الرئيسية بلوق الصفحة 64

هل يجوز وعظ وتدريس المصلين كل يوم؟ وهل يكون ذلك بعد الصلاة مباشرة؟

هل يجوز وعظ وتدريس المصلين كل يوم؟ وهل يكون ذلك بعد الصلاة مباشرة؟

السؤال:

هل الموعظة، أو الدرس مباشرة بعد الصلاة من فِعل النبي صلى الله عليه وسلم؟ وأتحدث خصوصا بعد صلاة العصر.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن من أفضل أعمال العبد عند الله تعالى: نشر العلم بين الناس, وتبليغ الدين.

قال تعالى: ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) فصلت/ 33.

وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:  ( نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثاً فَحَفِظَهُ حتَّى يُبَلِّغَهُ ).

رواه الترمذي ( 2656 ) وحسَّنه، وأبو داود ( 3660 ) وابن ماجه ( 230 ).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَ مِمَّا يَلْحِق المؤمن من عمله، وحسناته بعد موته، علمًا عَلِمَهُ وَنَشَره ).

رواه ابن ماجه ( 242 ) وحسَّنه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

 

ثانيًا:

وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعظ أصحابه أحيانًا بعد الصلوات.

عن أبي زيد عمرو بن أخطب قال: صلَّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلَّى ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان، وبما هو كائن، فأعلمُنا أحفظُنا. رواه مسلم ( 2892 ).

فأصل نشر العلم الشرعي مشروع, وأصل إعطاء الدرس بعد الصلاة مشروع، كما في الحديث السابق، لكن ينبغي التفريق بين الدرس، والموعظة، أما الدرس الخفيف اليسير لعامة الناس: فلا بأس به، ولو كان كل يوم، فلو قُرأ في الدرس حديثان من ” رياض الصالحين “، أو تليت آية، وذُكر تفسيرها: لما كان مخالفًا للسنَّة، ولا لهدي العلماء الربانيين، وإن كان الدرس أطول وقتًا: فليكن ثلاث مرات في الأسبوع في حده الأعلى: كان أفضل، والسآمة كما تحدث في الموعظة:فإنها تحدث في الدرس كذلك، وهذه وصية الصحابي الجليل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، فقد روى عنه البخاري ( 5978 ) قولَه: ” حَدِّثْ النَّاسَ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّةً ، فَإِنْ أَبَيْتَ: فَمَرَّتَيْنِ، فَإِنْ أَكْثَرْتَ: فَثَلَاثَ مِرَارٍ، وَلَا تُمِلَّ النَّاسَ هَذَا الْقُرْآنَ، وَلَا أُلْفِيَنَّكَ تَأْتِي الْقَوْمَ وَهُمْ فِي حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ فَتَقُصُّ عَلَيْهِمْ فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ فَتُمِلُّهُمْ، وَلَكِنْ أَنْصِتْ فَإِذَا أَمَرُوكَ فَحَدِّثْهُمْ وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ “. انتهى.

وأما الموعظة: فإن الأفضل أن لا تكون كلَّ يوم؛ خشية السآمة، وتقدير ذلك يرجع إلى الواعظ، وهو فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه.

عن أبي وائل قال: كان عبد الله بن مسعود يذكِّر الناس في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن لوددتُ أنك ذكَّرتنا كل يوم؟ قال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أُملَّكم,  وإني أخولكم بالموعظة، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بها؛ مخافة السآمة علينا. رواه البخاري ( 70 ) ومسلم ( 2821 ).

– ( أُملُّكم ) أي: أوقعكم في الملل.

– ( يتخولنا ) أي: يتعاهدنا.

* قال النووي – رحمه الله -:

وفي هذا الحديث: الاقتصاد في الموعظة؛ لئلا تملها القلوب، فيفوت مقصودها. ” شرح مسلم ” ( 17 / 164 ).

 

ثالثًا:

وإذا كان درس، أو حصلت موعظة، بعد الصلاة، فهل تكون مباشرة بعد التسليم منها، أم ينتظر حتى ينتهي المسبوق، ويتم المصلون أذكارهم؟ والذي نراه في ذلك: التفصيل:

فإن كان الدرس ثابتًا في موعد محدد: فالأفضل أن ينتظر بالناس حتى ينتهوا من أذكارهم، وينتهي المسبوقون من صلاتهم.

وإن كانت الموعظة طارئة، كتنبيه الناس على حدث فيه صلاح لقلوبهم، أو احتاج المعلم لتنبيههم على خطأ يتعلق بصلاتهم، أو كان ثمة ضيف من الدعاة، أو العلماء يريد مخاطبة الناس ووعظهم، وتعليمهم: فنرى أنه لا مانع من البدء بالوعظ والتعليم عقيب الصلاة مباشرة، وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم فيما نراه.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَلَمَّا صَلَّى أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: ( إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَرَقَدُوا وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمْ الصَّلَاةَ ).

رواه البخاري ( 811 ) ومسلم ( 640 ).

وعَنْ أَنَسٍ – أيضاً – قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمَّا قَضَى الصَّلاَةَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: ( أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي إِمَامُكُمْ فَلاَ تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلاَ بِالسُّجُودِ وَلاَ بِالْقِيَامِ وَلاَ بِالاِنْصِرَافِ فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي وَمِنْ خَلْفِي ) ثُمَّ قَالَ: ( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ) قَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: ( رَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ ) .  رواه مسلم ( 426 ).

 

ولا فرق فيما قلناه من كون الدرس والموعظة بعد العصر، أو بعد الفجر، فالإمام يراعي اختيار الوقت المناسب بحسب أعمال المصلين، ووظائفهم، وعدد حضورهم.

 

والله أعلم.

 

بلدها يجبرها على خلع حجاب الرأس في صورة الجواز فهل تفعل ذلك من أجل الحج؟

بلدها يجبرها على خلع حجاب الرأس في صورة الجواز فهل تفعل ذلك من أجل الحج؟

السؤال:

أنا أقيم بـ ” تونس “، وأريد الذهاب إلى الحج، ولكن في بلدنا يحتّمون علينا إعطاء الصور الشخصية بدون حجاب! ولا يقبلون غير ذلك، فماذا أفعل يا شيخي، مع العلم أني أتوق لزيارة بيت الله؟!.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

نسأل الله تعالى أن يفرِّج كرب المسلمين حيثما كانوا، وإنه ليؤلم القلب مثل هذا السؤال، وقد وصلت محاربة الشرع إلى هذا الحد، وفي الوقت الذي نرى هؤلاء -وأشباههم – ينادون بالديمقراطية، والحرية: نراهم يضيّقون على المسلمات في ستر رؤوسهن بالحجاب الذي أوجبه الله تعالى عليهن، فلا هم استجابوا لحكم الإسلام، وعملوا بأحكامه، ولا هم اتبعوا الغرب في السماح للمرأة بأن تغطي رأسها في صورتها الشخصية، فالمرأة عندهم حرَّة في أن تخلع ما تشاء من ثياب، وليست حرّة أن تلبس ما تشاء! فالله المستعان، ونسأل الله تعالى أن يغيّر الحال إلى ما هو أحسن منه، وليتب إلى الله تعالى كل من شرَّع هذا الباطل، ورضي به، ودافع عنه، وعاقب مخالفه، وليتفكروا جميعًا في قوله تعالى: ( وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) الكهف/ 49.

 

ثانيًا:

الحج ركن عظيم من أركان الإسلام, قال تعالى: ( وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ) آل عمران/ 97.

ومن الطبيعي أن تتوق نفسك لزيارة بيت الله الحرام؛ فإن مكان أداء فريضة الحج مما تهوى إليه القلوب، وقال: ( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) إبراهيم/ 37.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

ومضمون ما فسر به هؤلاء الأئمة – أي: مجاهد، وعطاء، والسدّي، وقتادة، والربيع بن أنس – هذه الآية: أن الله تعالى يذكر شرف البيت، وما جعله موصوفًا به شرعًا، وقدرًا، من كونه مثابة للناس، أي: جعله مَحَلًّا تشتاق إليه الأرواح، وتحن إليه، ولا تقضي منه وطرًا، ولو ترددَت إليه كلَّ عام، استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم عليه السلام، في قوله: ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ).

” تفسير ابن كثير ” ( 1 / 413 ).

ولكن هذه الفريضة لا تجب إلى إلا على القادر المستطيع، كما قال تعالى: (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا ) آل عمران/ 97، ولا شك أن وجوب هذه الفريضة لا تجيز للمرأة أن تتصور بدون حجاب لاستخراج جواز سفر، أو إبراز وثائق شخصية؛ وهي في ذلك في حكم غير المستطيع، فلا يجوز لها أن ترتكب معصية التبرج، وإظهار العورة لهذا السبب، وهي في ذلك معذورة شرعًا، وعليها أن تتمسك بحجابها، ولا تتنازل عنه، مهما كان السبب، والله تعالى سيجعل بعد العسر يُسرًا، وبعد الشدة رخاء.

وأنت معه كونك معذورة في ذلك: فإن لك مثل أجر الحاج – إن شاء الله – الذي تكبد مشقة السفر، والنفقة، وغير ذلك.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَدَنَا مِنْ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: ( إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلا كَانُوا مَعَكُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ قَالَ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ ).

رواه البخاري ( 4161 ).

* وفي رواية لمسلم ( 1911 ) من حديث جابر: ( إلاَّ شَرَكُوكُم في الأَجْر ).

* وقال بعض السلف: إن أقوامًا يدركون بنياتهم ما لا يدركون بأعمالهم.

– وفقك الله، وزادك هدى، وسترًا، وعفافًا، ويسَّر لك الحج على خير.

 

والله أعلم.

