الدين، وخدمة الإسلام، والمسلمين.

ثانيًا: أنا طويلب علم، لي أنشطة دعوية لا بأس بها على الشبكة العنكبوتية، مشرف في إحدى المنتديات الطبية الإسلامية، لكني أزل أحياناً في خضم بحثي بالشبكة برؤية ما يحرم، وكلما تبت إلى الله عدت إلى هذا الذنب.

سؤالي: هل الأفضل الإقلاع تمامًا عن الشبكة العنكبوتية، وتركها، مع ترك الخير الذي أقدمه في هذه الشبكة، أم الأفضل علاج نفسي، وعلاج قلبي، ومحاولة الإقلاع عن الذنب كليةً؟ فأنا محتار بين الأمرين.

 

الجواب:

الحمد لله

ليس في الأمر حيرة يا أخانا السائل، فأنت تعلم أن النصح لك بترك الشبكة العنكبوتية لن يكون هو نهاية الأمر عندك في النظر إلى المحرمات، فثمة الفضائيات، وثمة المجلات، نعم، يمكن أن تجد في ” الإنترنت ” ما لا تجده فيما ذُكر، لكن كلامنا على أصل فعلك للمعصية، وأن إغلاق طريقٍ عليك ليس إغلاقاً لفعل المعصية خارجه، خاصة وأنك قد تجد في ” الإنترنت ” ما يقوي إيمانك، ويزيد في علمك، وينفع كثيرًا من الناس.

لذا فإن الواجب الذي لا خيار لك فيه: هو علاج نفسك من فعل معصية النظر المحرَّم حيثما كانت الصورة، والمشهد.

وأما بخصوص بقائك داخل الشبكة العنكبوتية أو لا: فإن في ذلك تفصيلًا:

أ. إن كنتَ تعتقد – أو يغلب على ظنك – ترك معصية النظر المحرَّم بالكلية بخروجك من الشبكة: فاقطع علاقتك بها، حتى تحصِّن نفسك، وتعالجها، وتعلم أنه لن يكون لك فيها إلا مساهمات الخير.

ب. وإن كنت تعتقد –  أو يغلب على ظنك – أنك لن تترك معصية النظر المحرَّم، وأنك ستنشغل بمتابعة التافه من برامج الفضائيات، والنظر في الصحف، والمجلات، أو أنك ستتابع الشبكة من المقاهي: فالنصيحة لك أن تبقى داخل الشبكة، على أن تجاهد نفسك حق الجهاد أن تبتعد عن كل محرَّم يشاهد، ويُسمع، وفي اعتقادنا أنك لو تحصر نفسك في متابعة مواقع معينة نافعة، علمية، وأخبارية، وتحصر نفسك في الالتزام بمواعيد محددة في غرف صوتية في ” البال توك ” تقدِّم فيها النافع المفيد، وتستمع لما فيه زيادة في علمك وإيمانك: في اعتقادنا أنك لن تجد الوقت الذي تنتقل فيه إلى الضار، السيء، المحرَّم، من المواقع.

وانظر أخي السائل إلى مثال قريب: وهو الفضائيات الإسلامية، فإن عددها دون الثلاثين، ومع ذلك لا يجد المسلم المتفرغ وقتًا ليشاهد غيرها، فقد أشغلته عن متابعة غيرها، بل وأحيانًا يود أن يشاهد أكثر من قناة في آنٍ واحدٍ، وقد شغلتْ كثرتُها كثيرين عن مجرد النظر في غيرها، وخاصة مَن صنَع لنفسه برنامجا للاستفادة منها، بطلب علم، أو مشاهدة ما هو نافع من البرامج الوثائقية، والمناظر الطبيعية، ولو تأملت في المواقع النافعة المفيدة في الشبكة العنكبوتية: لرأيتها بالمئات، ولو عمِّرت عمر نوح عليه السلام فلن تستطيع مشاهدة وسماع موادها كاملة، فأين الوقت الذي تجده يا طالب العلم لتصرفه فيما حرَّم الله عليك؟!.

فبادر فورًا إلى التوبة الصادقة من كل ذنبٍ فعلتَه، واندم على ما فرَّطت في جنب الله، واعقد العزم على عدم العوْد لتلك الذنوب، وأقبل على الله بقلبٍ سليم طاهر، واسأله التوفيق، والسداد، وتطهير جوارحك من الحرام، واشكر نعَم الله عليك بتصريفها فيما يحب ربك ويرضاه منك.