 

 

 

يتحرش بها والدها مستدلا بحديث ( أنت ومالك لأبيك )! فماذا تصنع معه؟

يتحرش بها والدها مستدلا بحديث ( أنت ومالك لأبيك )! فماذا تصنع معه؟

السؤال:     

لي أب يعاكسني! كما لو كنت بنت عاهرة من الشارع! علمًا بأنه مريض, وتكفلت بمصاريف علاجه الباهظ عسى أن تتغير تصرفاته معي، لكن الحال بقي كما هو، ويقول لي: ” أنت ومالك لأبيك “! فكرتُ أن أهجر البيت خوفًا على عرضي، لكن إلى أين أذهب؟! وأمِّي لا تحس بي, وتميز إخوتي عليَّ، وهم بدورهم يغارون مني, ويؤثِّرون عليها؛ لا أحد منهم يكلمني، أثَّر هذا على نفسيتي, وأنا مريضة, وعصبيَّة جدًّا, أقرأ في القرآن ( وَبِالوَالِدَيْنِ إِحْسَاناَ )، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم بر الوالدين واجب حتى ولو ظلما, أحاول برَّهم، وأجد لهم أعذارًا.

ما يحصل لأبي هو مرض نفسي، وأمي لم تتعلم، ولا تعرف كيف تتصرف في هذه الحالات، أحضر الهدايا، والأكل, لكن كل ما فعلت شيئاً صالحًا يقلبوه، ويسبوني به، أنا إنسانة ضعيفة الإيمان, أحاول التهرب من ظلمهم، حين أعود من العمل: ألزم الفراش، حتى إذا أردت الذهاب إلى المطبخ أتأكد من أن أبي ليس هناك كي أتجنب نظراته لي! علمًا أنه يصلي، هو مَن علمني الصلاة، أنا لست جميلة، حتى جسمي ضعيف ليس فاتنًا، أعرف أنه ابتلاء, أريد مرضاة ربي، أنا لست صبورة؛ أبكي، وأصيح، أحس في داخلي بركانًا.

علِّموني الصبر؛ كي لا أخسر الدنيا، والآخرة.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن ما يفعله والدك معكِ من المعاكسة والتحرش: من أكبر الآثام عند الله، وهو ذنب يستحق عليه العقوبة في الدنيا، والعذاب في الآخرة؛ وإن من الخطأ أنكِ لم تخبري أحدًا من أهلكِ ليوقفوا هذا الفعل من أبيكِ، فسكوتك مؤداه التمادي، والله المستعان.

           فالنصيحة: أن تلجئي إلى الله بالدعاء أن يهدي والدك، وأن يشفيه، ثم بعد ذلك لا بد من إخبار الأهل عن صنيع الوالد، ويجب عدم السكوت عن فعله؛ حتى لا يتكرر فعله معك، أو مع غيرك من إخوتك, ويجب عليك خلال ذلك: المحافظة على الحجاب الشرعي الكامل، أو الستر قدر الإمكان؛ فإنَّ كثيرًا من حالات التحرش بين المحارم يكون سببها التساهل في كشف العورات أمامهم، فتجد الفتاة تلبس اللباس الضيق جدًّا، وتكشف ساقيها، وذراعيها، وأكثر من ذلك، بدعوى أنها تجلس مع محارمها، أو أهلها، وهي لا تدري أن الشيطان يسول للنفس كل محرَّم، وأن المحرَم قد يفتن بما يراه من محاسن محارمه، وخاصة كما ذكرتِ أنه مصاب بمرض نفسي.

وكذلك يجب عليك الحرص على عدم الخلوة معه؛ فإن من شأن الخلوة أن تجرأ والدك على فعل الحرام، لا قدَّر الله.

 

ثانيًا:

وإن من أعظم الأعمال الصالحة، وأحبها إلى الله: برُّ الوالدين, ولا يمكن لأحد أن يجزي والديه على ما قدموه من رعاية، وتربية.

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( لاَ يَجْزِى وَلَدٌ وَالِدًا إِلاَّ أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ ). رواه مسلم ( 1510 ).

* قال النووي – رحمه الله -:

أي: لا يكافئه، بإحسانه، وقضاء حقه، إلا أن يعتقه.

” شرح مسلم ” ( 10 / 153 ).

 

ثالثًا:

ولا شك أن من أعظم النفقة أجورًا وثوابًا: نفقة الإنسان على أهله، من الوالدين، والإخوة، والأخوات، وإذا احتسبها المسلم: فله أجر عظيم.

عن أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا: الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ ). رواه مسلم ( 995 ).

وحقيقة الصلة للأقارب من الوالدين وغيرهما عدم انتظار الصلة من طرفهم، بل حتى لو قطعوها أن يصلها ه .

عن عبد الله بن عمرو عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا ).

رواه البخاري ( 5645 ).

فالمسلم لا ينتظر أجرًا، ولا ثوابًا إلا من الله، ولعل الله أن يرزقه، ويوسع عليه من خلال هذه النفقة إذا احتسبها, وأن يفرِّج كربه، وهمَّه بما يقدِّم.

* وإنما ذكرنا لكِ هذا، والذي قبله؛ لأمرين اثنين:

الأول: تثبيتك على ما تقدمينه من معروف، وصلة لأهلك.

والثاني: أن كل ما ذكرناه لا يعني بحال أن تبقي مع والدك إن كان بقاؤك معه يسبب لك فتنة في دينك، وتخافي على عرضك منه، بل يجب عليك قطع ذلك، إما بردعه بقوة حتى يرعوي، أو أن تغادري البيت إلى مكانٍ تأمنين فيه على نفسك، ولستِ بالصغيرة، ولا العاجزة، ولله الحمد، ولا يُفتى لك بالبقاء مع ذلك الوالد المريض إلا حيث تتأكدين أنه لن يتعرض لك بسوء، مع أخذ ما نصحناك به في الاعتبار، من اللباس، وعدم الخلوة معه.

رابعًا:

وأما حديث ( أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ ) فليس يراد به – والعياذ بالله – بدن الابن والابنة! أنه للوالد يفعل به ما يشاء! فهذه زندقة، وفهم منحرف، لا يقول به إلا أفَّاك، وإنما المراد به: الخدمة، والعناية، والرعاية، وحتى المال ليس للوالد كله، بل ليس له إلا ما يحتاج إليه، إن كان عند الولد فائض عن نفقته، ونفقة أهله، من زوجة، وأولاد.

 

خامسًا:

ربما تكون بعض الظروف التي يعيشها الإنسان، وما يصاحبها من غمٍّ، وهمٍّ: تُشعر الإنسان أن مَن حوله لا يكنُّون له المودة، والمحبة، أو لا يهتمون به, والحقيقة قد تكون غير ذلك، فلا يُتصور أن أمًّا لا تكنُّ محبةً لابنتها, وهي تراها ليل نهار تقوم بخدمتهم، وتلبي حاجاتهم، نعم، ربما يكون الحظ الأوفر من الحبِّ، والحنان، للصغار – مثلًا -, ولكن لا يعني ذلك بغضًا للأكبر، أو تخلٍّ عنه؛ وربما يكون السبب في ذلك: انطواءٌ من الإنسان على نفسه, وصاحَبَ ذلك عدم رفق, وسرعة غضب، كما ذكرت السائلة عن نفسها، وهو لعله ما جعل الآخرين يتجنبون الحديث معك؛ خوفًا من غضبك، أو من الاصطدام معك، وهذا معلوم بالتجربة.

والنصيحة للأخت:

أن تغيِّر من نمط حياتها, وأن تتخلى عن انطوائها، وعصبيتها, وأن تبادر هي الحديث مع إخوتها, وأن تجرب أسلوب الملاطفة، والود؛ وسوف ترى ما يكنُّه لها الأهل، من الأم، والإخوة، من حبٍّ، وحنان, وليس العلاج في ذلك: بالهرب، والانطواء، بل بالصبر، والإحسان؛ والود، والملاطفة.

وعليكِ الاستعانة قبل ذلك كله بالله تعالى ربك، بالدعاء، والإنابة، والعمل الصالح، وخاصة: الصلاة، قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) البقرة/ 156.

 

سادسًا:

وأما الصبر وما يعين عليه: فقد أمرك الله تعالى – كما سبق في الآية – بالاستعانة به؛ لما فيه من الأجور العظيمة، ولما فيه من منع المسلم من التعدي على شرع الله، ومن القيام بما أوجبه الله عليه.

كما نوصيك أن تتفكري في حقيقة هذه الدنيا, وأنها دار ابتلاء، واختبار، قال الله تعالى: ( الم . أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) العنكبوت/ 1 – 3.

واعلمي أن الصبر يمكن تحصيله بتعويد النفس عليه، ولو علم المسلم ما للصبر من أجور: لجاهد نفسه حتى يكون من الصابرين.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قال رسول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ ).

رواه البخاري ( 1469 ) ومسلم ( 1053 ).

وعَنْ صُهَيْبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ).

رواه مسلم ( 2999 ).

ونوصيك بالتأمل في قصص الصابرين من الأنبياء، والصالحين؛ ففيها إعانة على الصبر.

 

سابعًا:

واعلمي أن حقيقة الجمال هو جمال الروح، وليس جمال الجسد, والله تعالى لا ينظر يوم القيامة لصور الخلق، ولا لأجسادهم، بل لقلوبهم، وأعمالهم، فهنا الميزان، وبهما يكون الثواب، والعقاب.

عَنْ أَبي هُرَيرَة رَضِي الله عنه قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلاَ إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وأَعْمَالِكُم ).

رواه مسلم ( 2564 ).

فالجمال الحقيقي: في كرم الأخلاق، والأفعال الحسان، وفي طاعة الرحمن.

فالنصيحة للأخت:

أن تستعين بالله، ولا تعجز, وأن تعمل على حل مشكلتها مع أبيها بأن تخبر أهلها بذلك, وأن تستعن بأولي الأحلام والرشد من أهلها، وأن تصبر على أذى الأهل من الإخوة وغيرهم, وأن تغير من نمط حياتها من الانطواء والعزلة, وأن تحتسب أجر فعلها للخير من النفقة، وغير ذلك, وأن تبادرهم بالود والحنان، وإن حرموهما من ذلك, والعاقبة للمتقين.

 

والله أعلم.

 

 

 

 

 

هربت من أهلها لبلاد كافرة، وتعلقت بشاب كافر، وتركت الصلاة، وتبرجت، فماذا نقول لها؟

هربت من أهلها لبلاد كافرة، وتعلقت بشاب كافر، وتركت الصلاة، وتبرجت، فماذا نقول لها؟

السؤال:

أنا فتاة مشكلتي أني عاقة لوالديَّ، تسببت لهم في كثير من المتاعب، عندما بلغت من العمر 16 سنة أرسلنا أبي إلى ” السودان ” خوفًا عليَّ, وكنتُ أصلي، ومحجبة، وأصوم, ولكني في ” السودان ” لم أجد طموحاتي؛ فاتصلتُ بمدرِّستي اليهودية الأصل، فدبرتْ لي الهروب إلى ” كندا ” بتدخل الحكومة, وأهلي لا يدرون شيئًا, وعندما وصلت إلى ” كندا ” بدأت الاتهامات على أهلي, وقُدِّم أبي إلى المحكمة عدة مرات من جرَّاء ما كتبتُ في حقه، شيء من الحقيقة، وشيء من الكذب، فكانت حياتهم جحيمًا، وتعلقت بشابٍّ كافر! وتحديت به أهلي؛ لأن القانون معي، ورغم توسلات أبي، وأمي، والبحث عني في كل مكان: لم أهتم، فكان أبي تارة يدعو لي بالهداية, وتارة عندما يراني لا أعبءُ بكلامهم: يدعو, ويقول: أنت معك قوة الأرض, وأنا معي قوة السماء, وتسببتُ له في كثير من الآلام النفسية؛ لأني تركت الحجاب، وعريت جسمي، حتى أنه كان يبكى ويقول: موتك خير لي من حياتك بهذه الصورة, وعندما ضاقت به الحياة: باع ( محلَّه )، وترك المدينة إلى منطقة لا يعرفه فيها أحد, وتشتت الأسرة، ووعدت أمي أن تجلس معي إلى نهاية الدراسة,  وبعدها نلتحق بوالدي, ولكني لم أكن صادقة، بل كنت أرتب كيف أعيش مع هذا الشاب، وسافرت أمي وبقيت أنا مع هذا الشاب, ولم يكف أهلي عن نصحي ولكني لم أتغير؛ فكان والدي يقول: سيصيبك عذاب الله، وغضبه في الدنيا والآخرة, ولن توفقي في شيء طالما أغضبت الله، والوالدين, ولكن إلى الآن لم أر غضب الله عليَّ! مما جعلني أستمر فيما أنا فيه, ولذلك طلب مني أن أكتب لأهل العلم, وهم يبكون النهار، ويرفعون الأيدي ليلًا, ويقولون: ما في أيدينا إلَّا سهام الليل, وما أدرى ما تفيد سهام الليل! أريد حلًّا لمشكلتي، شيئًا محسوسًا، شيئًا ربما يجعلني أرى الحق حقًّا، والباطل باطلًا, وهل هم على حق أم هذه حياتي وأنا حرة؟.

أخيرًا: كل ما يزعجهم الآن علاقتي المحرمة مع هذا الشاب الذي يمنيني بالزواج، وأنا أريد أن أعلمه الإسلام! وما يزعجهم أيضا تركي للصلاة، وخلاعة ملابسي، وكشف رأسي، وعورتي، هم يرونه محرَّمًا, وأنا أراه هيِّنًا، فهل أجد من أهل العلم من يأخذ بيدي، ويشرح لي أخطائي، ويرشدني، ويوضح لي غضب الله بمعصيتي لله، وللوالدين؟ وهل حقًّا غضبهم هذا أراه بعد وفاتهم؟ أنا ضائعة ما بين حبي للكافر، وغضب الله، والوالدين.

 

 

 

الجواب:

الحمد لله

نعمة الهداية من أعظم النعم على الإنسان, فوالله الذي لا إله غيره مهما عاش الإنسان في ملذات الدنيا؛ من شهوات، ومتاع، من غير نعمة الهداية والإيمان: لهي حياة زائفة، ونعيم زائل، وسعادة وهمية؛ وإن لم يتدارك الإنسان أمره ويحاسب نفسه: لسوف يرى مغبة العصيان؛ فقد قال السلف الصالح مقولة عظيمة وهي: ” أبى الله إلا أن يذل من عصاه؛ أبى الله إلا أن يذل من عصاه ؛ أبى الله إلا أن يذل من عصاه؛ عاجلًا أم آجلًا “.

تقول السائلة عن عصيان رب الأرض والسماء، بالتبرج، والسفور، وعقوق الوالدين، وعلاقة محرمة مع شاب كافر لا يحل لها الزواج منه! وهروب عن الأهل، وسفر من غير محرَم، والتسبب لوالديها بالأذى، والذل، والإهانة، ورفع قضايا في المحاكم، وأعظم من ذلك كله: تركك للصلاة التي بها التحقت بركب الكفار! حيث إن تارك الصلاة ليس من المسلمين: تقول السائلة: إنها ترى كل ذلك هيِّنًا!! الله أكبر، كبرت هذه الكلمة والله، وعظمت أن ينطق بها لسان عرف الإسلام يومًا في حياته.

قفَّ شعر اللبيب، ودمعت عين القريب، والبعيد، من شدة قسوة القلوب، وجرأتها على حرمات الله، حتى تمنينا أن لو كانت تلك القلوب حجارة، فلعله تتسلسل منها الهداية من خلال شقوقها، أو لعلها تأتيها لحظة تخشى فيها ربها تعالى، لكنَّ الواقع أن تلك القلوب كانت أقسى من الحجارة، قال تعالى: ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) البقرة/ 74.

أي قلب هذا الذي يتكلم بلا مبالاة؟! وأي قلب سطر هذه الحروف؟! إنه جرٌّ للبلاء، وتعجيل للعقاب والعذاب، كحال أولئك الذين تعجلوا لأنفسهم الهلاك من كفار قريش، فقال تعالى عنهم: ( وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) الأنفال/ 32.

أتعلمين يا أمّة الله أن الله سمَّى نفسه ” الحليم “؟ يمهل عبده مرة، بعد مرة, وكرة بعد كرة؛ لكريم إحسانه، وعظيم لطفه؛ فإذا بلغ العذر مداه: أخذه أخذ عزيز مقتدر.

عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ الله لَيُمْلِي للظَّالِمِ حتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ ) قال: ثم قرأ ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) هود/ 102.

رواه البخاري ( 4409 ) ومسلم ( 2583 ).

وقال تعالى: ( وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ. مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ. وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَاب فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ ) إبراهيم/ 42، 43.

أتعلمين أن عقوق الوالدين من أعظم الذنوب، وعقابه معجل بالدنيا قبل الآخرة؟!.

عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ تَعَالَى لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِثْلُ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ ). رواه الترمذي ( 2511 ) وصححه، وأبو داود ( 4256 ) وابن ماجه ( 4211 ).

وأي قطيعة أعظم من عقوق الوالدين؟! وأي ظلم أعظم من ظلم الوالدين؟!.

ثم أي سعادة تزعمين أنك تعيشينها في البُعد عن حنان الوالدين، وأُنس الإخوة، والأخوات ، والعمات، والخالات، والأقرباء؟! ألا ترين عيشة البهائم في الدولة الكافرة التي سافرتِ إليها؟! هل رأيتِ عائلة تسير في الطريق؟ هل يعرف ذلك الشاب الكافر – الذي فتنتِ به – خالته، وعمته، بل وأمه؟ هل ترين روابط الأسرة كما هي في بلاد الإسلام؟! هل رأيتِ الأمان والاطمئنان في تلك البلاد التي لا يأمن أهلها على أنفسهم، فضلا عن الغريب فيها؟! ألا تشعرين بالخجل من نفسك بعرض زينتك وعورتك على الرجال الأجانب ليرونهما، ويتمتعون بالنظر إليهما؟! أيشعرك هذا بالفخر، والحرية؟ نود لو أنك تفكرين للحظة ما هو حكم أولئك الرجال عليك، وعلى أمثالك من النساء الكاسيات العاريات، لو تعلمين نظرة الدونية إليكم، والاحتقار، وأنكم سلع رخيصة: لعلمتم حاجتكم إلى العفَّة، والستر، والحياء، وهي التي تقطع طمع الطامعين فيك، وفي أمثالك، وهي التي تفرض احترامك عليهم.

وأي لذة في قضاء شهوة محرمة، تبيع فيه الحرة أعظم ما تملك، وهو عفتها، وشرفها وطهارتها، معلقة الآمال بالزواج؟! فوالله لا خير في لذة من بعدها النار.

تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها من الحرام *** ويبقى الإثم والعار

تبقى عواقب سوء من مغبتها  *** لا خير في لذة من بعدها النار

* ومع هذا كله:

نجد بصيص أمل هداية من خلال كلماتك؛ وتوبة ترتجينها تحاولين إخفاءها؛ وشعورًا بالذنب، والمعصية، والتقصير، تحاولين أن تخفيه، وأن تظهري عدم المبالاة؛ ولكن في صميم قلبك تودين الخلاص من هذه الحياة التي تعيشينها، ظاهرها السعادة, وباطنها الحسرة والكآبة؛ ونحن نعلم علم اليقين بهذا الباطن؛ لأننا نصدق بقول الله تعالى: ( وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ) طه/ من الآية 124.