 

والله أعلم.

 

 

” معركة الجَمَل “، أسبابها، حقيقتها، نتائجها، وموقف المسلم منها

” معركة الجَمَل “، أسبابها، حقيقتها، نتائجها، وموقف المسلم منها

السؤال:

أخبروني عن سبب القتال بين السيدة عائشة رضي الله عنها وبين الإمام علي رضي الله عنه.

 

الجواب:

الحمد لله

  1. في عام 35 هـ بدأ اليهودي الذي أظهر إسلامه ” عبد الله بن سبأ ” في إحداث فتنة في المسلمين، في تأليبهم على خليفتهم ” عثمان بن عفان ” رضي الله عنه، حتى نجح في العراق، ومصر، فقام أتباعه من الخوارج بمحاصرة الخليفة الراشد الصابر، ثم اجتمعوا على قتله، وهو ابن ثمانين عامًا، وكان رحمه الله عند قتله يتلو كتاب الله تعالى، وكان ذلك في ذي الحجة من عام 35 هـ.
  2. اجتمع الناس بعد ذلك على مبايعة علي بن أبي طالب رضي اله عنه أميرًا للمؤمنين، وامتنع معاوية رضي الله، ومعه أهل الشام، من مبايعة علي رضي الله عنه، قبل أن يُقتص من قَتَلة عثمان رضي الله عنه، وكان علي رضي الله عنه يرى أن توحيد المسلمين تحت قيادة واحدة مقدمًا على غيره، مع عدم تضييعه للقصاص من قتلة عثمان، والقصاص لا يأتي إلا من دولة قوية مجتمعة على كلمة واحدة، لا من دولة ضعيفة متفرقة على حاكمها.
  3. وكانت عائشة رضي الله عنها في ذلك الوقت في ” مكة ” حاجَّة، فبقيت فيها مع أمهات المؤمنين؛ انتظارًا لجلاء الفتنة في المدينة والتي ازدادت بعد قتل عثمان رضي الله عنه، وكان قد ذهب إلى مكة بعد موسم الحج معتمرًا: طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، رضي الله عنهما، وكلاهما كان قد بايع عليًّا في المدينة، فتشاوروا مع عائشة على الخروج للإصلاح، فخرجوا إلى ” البصرة “، ولم يكن خروجهم رضي الله عنهم للقتال، بل كان من أجل الإصلاح بين الفريقين – علي ومن معه، ومعاوية وأهل الشام – وذلك بالقصاص من قتلة عثمان والذين يوجد أكثرهم في ” البصرة “، فساروا بقيادة عائشة، وكانوا نحو ثلاثة آلاف، ولم يشاركها في الخروج أمهات المؤمنين، ولا طائفة من الصحابة كابن عمر، رضي الله عن الجميع.
  4. خرج إلى هؤلاء الصحابة الأجلاء ومن معهم ليقاتلهم: ” جَبَلة بن عمرو ” – وهو من الذين شاركوا في قتل عثمان – مع جماعة من أتباعه، فهزموا شرَّ هزيمة، وانضم جماعات إلى جيش طلحة والزبير، حتى صار عددهم قريبا من ستة آلاف.
  5. استنفر علي رضي الله عنه أهلَ الكوفة، فنفروا معه، فخرج من المدينة ومعه ستمائة رجل، وكان ذلك ليتجه بهم إلى الشام، فالتقى مع أهل الكوفة في ” ذي قار ” في العراق، فلما سمع بالقتال مع أهل البصرة: خرج لمقاتلة طلحة والزبير ومن معهم، فسار بمن معه حتى وصلوا قرب البصرة، فالتقوا جميعاً مع فريق طلحة والزبير، ومعهما عائشة رضي الله عن الجميع، وبه يُعلم أن طلحة والزبير لم يقصدا قتال علي رضي الله عنه، ولا الخروج عليه ولو أرادوا ذلك لتوجهوا إلى المدينة، لا إلى البصرة.
  6. خاف الخوارج على أنفسهم من اتفاق الفريقين عليهم، والقصاص منهم، فعمدوا إلى الفتنة بينهم، حتى نجحوا في إثارة الحرب بين الفريقين، دون أن يقصدها واحد من الصحابة.
  7. وحصل بينهما قتال، وسميت ” وقعة الجَمَل ” نسبة للجمل الذي كانت تركبه عائشة رضي الله عنها في هودجها عليه، وكان هو رمز المعركة؛ لاستبسال الناس في الدفاع عن عائشة وهي فيه، ولذلك توقفت المعركة بمجرد سقوطه، وكانت عائشة رضي الله عنها قد جاءت أرض المعركة بجمَلها لإيقاف القتال، ولعلهم أن يقدروا أمهم، وزوجة نبيهم، ولكنَّ الخوارج وأهل الفتنة أبوا ذلك، بل رشقوا جملها بالنبال والسهام بغية قتلها! وكانت تلك الوقعة في جمادى الآخرة، سنة 36 هـ.
  8. قُتل في تلك الوقعة: حوالي المائتين من الفريقين، أو أقل، وسبب ذلك:

أ. أن المعركة استمرت ما بين الظهر والمغرب فقط.

ب. طبيعة المعركة كانت دفاعية، لا هجومية.

ج. تعظيم حرمة الدم التي رسخت في أولئك الكبار، وما حصل فقد كانت بفتنة الخوارج.

  1. وكان طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام رضي الله عنهما ممن قُتل في هذه المعركة، ولم يكونا مشاركيْن في القتال، بل قتل طلحة بسهم غير مقصود، وقتل الزبير غدْرًا، فبكى علي رضي الله عنه لمَّا رأى طلحة مقتولًا، وبشَّر قاتل الزبير بالنار! ولم يأذن له بالدخول عليه.
  2. ثم التقى علي وعائشة رضي الله عنهما، واعتذر كل واحدٍ منهما للآخر.
  3. جهَّز علي رضي الله عنه عائشة رضي الله عنها إلى المدينة، وأرسل معها أربعين امرأة من النساء، معزَّزة، مكرَّمة.
  4. كانت عائشة قد همَّت بالرجوع أثناء مسيرها للإصلاح، وذلك لحديث سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم، لكنها غُلبت على الاستمرار، وكان سبب الإصلاح بين المسلمين قد غلب عليها، مع إقناع بعض الصحابة لها بالاستمرار .

عن قيس بن أبي حازم قال: لمَّا أقبلتْ عائشة رضي الله عنها بلغت مياه ” بني عامر ” ليلًا: نبحتْ الكلابُ، قالت: أيُّ ماءٍ هذا؟ قالوا: ماء ” الحوأب ” – ماء قريب من البصرة، على طريق مكة -، قالت: ما أظنني إلا أنَّني راجعة، فقال بعضُ من كان معها: ” بل تَقْدُمين فيراكِ المسلمون فيصلح الله ذات بينهم “، قالت: إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها ذات يومٍ: ( كَيْفَ بِإِحْدَاكُنَّ تَنْبَحُ عَلَيْهَا كِلاَبُ الحَوْأب؟ ).

* قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني – رحمه الله -:

وجملة القول: أنَّ الحديثَ صحيحُ الإسناد، ولا إشكالَ في متنه، خلافاً لظنِّ الأستاذ الأفغاني، فإنَّ غايةَ ما فيه: أنَّ عائشةَ رضي الله عنها لمَّا علمت بـ ” الحوأب”: كان عليها أنْ ترجع، والحديث يدل على أنَّها لم ترجع، وهذا مما لا يليق أنْ ينسب لأمِّ المؤمنين.

وجوابنا على ذلك: أنَّه ليس كلُّ ما يقع مِن الكُمَّل يكون لائقاً بهم، إذ المعصوم من عصمه الله، والسنيُّ لا ينبغي له أنْ يغالي فيمن يحترمه حتى يرفعه إلى مصافِّ الأئمة الشيعة المعصومين عندهم، ولا نشك أنَّ خروجَ أمِّ المؤمنين كان خطأً مِن أصله، ولذلك همّتْ بالرجوع حين علمتْ بتحقُّقِ نبوءةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عند ” الحوأب “، لكن الزبير رضي الله عنه أقنعها بترك الرجوع بقوله: ” عسى الله أنْ يصلح بك النَّاس “، ولا نشك أنَّه كان مخطئاً في ذلك أيضًا، والعقل يقطع بأنَّه لا مناص مِن القول بتخطئة إحدى الطائفتين المتقاتلتين اللتين وقع فيهما مئات القتلى، ولا شك أنَّ عائشةَ رضي الله عنها هي المخطئة لأسبابٍ كثيرةٍ، وأدلةٍ واضحةٍ، ومنها: ندمها على خروجها، وذلك هو اللائق بفضلها وكمالها، وذلك مما يدل على أنَّ خطأها مِن الخطأ المغفور، بل: المأجور.