 

* اسمعي أيتها السائلة:

لا تزال لديك فرصة لإصلاح ما فات، والتوبة مما كان، والله هو الغفار، التواب، قال تعالى: ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ  ) الزمر/ 53، وقال تعالى: ( إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ) الفرقان/ 68 – 70.

 

تعجلي الرجوع إلى الله، جربي لذة المناجاة، والوقوف بين يدي الوهاب، جربي ما يجده أهل الهداية من لذة، وسعادة، وراحة، وطمأنينة، جربي طهارة الإسلام التي أرادها الله لشقائق الرجال، من عفة، وستر.

 

أدخلي الفرحة إلى قلب والديك، كما أدخلت الألم، والقهر، والوجع؛ قبل أن يبقى ألم الحسرة يلاحقك إلى الممات، بل وبعد الممات.

 

ابحثي عن أسرة تكونين أحد أعمدتها بزوج يعرف قدرك؛ ويصون عفتك؛ ويغار عليك، وأولاد يملئون حياتك بالحب، والرأفة، والحنان.

 

عودي إلى ديارك حيث الأمن، والأمان؛ ومحبة الإسلام، وسماع الأذان, وإقامة الصلوات، وهذه نعم لا تقدر بأغلى الأثمان.

 

اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى، يا الله، يا حي يا قيوم: أن تصلح هذه السائلة، وأن ترد عنها كيد الشيطان؛ وأن ترجعها إلى أهلها, وأن تكتب لها السعادة، والأمان.

 

والله الموفق.

التوفيق بين قوله تعالى ( لا إكراه في الدِّين ) وحديث ( مَن بدَّل دينه فاقتلوه )

التوفيق بين قوله تعالى ( لا إكراه في الدِّين ) وحديث ( مَن بدَّل دينه فاقتلوه )

السؤال:

إنني ألاحظ أنه في إجابتكم على بعض الأسئلة فإنكم قد استشهدتم بهذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم والذي يقول فيه أنه ( إذا بدل المسلم دينه فاقتلوه )، ولكن هناك بعض المسلمين أخبروني بأن هذا الحديث لا يعد دليلا؛ لأنه يتعارض مع القرآن الذي يقول: ( لا إكراه في الدين )، فهل يتعارض الحديث مع الآية القرآنية؟.

 

الجواب:

الحمد لله

ليس ثمة تعارض بين نصوص الوحي، فما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم هو من عند الله تعالى، وإنما التعارض في ذهن من لم يفهم النصوص على وجهها المراد منها، وهنا يقول بعض العلماء ” ظاهرها التعارض “، وأما في الحقيقة والواقع: فلا يمكن لنصوص الوحي الثابتة أن تتعارض فيما بينها، ومن أجل ذلك الظاهر ألَّف العلماء كتب ” المشكل ” و ” المختلف “؛ لإزالة ذلك الظاهر عن ذهن من يرى ذلك فيها.

وبخصوص السؤال فإننا نقول: لا تعارض بين الآية الكريمة: ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) البقرة/ من الآية 256، وبين حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ بَدَّلَ دينَهُ فَاقْتُلُوهُ ) والذي رواه البخاري ( 6524 ) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

وبيان ذلك: أن الآية في الكافر لا يُكره على الدخول في الإسلام، والحديث في المسلم يُمنع من الخروج منه، فأين التعارض؟!.

ومما يدل على ذلك:

* ما جاء في سبب نزول الآية:

عن ابن عباس قال: كانت المرأة تكون مِقْلاتًا – لا يعيش لها ولد – فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوّده، فلما أجليت ” بنو النضير ” كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا: لا ندع أبناءنا، فأنزل الله عز وجل: ( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ ). رواه أبو داود ( 2682 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

وأما حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ بَدَّلَ دينَهُ فَاقْتُلُوهُ ): وأنه فيمن دَخل في الإسلام، أو كان مسلمًا في الأصل، فارتد عن الإسلام، فيُقتل لذلك إن استتيب فأصرَّ على كفره: فيبينه ما جاء في الرواية الأخرى، وهي قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَأَنِّي رَسُولُ الله إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، والثَّيّبُ الزَانِي، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفَارِقُ للجَمَاعَةِ ).

رواه البخاري ( 6878 ) ومسلم ( 1676 ).

* فعُلم من ذلك :

أنَّ أهل الكتاب – وغيرهم من الكفار -: لا يُكرهون على الدخول في الإسلام، وكيف يُكره أحد منهم والله تعالى يشترط الصدق، والإخلاص، فيمن ينطق بالشهادتين ليدخل في الإسلام؟! وأن المسلم لا يحل له الارتداد عن دينه، فإن أصرَّ استحق القتل ردَّة، فلا يُغسَّل، ولا يورَّث، ولا يُدفن في مقابر المسلمين.

وهذا التشريع العظيم فيه حماية للدين من عبث العابثين من أهل الكفر، والإلحاد، والذين يريدون اتخاذ هذا الدين هزوًا، ويريدون تشكيك الناس بصحته، وقد فُضح أمرهم في ذلك قديمًا حين قال الله تعالى عن بعضهم: ( وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) آل عمران/ 72.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله -:

هذا مِن منَّة الله على هذه الأمة، حيث أخبرهم بمكر أعدائهم من أهل الكتاب، وأنهم – من حرصهم على إضلال المؤمنين – ينوعون المكرات الخبيثة.

فقالت طائفة منهم: ( آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ ) أي: أوله، وارجعوا عن دينهم آخر النهار؛ فإنهم إذا رأوكم راجعين، وهم يعتقدون فيكم العلم: استرابوا بدينهم، وقالوا: لولا أنهم رأوا فيه ما لا يعجبهم، ولا يوافق الكتب السابقة: لم يرجعوا.

هذا مكرهم، والله تعالى هو الذي يهدي من يشاء، وهو الذي بيده الفضل، يختص به من يشاء، فخصكم – يا هذه الأمة – بما لم يخص به غيركم.

ولم يدر هؤلاء الماكرون أن دين الله حق، إذا وصلت حقيقته إلى القلوب: لم يزدد صاحبه – على طول المدى – إلا إيمانًا، ويقينًا.

ولم تزده الشبه إلا تمسكا بدينه، وحمدًا لله، وثناء عليه حيث من به عليه.

” تفسير السعدي ” ( ص 969 ).

* وهذا جواب جامع في المسألة للشيخ صالح الفوزان حفظه الله، فقد سئل:

ما مدى صحة الحديث القائل: ( مَن بدّلَ دينَه فاقتلوه )، وما معناه؟ وكيف نجمع بينه وبين قوله تعالى: ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) البقرة/ 256، وبين قوله تعالى: ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ) يونس/ 99، وبين الحديث القائل: ( أَمِرْتُ أن أقاتل الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل )، وهل يفهم أن اعتناق الدين بالاختيار لا بالإكراه؟.

 

 

فأجاب:

الحديث ( مَن بدّلَ دينه فاقتلوه ): حديث صحيح، رواه البخاري، وغيره من أهل السنَّة بهذا اللفظ: ( مَن بدل دينه فاقتلوه )، وأما الجمع بينه وبين ما ذُكر من الأدلة: فلا تعارض بين الأدلة، ولله الحمد؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم: ( من بدل دينه فاقتلوه ) في المرتد الذي يكفر بعد إسلامه، فيجب قتله بعد أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وأما قوله تعالى: ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ) البقرة/ 256، وقوله تعالى: ( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ ) يونس/ 99: فلا تعارض بين هذه الأدلة؛ لأن الدخول في الإسلام لا يمكن الإكراه عليه؛ لأنه شيء في القلب، واقتناع في القلب، ولا يمكن أن نتصرف في القلوب، وأن نجعلها مؤمنة، هذا بيد الله عز وجل، هو مقلب القلوب، وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، لكن واجبنا: الدعوة إلى الله عز وجل، والبيان، والجهاد في سبيل الله لمن عاند بعد أن عرف الحق، وعاند بعد معرفته، فهذا يجب علينا أن نجاهده، وأما أننا نكرهه على الدخول في الإسلام، ونجعل الإيمان في قلبه: هذا ليس لنا، وإنما هو راجع إلى الله سبحانه وتعالى، لكن نحن أولًا: ندعو إلى الله عز وجل بالحكمة والموعظة الحسنة، ونبيّن للناس هذا الدين، وثانيًا: نجاهد أهل العناد، وأهل الكفر، والجحود، حتى يكون الدين لله وحده عز وجل، حتى لا تكون فتنة.

أما المرتد: فهذا يقتل؛ لأنه كفر بعد إسلامه، وترك الحق بعد معرفته، فهو عضوٌ فاسد يجب بتره، وإراحة المجتمع منه؛ لأنه فاسد العقيدة، ويُخشى أن يفسد عقائد الباقين؛ لأنه ترك الحق لا عن جهل، وإنما عن عناد بعد معرفة الحق، فلذلك صار لا يصلح للبقاء، فيجب قتله.

فلا تعارض بين قوله تعالى: ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) البقرة/ 256، وبين قتل المرتد؛ لأن الإكراه في الدين هنا عند الدخول في الإسلام، وأما قتل المرتد فهو عند الخروج من الإسلام بعد معرفته، وبعد الدخول فيه، على أن الآية – وهي قوله تعالى: ( لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) – فيها أقوال للمفسرين، منهم من يقول: إنها خاصة بأهل الكتاب، وأن أهل الكتاب لا يكرهون، وإنما يطلب منهم الإيمان، أو دفع الجزية، فيقرون على دينهم إذا دفعوا الجزية، وخضعوا لحكم الإسلام، وليست عامة في كل كافر، ومن العلماء من يرى أنها منسوخة بقوله تعالى: ( فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ) التوبة/ 5، فهي منسوخة بهذه الآية، ولكن الصحيح: أنها ليست منسوخة، وأنها ليست خاصة بأهل الكتاب، وإنما معناها: أن هذا الدين بيِّنٌ، واضحٌ، تقبله الفطَر، والعقول، وأن أحدًا لا يَدخله عن كراهية، وإنما يدخله عن اقتناع، وعن محبة، ورغبة، هذا هو الصحيح.

” المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان ” ( 2 / 116 – 118 ).

والله أعلم.

أخت معاقة تعاني من ضعف علاقاتها الاجتماعية وتفكر في الانتحار!

أخت معاقة تعاني من ضعف علاقاتها الاجتماعية وتفكر في الانتحار!

بشرى وذكرى للمعاقين بعظيم الأجور في الصبر ومزيد الفضل في الاحتساب

السؤال:

أنا فتاة معاقة، وعلاقتي الاجتماعية ضعيفة، ودائمًا ما تدور في ذهني أفكار الانتحار، حتى أني أشك أن أحداً ما فعل لي سحرًا,  كما أني أخاف من المستقبل، وماذا سيحصل لي إذا مات والدي لأنه هو الشخص الوحيد الذي يعولني، ويهتم بي، هو، ووالدتي، لا أدري ما العمل على الرغم من أني أصلي الصلوات الخمس، وأقرأ القرآن، ما هي نصيحتكم؟ وهل سيعاقبني الله على هذه الوساوس والأفكار؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أختي الفاضلة

نستثير فيك الإيمان، ومحبة الرحمن، أيكون المؤمن ضعيفًا إلى درجة تمني الانتحار، والهلاك، الموجب لغضب الرحمن؟!  أمِن أجل فقدان نعمة من لذات الدنيا يجرُّ الإنسان على نفسه خسران الدنيا، والآخرة؟! ألا يعلم المسلم أن هذه الدنيا دار ابتلاء واختبار؟! وهذه الدنيا بما فيها من نعَم، ومتاع، وزخارف، وشهوات: لا شيء بالنسبة لنعيم الآخرة.

عَنْ المُسْتَوْرد رَضِيَ الله عنْه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَا الدُّنْيا إِلاَّ مِثْلِ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُم إصْبَعَهُ فِي اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَاذَا يَرْجَع ).

رواه الترمذي ( 2323 ) وصححه، وابن ماجه ( 4108 ).

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ.

رواه مسلم ( 2807 ).

 

 

 

ثانيًا:

ثم إن عِظَم الجزاء والثواب من عِظَم البلاء, ولو يعلم الإنسان ما له من ثواب وجزاء في حال صبره على البلاء: لم يجزع.

عن جابر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( يَوَدُّ أَهلُ العَافِيَةِ يَومَ القِيَامَةِ حِينَ يُعطَى أَهلُ البَلَاءِ الثَّوَابَ لَو أَنَّ جُلُودَهُم كَانَت قُرِّضَت فِي الدُّنْيَا بِالمَقَارِيضِ ). رواه الترمذي ( 2402 )، وحسَّنه الألباني في” صحيح الترمذي “.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلاَءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاَهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ ). رواه الترمذي ( 2396 ) وحسَّنه، وابن ماجه ( 4031 ).

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ ).

رواه الترمذي ( 2399 ) وصححه.

 

ثالثًا:

والمسلم  جنته في صدره، بإيمانه، وتقواه، ويقينه بالله، ويستطيع الإنسان أن يجد السعادة ولو كان مكبَّلًا بأمراض الدنيا كلها، فلا نعيم يعدل نعيم الإيمان بالله، والرضا بقضائه.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

سمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: ” إنَّ في الدنيا جنَّة مَن لم يدخلها: لا يدخل جنة الآخرة “، وقال لي مرة: ” ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنَّتي وبستاني في صدري، إن رحتُ فهي معي لا تفارقني، إنَّ حبْسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة “. ” الوابل الصيِّب ” ( ص 67 ) .

ويَقصد – رحمه الله – بجنة الدنيا: حلاوة الإيمان، والتقوى، ولذة الأعمال الصالحة.

 

رابعًا:

قال تعالى: ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) إبراهيم/ 34، فنِعَمُ الله على الإنسان كثيرة، فيتخيل المسلم أن لو كان سليماً معافى, وقد سلبه الله الإيمان بالله: فأي سعادة، وأي لذة تكون في هذا الدنيا بغير الإيمان، وطاعة الرحمن؟!، وليتخيل المسلم لو أن الدنيا بما عليها كانت في ملكه، وتحت تصرفه, وقد منعه الله التوفيق للهداية: فأي حياة هذه التي سيعيشها؟!؛ فنِعمة الإيمان، ونعمة الاستقامة: لا يعدلها نِعم الدنيا أجمع.

ولذلك فالمعوق على الحقيقة هو من لم ينتفع بنعم الله عليه في استعمالها بما أوجب الله عليه، كما قال تعالى: ( وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) الأعراف/ 179.

وقال تعالى: ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) الحج/ 46.

 

خامسًا:

عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ).  رواه مسلم ( 2664 ).

فالمؤمن الحق صاحب عزيمة, ولا يستسلم للأمر الواقع الذي يُضعفه، بل يسعى، ويجد، ويبذل، ويقدم ما استطاع, فأن يخلق الإنسان معاقاً فكان ماذا؟! ألم يهب الله لكِ العقل لتفكري, واللسان لتنطقي, واليد لتكتبي؛ هذه الأدوات يستطيع بها المسلم – بعد عون الله وتوفيقه – أن يتحصل على المجد، والرفعة، والفضائل التي لا تحصى.

فهذا عطاء بن أبي رباح  كانت فيه مجموعة من الإعاقات, ومع ذلك ساد أهل زمانه بالعلم, وكان ينادى في موسم الحج: ” لا يُفتي الناسَ إلا عطاء بن أبي رباح “.

جاء في ترجمته في ” سير أعلام النبلاء ” ( 5 / 80 ):  أنه – رحمه الله – كان أعور، أشل، أفطس، أعرج، أسود، وقطعت يده مع ابن الزبير، وأصابه العمى بعد ذلك.

ومع ذلك ساد أهل العافية والسلامة في زمانه، فكم من معاق في بدنه تحصَّل على ما لم يتحصل عليه الأصحاء الأقوياء، وفي تاريخنا المعاصر أمثلة كثيرة لذلك، فهذا الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله فقد بصره في صغره, ولكنه ملأ الدنيا بعلمه، وأخلاقه، وبذله.

* وهذا مثال آخر:

يقول الشيخ عائض القرني: قرأت في ملحقِ عُكاظٍ العددُ 10262 في 7 / 4 / 1415 هـ، مقابلةٌ مع كفيف يُدعى: محمود بن محمدٍ المدنيّ، درس كتب الأدبِ بعيونِ الآخرين، وسمع كتب التاريخِ، والمجلاتِ، والدورياتِ، والصحف، وربما قرأ بالسماعِ على أحدِ أصدقائِه حتى الثالثةِ صباحًا، حتى صار مرجعًا في الأدب، والطُّرفِ، والأخبار.  ” لا تحزن ” ( ص 395 ) ترقيم الشاملة.

وهذا الشيخ أحمد ديدات رحمه الله، لم تبلغ إعاقتك ما بلغت إعاقته، فقد أصيب بجلطة في الدماغ، فشُلَّ بدنه بالكامل، لم يكن يتحرك منه إلا أجفان عينه! واستمر ذلك معه قريباً من عشر سنوات، ومع هذا فهل ترك الدعوة؟ وهل قنط من رحمة الله؟ وهل رغب بالانتحار؟ كل ذلك لم يكن، بل استمر في الدعوة إلى الله أجفان عينه، حتى آخر رمق من حياته، فكان يرد على الأسئلة، ويكلم الزوار، ويدعو إلى الله بجفني عينيه! في لغة خاصة يحادث بها الناس، حتى إنه أوصى بعض زواره بحركة جفونه بما ترجمته: ” احذروا أن تزهدوا في الدعوة، أو تدَعوها، مهما كانت الظروف صعبة، فانظروا إليَّ، انقطع عنِّي كل شيء، حتى حركة اللسان، ولم يبق إلا حركة العين، وأنا أبلغ الدعوة، وأكملها، بحركة العين “.

فلا ييأس إلا ضعيف القلب والإيمان؛ فالمؤمن قوته في إيمانه ويقينه، وفي قلبه ورجاحة عقله.

فالنصيحة للأخت أن تستعين بالله, وأن تشمر عن ساعد الجد, وأن تبني مجدًا وعزًّا؛ وأن تقهر وساوس الشيطان، وذلك بأن تجتهد على نفسها بتحصيل علم ديني، أو دنيوي – مع ما يجب عليها من علوم الشرع -، وأن تنظم وقتها لتحصيل ذلك؛ وسترى النتيجة بنفسها بعد صبر، وجد، واجتهاد, إن شاء الله، فالعزيمة الصادقة، والرغبة المؤكدة، يحقق بها الإنسان ما لا يحققه جماعة من الناس، مع احتساب الأجر والثواب من الله على البلاء.

 

سادسًا:

واحرصي أيتها الأخت السائلة على انتقاء صحبة صالحة من بنات جنسك، وعلى انتقاء بعض قريبات لك؛ لفك وحشتك، والقضاء على وحدتك، وإن للصحبة الصالحة أثرها الطيب عليك، تعينك على طاعة الله، وتقضي أوقاتها معك في المفيد لك دنيا وأخرى، تطالعون كتاباً، وتسمعون شريطاً، وتتحدثون في المباح لكم من الأحاديث، وبذا تتخلصين من ضعف علاقتك الاجتماعية التي تشكين منها.