” السلسلة الصحية ” ( الحديث رقم 474 ).

  1. ندمت عائشة رضي الله عنها أشد الندم على خروجها ذاك، وهو يدل على متانة دينها ، وفضلها، رضي الله عنها.

أ.*  قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فإنَّ عائشة لم تقاتِل، ولم تخرج لقتال، وإنما خرجتْ لقصد الإصلاح بين المسلمين، وظنَّتْ أنَّ في خروجها مصلحةً للمسلمين، ثم تبيَّن لها فيما بعد أنَّ ترك الخروج كان أولى، فكانتْ إذا ذكرتْ خروجَها تبكي حتى تبل خمارها، وهكذا عامة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة، والزبير، وعلي، رضي الله عنهم أجمعين، ولم يكن ” يوم الجمل ” لهؤلاء قصد في الاقتتال، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم. ” منهاج السنة ” ( 4 / 316 ).

ب. * وقال الذهبي – رحمه الله -:

ولا ريب أن عائشة ندمت ندامةً كليَّةً على مسيرها إلى البصرة، وحضورهما يوم الجمل، وما ظنت أن الأمر يبلغ ما بلغ.

” سير أعلام النبلاء ” ( 2 / 177 ).

 

 

 

 

ج. * وقال – رحمه الله -:

عن قيس قال: قالت عائشةُ – وكانت تُحدِّث نفسَها أنْ تُدفن في بيتها – فقالتْ: إني أحدثتُ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حدَثًا، ادفنوني مع أزواجه، فدُفنتْ بالبقيع رضي الله عنها.

* قلت – أي: الذهبي -:

تعني بالحدَث: مسيرها ” يوم الجمل “؛ فإنَّها ندمتْ ندامةً كليةً، وتابتْ من ذلك، على أنَّها ما فعلتْ ذلك إلا متأوِّلةً، قاصدةً للخير، كما اجتهد طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وجماعةٌ من الكبار، رضي الله عن الجميع.

” سير أعلام النبلاء ” ( 2 / 193 ).

د. * وقال الزيلعي – رحمه الله -:

وقد أظهرتْ عائشةُ الندمَ ، كما أخرجه ابن عبد البر في كتاب ” الاستيعاب: عن ابن أبي عتيق – وهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق – قال: قالت عائشة لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن، ما منعك أنْ تنهاني عن مسيري؟ قال: ” رأيتُ رجلاً غلب عليكِ – يعني: ابن الزبير – ” فقالتْ: ” أما والله لو نَهيتَني ما خرجتُ “. ” نصب الراية ” ( 4 / 69 ، 70 ).

  1. هذا باختصار ما حصل في أسباب تلك الوقعة، وما حصل أثناءها، وبعدها، وكل ما سبق ذِكره من تأول عائشة رضي الله في الخروج، ومن نيتها في الإصلاح، ومن همها بالرجوع، ومن ندمها وبكائها على ما حصل: يدل على الحقيقة لتلك المرأة العظيمة، والتي يحق لمثلها التأول، وكيف لا وهي الفقيهة معلمة الرجال؟!.
  2. وينبغي أن يُعلم أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكونوا طرفًا في تلك الوقعة، وإنما كان الخوارج هو من افتعل تلك الحرب، وأجج نارها، وما حصل بين الفريقين لم يكن إلا مناوشة، ولم تكن حربًا.

 

ونسأل الله أن يطهِّر ألسنتنا من الوقيعة بالصحابة الأجلاء، كما طهَّر أيدينا من المشاركة فيها، ونسأله تعالى أن يُعظم الأجر للمصيب، وأن يعفو عن المخطئ.

 

والله أعلم.