وأما بخصوص العناية، والنفقة، من والديك، وأنك تخشين فقدانها بموتهما: فلا تجعلي ذلك همًا تعيشين معه؛ فإن من شأن ذلك أن يصيبكِ بالإحباط، وتذكري دومًا رحمة الله بعباده، وعظيم فضله على خلقه، وأنه تعالى يرزق الطير في السماء، والسمك في البحار، وأنه ما من دابة في الأرض ولا في السماء إلا على الله رزقها، فهو الكفيل سبحانه بكل جميل، فوكلي أمرك لربك تعالى، وسليه المزيد من فضله، وسليه أن يرزقك الصبر على البلاء، والأجر يوم اللقاء، ولا يخيب الله دعوة عباده الصادقين، وفي تقوية قلبك بهذا اليقين تقضين على وساوس الشيطان، وتنطلقين في العمل المثمر الجاد، وما ذكرناه لك سابقًا كافٍ لك إن شاء الله.

* قال الشيخ عبد الرحمن الخالق – حفظه الله -:

– يجب على كل من ابتلاه الله بآفة أو تعويق:

  1. الاعتقاد بأن ما أصابه لم يكن ليخطِئَهُ، فإنَّ القضاء مكتوب قبل أن يُخلق، قال تعالى: ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكـم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير. لكي لا تأسوا ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور ) الحديد/ 22، 23، وقال تعالى: ( ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه، والله بكل شيء عليم ) التغابن/ 11.

فعلى المسلم الذي يصاب بأمرٍ يكرهه أن يقول كما علَّمنا الله سبحانه وتعالى: (الذين إذا أصابتهم مصيبة قالـوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ) البقرة/ 156 ، 157.

وإذا استقر في نفس المسلم الإيمان بقضاء الله وقدره وأن الذي أصابه لا بد وأن يصيبه، وأنه أمر لا مفرَّ منه، ولا مهرب منه؛ لأن الله قد كتبه في الأزل: فإن نفسه تهدأ، وقلبه يسكن، ويكون هذا بداية، ومقدمة للرضى بقضاء الله، وقدره.

  1. أن يوقن بأن اللهَ إذا ابتلى المؤمنَ فلأنه يحبه، ويؤثره على غيره ممن لم يبتله، ولذلك كان الرسل هم أشد الناس بلاًء ، وأكثرهم تحمُّلًا للأذى، وصنوف الغم، والكرب العظيم، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( أشد الناس بلاًء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه إن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة ) رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني في ” الصحيحة ” ( 143 ).

فقد ابتليَ الرسل بالجبابرة المنكرين، والكفار المعاندين، والمكذبين الذين سبُّوهم، وشتموهم، وأخرجوهم، وتمالئوا على قتلهم، فمِن الرسل مَن هُدِّدَ بالإحراق بالنار، وألقي فيها، ومنهم من هدد بالإخراج من بلده، ومن هدد بالرجم ( لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين ) الشعراء/ 116، ومَن تآمر به المجرمون ليقتلوه، وشرعوا في تنفيذ إجرامهم، ومنهم مَن ابتُلي في بدنه كأيوب عليه السلام حتى تأذى منه أولاده، وزوجه، فأهملوه، وتركوه، ومنهم، ومنهم.

ومِن الكفار مَن عاش سليمًا، قويًّا، مجتَمِع الخلق، حتى قصمه الله مرة واحدة، كما جاء في الحديث: ( مثَل المؤمن كالخامة من الزرع تفيئها الريح مرة وتعدلها مرة، ومثل المنافق كالأرزة لا تزال حتى يكون انجعافها مرة واحدة ) متفق عليه، وشجرة الأرز من أشد الأشجار قوة وصلابة، وقد جعلها الرسول صلى الله عليه وسلم مثلًا للكافر الذي يبقى قويًاً منيعًا متماسكًا حتى يموت، وهو كذلك، فيأتي الله موفورًا ذنبه لم يأت عليه يوم يتذكر قدرة الله عليه فيستغفر، أو يتوب.

وأما المؤمن فإنه لا يزال به البلاء يميله يمنةً ويسرةً حتى يأتي يوم القيامة وليس عليه ذنب.

* والخلاصة:

إن المؤمن إذا كان محلًا للبلاء، من مرض، أو نقص، أو عاهة: فهو محل لرضوان الله، وإيثاره له، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من يرد الله به خيراً يُصب منه ) رواه البخاري.

  1. أن يعلم المصاب بنقص، أو عاهة، أو إعاقة: أن الله يؤجر المؤمن على كل مصيبة مهما صغرت ولو كانت شوكة يُشاكها، كما جاء في الحديث: ( ما يصيب المسلم من نَصَبٍ ولا وصبٍ ولا همٍّ ولا حزَنٍ ولا أذىً ولا غمٍّ ، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ) متفق عليه.

وكلما عَظُمَ المصاب والبلاء: عظم الأجر والثواب، كما جاء في الحديث القدسي: ( من أذهبتُ حبيبتيه فصبر فاحتسب لم أرض له ثوابًا دون الجنة ) وحبيبتيه يعني: عينيه، رواه الترمذي، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي ” ( 1959).

  1. أن يعمل المؤمن المصاب على تجـاوز هذا النقص والاستفادة بما بقي، وهذا باب عظيم جدًّا للإحسان، وتفجير الطاقات.

ففقـد البصر لا يعني نهاية الحياة، وتعطل القوى، وانسداد الأمل، بل إن تنمية بقية الحواس قد يعوض فقـد النظر؛ فإن تنشيط السمع، واللمس، وتقوية الفؤاد والقلب، إطلاقٌ لطاقات وإمكانيات سمعه، ولمسه، وذوقه، وعقله، وكذلك الحال في فقد السمع، أو فقد طرف من الأطراف، أو حاسة من الحواس.

وفي الحديث: ( المؤمن القوي خـيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍّ خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجِز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان ) رواه مسلم.

ومِن معاني الحديث: أن المؤمن إذا أصابه شيء يكرهه: فإن عليه أن يستعين بالله، ولا يعجز، أي يستسلم إلى العجز، بل عليه أن يَجِدَّ وينشط، ويعمل في استكمال ما فاته من النقص. ” الشوق في أحكام المعوق ” ( ص 5 – 7 ).

 

والله أعلم.

ضابط العمل بتجارب العلماء والرقاة في العادات والعبادات

ضابط العمل بتجارب العلماء والرقاة في العادات والعبادات

السؤال:

تجارب العلماء و التي ليس لها نص مباشر من السنَّة مثل استشفاء ابن القيم بماء زمزم بعد قراءته عليه فاتحة الكتاب، واستحسان السيوطي صلاة ركعتين بعد صلاة العشاء بسورة المُلك والسجدة.

السؤال: هل يشرع العمل بتجربة العلماء؟

 

الجواب:

الحمد الله

أولًا:

الأحكام الشرعية لا تثبت بمجرد التجربة، إذا لم يدل عليها دليل من الكتاب، أو السنَّة.

*  قال الشوكاني- رحمه الله-:

السنَّة لا تثبت بمجرد التجربة.

” تحفة الذاكرين ” ( ص 140 ).

 

ثانيا:

يُفرِّق العلماء بين الأمر الذي لم يأت في الشارع تحديده, مع بيان جوازه، وبين ما جاء محدَّداً على صفة معيَّنة.

فالأول: يمكن أن يكون للتجربة دورٌ فيه، وأما الثاني: فلا، ومثال الأول: أنه قد ثبت في الشرع أن العسل، وماء زمزم، والحبة السوداء، فيها شفاء للناس، فمن خلطها جميعاً –مثلاً– أو تناول العسل مع الحبة السوداء بمقدار معيَّن، وفق تجارب ناجحة: فلا مانع من ذِكر تجربته للناس، لكن لا على أنه على القطع كأنما جاء بها الوحي!.

وأما الثاني: فلا يجوز الزيادة على ما جاءت به الشريعة المطهرة، وإلا كان ابتداعًا.

ولعل ما يضبط الأمرين، ويفرِّق بينهما: أن الأول – الجائز – يكون في العادات، أو ما له أصل في الشرع، والثاني – الممنوع – يكون في العبادات التوقيفية، أو فيما لا أصل له في الشرع.

وعليه: فيكون فعل ابن القيم هو من الباب الأول المشروع، واستحسان السيوطي – إن صح عنه – من الباب الثاني غير المشروع.

 

 

وبيان ذلك:

أ. أن فعل ابن القيم رحمه الله من الاستشفاء بالفاتحة، وبماء زمزم: فيقال: كلا هذين الأمرين له أصل في السنَّة.

فقد ثبت عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه رقى كافراً بفاتحة الكتاب، وأقرَّه عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: ( وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ ).

رواه البخاري ( 2156 ) ومسلم ( 2201 ).

وعن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن ماء زمزم: ( إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ وَشِفَاءُ سُقْمٍ ). رواه أبو داود الطيالسي في ” مسنده ”  ( 61 )، وأصله في مسلم ( 2473 )، وانظر ” السلسلة الصحيحة ” ( 3585 ).

 

وعليه: فما فعله ابن القيم هو من التصديق لما جاء في الشرع أنه علاج، وليس في فعله مخالفة للشرع بأي وجه.

 

ومثله في الجواز: تجربة العلاج بأعشاب، ونباتات، لأمراض معينة، وبمقادير معينة، فهذا من الأمور المحسوسة، وليس من الأمور التعبدية، على أن يُتجنب المبالغة – فضلًا عن الكذب – في هذا الباب، من أجل تسويق أدوية، وخلطات.

وأما التجربة: فإن كان المجرَّبُ له أصل: فإن التجربة تكون تصديقاً له، وإن لم يكن له أصل: فإن كانت هذه التجربة في أمور محسوسة: فلا شك أنها عمدة، وإن كانت في أمور شرعية: فلا، القرآن الكريم الاستشفاء به له أصل، قال الله تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) الإسراء/ 82 ، فله أصل، فإذا جُربت آيات من القرآن لمرض من الأمراض، ونفعت: صار هذا النفع تصديقاً لما جاء في القرآن من أنه شفاء للناس.

 

أما غير الأمور التعبدية: فهذه خاضعة للتجربة، بلا شك، فلو أن إنساناً مثلاً له بصيرة فيما يخرج من الأرض من الأعشاب، ونحوها، خرج إلى البرِّ وجمَّع ما يرى أن فيه مصلحة وجرَّب: فإنه يثبت الحكم به.

” اللقاء الشهري ” ( 37 / السؤال رقم 28 ).

 

ب. وأما ما ذُكر أن السيوطي رحمه الله قد استحسنه، وهو صلاة ركعتين بسورتي السجدة، والملك: فيقال: إن العبادات التي جاء في الكتاب والسنة فعلها على وجه معين: لا يشرع  مخالفة هذا الوجه المعيَّن, وإلا دخل فعلها في الابتداع.

 

 

* قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله -:

والمتابعة لا تتحقق إلا إذا كانت العبادة موافقة للشرع في ستة أمور:

  1. السبب. 4. الكيفية.
  2. الجنس. 5. الزمان.
  3. القدْر. 6. المكان.

” الشرح الممتع ” ( 1 / 410 ).

 

وعلى ذلك: فقراءة سورتي ” المُلك “، و ” السجدة ” مشروع أن يقرأها المسلم كل ليلة, ولكن بالصفة الثابتة بدون صلاة؛ ولو صلَّى المسلم مرة بهما ركعتين تطوعاً: فلا بأس, ولكن إذا داوم على ذلك: كانت غير مشروعة.

 

فينبغي أن يفرق بين ما أَذن الشارع بفعله ولم يحدَّه بحد, وبين ما ورد على كيفية معينة، كالعبادات، والأصل في العبادة: التوقيف؛ فلا يتعبد الله إلا بالوارد الثابت.

 

والله أعلم.

 

مقطع ” فيديو ” لراقصة ترقص بين يدي رافضي معمَّم، هل يجوز نشره؟

مقطع ” فيديو ” لراقصة ترقص بين يدي رافضي معمَّم، هل يجوز نشره؟

السؤال:

عندي سؤال يهم الكثير من الإخوة والأخوات، انتشر في المنتديات التي ترد على الرافضة مقطع فيديو فيه راقصة ترقص أمام شيخ رافضي، والراقصة طبعا بلباس خليع، هل يجوز نشر مثل هذا المقطع بحجة فضح الرافضة؟ أفتونا مأجورين، وبارك الله فيكم، وجزاكم الله عنا وعن الإسلام خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

إذا صحَّ ما تقول من وجود مقطع ” فيديو ” لراقصة ترقص أمام رافضي معمَّم: فهو ليس غريبًا عنهم في دينهم، ومع هذا فلا يجوز نشره بين الناس؛ لأنه منكر، وفحش، وحسن النية في فضح هذا المذهب الرديء لا يسوِّغ نشر المقطع بما فيه من كشف عورات، وسماع منكرات، وليس انتقادنا لذلك المذهب لسلوكيات أصحابه وأتباعه، بل لما يحتويه من عقائد كفرية، كاعتقاد تحريف القرآن، واعتقاد عصمة أئمتهم، وتكفير الصحابة، وإنكار السنَّة، وغير ذلك من العقائد الباطلة الضالة، فيُكتفى في تحذير المسلمين بتلك العقائد الثابتة في كتبهم المعتمدة، والموثقة عليهم بالصوت، وبالصوت والصورة، دون نشر ما فيه كشف عورات، أو سماعهم للمعازف.

 

والذي نعلمه عن ذلك المقطع – إن كان هو المقصود في السؤال – أنه ليس لراقصة من الإناث، بل هو لـ ” مخنث ” منهم، جعلوا له ثديين! وألبسوه لباسًا ضيقا من أسفل، ومكشوفًا من أعلى، ووضعوا خرقة في وسطه، وجعلوه يرقص وسط حلقة في ” حسينية ” بحضور كبير من كبرائهم المعممين، وقد جعلوا يعطون المال على هزه لأردافه! ويضعها في فمه، وهذا المقطع الخبيث ليس هو فحشًا دنيويًّا، بل هو فحش ديني! فالراقص عندهم في المقطع يمثلونه بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب! وهذه الحفلة جزء من احتفالاتهم بمناسبة مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وهم يصيحون في ذلك المقطع بذكر اسم قاتله ” أبي لؤلؤة المجوسي “! والذي جعلوا على قبره بناء ضخمًا، وجعلوه مزارًا، يترحمون عليه ، ويثنون على فعله بقتله لعمر بن الخطاب رضي الله عنه.

 

 

 

 

وسواء كان هذا المقطع هو المقصود في السؤال أم لا: فإننا نرى جواز نشره في الآفاق؛ ليعلم الكفار أن هؤلاء ليسوا مسلمين، وليعلَم أهل السنَّة أن لا لقاء بين ديننا ودين الرافضة، ونشر مثل هذا المقطع يبين للعقلاء من كل الأديان أي صنف من الناس هم هؤلاء الرافضة، ولقد صدق التابعي الجليل عامر الشعبي حين قال فيهم: ” لَوْ كَانُوا مِنْ الْبَهَائِمِ لَكَانُوا حُمُرًا، وَلَوْ كَانُوا مِنْ الطَّيْرِ لَكَانُوا رَخَمًا “.

– وحُمُرًا: مفردها ” حمار “.

– ورَخَمًا: مفردها ” رَخَمة “، وهو نوعٌ من الطَّير موصوفٌ بالغَدْر، وقيل: بالقَذَر.

 

ومثل هذا المقطع – مع غيره من الإثباتات النصية والمصورة والمسجلة – يبين حكم هؤلاء في دين الله تعالى، وشرعه المطهَّر، فقد قال الإمام مالك رحمه الله: ” الذي يشتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ليس لهم اسم – أو قال: نصيب – في الإسلام “. وقال أبو بكر المروذي: سألت أبا عبد الله – الإمام أحمد بن حنبل – عن من يشتم أبا بكر، وعمر، وعائشة، قال: ما رآه على الإسلام.

– انظر – لهما – كتاب ” السنَّة ” للخلاَّل ( 3 / 493 ).

 

فهذا حال من يشتم أولئك الصحابة، فكيف بمن يدين ربَّه بتكفيرهم؟! بل ويزيد على تكفيرهم بنشر تلك الأفعال المخجلة في تصوير حالهم بمثل تلك المقاطع السيئة.

وهذا القدح في الصحابة الأجلاء لا يقف عندهم، بل يتعداه إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والذي رضي أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وزيرين له، والذي رضي التزوج بابنتيهما، والذي أثنى عليهما، وقدمهما على المسلمين، فالطعن في الصحابة رضي الله عنهم طعن في النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو مراد الرافضة أصلًا.

 

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

فإن القدح في خير القرون الذين صحبوا الرسول: قدح في الرسول عليه السلام، كما قال مالك، وغيره من أئمة العلم: ” هؤلاء طعنوا في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما طعنوا في أصحابه ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلًا صالحًا: لكان أصحابه صالحين ” .

” مجموع الفتاوى ” ( 4 / 429 ).

 

 

 

 

والخلاصة:

إن كان المقطع المقصود في السؤال هو لراقصة من النساء: فلا يجوز نشره البتة، وإن كان المقطع لذلك المخنَّث: فيجوز نشره، أو يجب، مع التنبيه على أصله، وحقيقته؛ ليكون أبلغ في التحذير من تلك العقيدة الضالة.

 

والله أعلم.

هل يستدل بحديث الذي أمر أبناءه بحرقه على أن النية الحسنة لها أجر مع العمل السيّء؟

هل يستدل بحديث الذي أمر أبناءه بحرقه على أن النية الحسنة لها أجر مع العمل السيّء؟

السؤال:

هل صحيح القول بأن النية الحسنَة غير كافية في صحة مشروعية العمل؟ لو كان الأمر كذلك: فإن المرء لا يمكن أن يقول إنه يحب الله كثيرًا, ومِن ثَم فإنه سيصلي العشاء اليوم خمس ركعات! ولا من يقومون بالدعاء الجماعي بعد كل صلاة مفروضة ولا يمكن أن يبرروا فعلهم هذا بأنهم يقصدون خيرًا، وعليه يجب أن يكون عملهم مقبولًا!، فهل يمكن أن تقوم بشرح الحديث القدسي التالي الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: ( كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضرته الوفاة قال لبنيه: يا أولادي إذا مت فحرقوني، حتى إذا صرت فحماً فاسحقوني، فإذا كان يوم ريح عاصف فأذروني ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فلما مات فعل به بنوه ذلك فأمر الله البحر فجمع ما فيه وأمر الله البر فجمع ما فيه ثم قال الله له: كن فإذا هو رجل قائم بين يديه – جل وعلا – فقال له ربنا: ما حملك على ذلك؟ قال مخافتك يا رب ) قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( فغفر الله له بذلك ).

فما طلبه الرجل هنا هو حرق جسده، فقد كانت نيته في فعل ذلك هو الخوف من الله، فقد كانت له نية حسنة لكن فعله خطأ، ورغم هذا غفر له، فهل هناك استثناءات للقاعدة؟ ولو كان الأمر كذلك : فكيف نصحح فعل المبتدعين الذين يستخدمون هذا الحديث كمبرر لاستحداث البدع في الإسلام؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

لا شك أن النية الحسنة – مع عدم القدرة على تطبيقها عمليًّا -: ثوابها عظيم, ومن الأدلة على ذلك:

عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ:

عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ.

وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُول: لَوْ أَنَّ لِي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ.

وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لاَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلاَ يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلاَ يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ.

وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلاَ عِلْمًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلاَنٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ ).

رواه الترمذي ( 2325 ) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه ( 4228 ).

فأحد هؤلاء الأربعة كتب الله له أجر نيته الحسنة، والتي صرَّح بها صادقًا أنه لو ملك مالًا لصرَّفه في طاعة الله تعالى، وهو ليس له أجر العمل بلا شك، بل له أجر النية.

فهذا أجرٌ كتب لصاحبه على نية من غير عمل.

 

ثانيًا:

وأما إذا اقترنت النية بعملٍ: فقد ذكر العلماء أن ضابط النية الحسنة التي يؤجر عليها صاحبها أن يكون العمل المصاحب لها صحيحًا، كما في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَاتِ, وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئ مَا نَوَى ) رواه البخاري ( 1 ).

وقد ذكر العلماء تقديرًا للأعمال: وهي أن تكون صالحة: أي: مشروعة، حتى يؤجر الإنسان فيها بنيته، وأما إذا كان العمل غيرَ مشروع: فلا يؤجر عليه الإنسان, وإن كانت نيته حسنة.

* قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله -:

وقد اختلف في تقدير قوله: ( الأعمالُ بالنياتِ )، فكثيرٌ مِنَ المتأخِّرين يزعُمُ أنّ تقديرَه: الأعمالُ صحيحةٌ، أو معتَبَرةٌ، أو مقبولة بالنِّيَّاتِ، وعلى هذا: فالأعمالُ: إنّما أُرِيدَ بها الأعمالُ الشَّرعيَّةُ المفتَقِرةُ إلى النِّيَّة ….

ويحتمل أن يكون التَّقدير في قوله: ( الأعمال بالنيات ): الأعمالُ صالحةٌ، أو فاسدةٌ، أو مقبولةٌ، أو مردودةٌ، أو مثابٌ عليها، أو غير مثاب عليها، بالنيات، فيكونُ خبرًا عن حكمٍ شرعي، وهو أنَّ صلاحَ الأعمال وفسادَها بحسب صلاحِ النِّياتِ وفسادِها، كقوله صلى الله عليه وسلم: ( إنّما الأعمالُ بالخواتيم ) – متفق عليه -، أي: إنَّ صلاحَها، وفسادَها، وقَبُولَها، وعدمَه بحسب الخاتمة .

” جامع العلوم والحِكَم ” ( ص 10 ).

ومعنى كون العمل شرعيًّا: أي: في ذاته، أو كمِّه، أو كيفه، أو زمانه، أو مكانه، أو سببه.

وفي حديث عن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ فَلْيُعِدْ ). رواه البخاري ( 5241 ) ومسلم ( 1962 ).

 

 

 

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعادة من ذبح قبل الصلاة : ” وفيه: أن العمل وإن وافق نية حسنة: لم يصح إلا إذا وقع على وفق الشرع “. ” فتح الباري ”  ( 10 / 17 ).

ولذا فمن جاء بعملٍ غير مشروع فإنه لا يُثاب عليه، بل هو باطل مردود، ولو كانت نية صاحبة حسنة.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ ).

رواه البخاري ( 2550 ) ومسلم ( 1718 ).

وفي رواية عند مسلم ( 1718 ): ( مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ).

* قال النووي – رحمه الله -:  

قال أهل العربية: الرد هنا بمعنى المردود, ومعناه: فهو باطل، غير معتدٍّ به, وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام, وهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم؛ فإنه صريح في رد كل البدع، والمخترعات.

” شرح النووي ” ( 12 / 16 ).

 

ثالثًا:

وأما حديث الرجل الذي أوصى بنيه أن يحرقوه، ويذروا نصفه في البحر، ونصفه في البر، ثم غفر الله له لما أخبر عن عذره بأنه حمله على فعله مخافة الله: فالحديث صحيح، رواه البخاري ( 3291 ) ومسلم ( 2757 )، ولكنه لا يدل على أن من فعل عملًا غير مشروع أنه يؤجر عليه إذا كانت نيته حسنة، وأيسر ما يرد به على هذا: أن الله تعالى لم يؤجره على عمله! فلم يكتب له أجر أمره بنيه بحرقه، وإلقاء رماده في البر والبحر، وعليه: فلا يصلح الدليل للاستدلال على أن صاحب النية الحسنة يؤجر على فعله المخالف للشرع، بل يحمل هذا الحديث على أنه مَن جهل حكمًا شرعيًّا: فإنه لا يعاقب عليه, وفرْق بين الأمرين.

ثم إن ما جاء به ذلك الرجل كفرٌ أكبر بحد ذاته، وإنما عذره الله بجهله، فكيف يستدل به على فعلٍ يعلم صاحبه أنه غير جائز له؟! وكيف سيكون فعل الكفر بنية حسنة يؤجر صاحبه عليه؟! هذا غاية في البُعد، لذا لم نر أحدًا من أهل البدع يستدل به، ولا نظن عاقلًا يفعله.

 

 

 

 

* قال شيخ الإسلام – رحمه الله -:

فهذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدِر على جمعه إذا فعل ذلك، أو شك, وأنه لا يبعثه, وكلٌّ مِن هذين الاعتقادين كفر، يكفر مَن قامت عليه الحجة؛ لكنه كان يجهل ذلك, ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله, وكان عنده إيمان بالله، وبأمره، ونهيه، ووعده، ووعيده، فخاف مِن عقابه، فغفر الله له بخشيته.

” الاستقامة ”  ( ص 165 ).

أما مَن فعل أمرًا غير مشروع، وهو يعلم أنه غير مشروع، أو لا دليل عليه في الشرع، ثم فعله تقرُّبًا إلى الله: فلا يؤجر عليه، بل هو آثم على فعله.

روى البيهقي ( 2 / 466 ) بسندٍ صحيح عن سعيد بن المسيب أنه رأى رجلا يصلِّي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين، يكثر فيها الركوع والسجود فنهاه، فقال: يا أبا محمد! أيعذبني الله على الصلاة؟! قال: لا، ولكن يعذبك على خلاف السنَّة.

 

والله أعلم.

 

 

 

يعترض على القول بجواز التأمين على السيارات للضرورة والبديل عنده الجمال والخيول!

يعترض على القول بجواز التأمين على السيارات للضرورة والبديل عنده الجمال والخيول!

  سؤالي هو:

بالإشارة إلى تأمين السيارات في البلدان التي تُلزم كلَّ صاحب سيارة الحصول على تأمين سيارة، فكنت قد قرأت في فتوى لكم، وفي هذه الفتوى كانت هناك إشارة إلى: ” إلا أن تكون مجبرًا على سحب التأمين الحرام “، وأنا أسأل الآن: هل يضطر كل مسلم لامتلاك، واستخدام سيارة، رغم أن هناك وسائل مواصلات بديلة، مثل الدراجات، والجمال، والخيول، أو حتى المشي؟ وهل تعد حالة ضرورة؟ ولو أخذنا مثلا ما جاء في الفتوى الأخرى فيما يتعلق باضطرار شخص ما على حلق، أو تقصير لحيته في تلبية لشرط الوظيفة المتقدم إليها، فقد قيل: إن وجدت وظيفة أخرى: فتترك تلك، لغيرها؛ إرضاء لوجه الله، وفي مقارنة بموقف تأمين السيارة لا تجبر الحكومة الناس على تملك سيارة، فهم يجبرون في حال تملكك لسيارة أن تعمل تأمين للسيارة، ويمكن شرح الأمر بطريقة أخرى: لو اخترع شخصًا ما جهازًا يحمل شخصًا من النقطة ” أ ” إلى النقطة ” ب ” في وقت أسرع، لكنهم وضعوا شرطًا في عمل ذلك، وهو: لكي تستخدم هذا الاختراع في أرض معينة فيجب أن تشارك في الربا، في صورة التأمين، هل يجوز إذاً أن تشارك في هذا الاختراع فقط لأنه يقلك من النقطة ” أ ” إلى النقطة ” ب ” في زمن أسرع وأسهل؟ ( ضع في حسبانك أن هناك خيارات أخرى مما لا تفرض التعامل بالربا في شكل التأمين ) ودعنا نجلِّي الموقف أكثر بقول: لو اخترع شخص ما غدًا جهازًا جديدًا، كل ما ستفعله هو أن تضغط زر وتقول ” مسجد “: فيحملك إلى مسجد يبعد عن بيتك خمسة أميال، في دقيقة واحدة، وهو ما يعد أسرع من السيارة، ودعنا نقول: إن في هذا البلد ألغت التأمين القائم على الربا من السيارة، ورسموها على هذا الجهاز الجديد، وفي ظل هذا السيناريو: فلو أردت أن تتحرك من النقطة ” أ ” إلى النقطة ” ب ” مستخدمًا هذا الجهاز الجديد الأسرع من السيارة: فأنت مضطر حينئذ للتعامل بالربا في شكل هذا التأمين، فهل أنت مضطر للتعامل بالتأمين في تلك الحالة الجديدة ؟ وضع في حسبانك أنه يمكن إجراء مثل ذلك المثال على السيارات، والدرجات، والجمال، والخيول، والمشي، كوسائل بديلة، وهل من الصواب أن أقول الآن: إنه لا يوجد شخص مضطر لاستخدام الاختراع الأسرع طالما أن هناك خيارات أخرى لا تفرض فيها شهادات التأمين القائمة على الربا؟ فهل تقول بأنه ليس من الجائز أن تشارك في هذا النوع من وسائل المواصلات التي تجبر على عمل شهادات تأمين قائمة على الربا؟.

 

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

بارك الله فيك على اهتمامك بما ينفعك في أمر دينك، فمَن يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وللأسف أن واقع هذا العصر فرضَ دخول كثير من المخالفات الشرعية في شؤون حياتهم, إما بسبب تقليد من وضع تلك الأنظمة للغرب، أو بسبب جهلهم بأحكام الشرع.

 

ثانيًا:

ومن هذه المخالفات التي لامست واقع الناس: مسألة التأمين الإلزامي الذي أصبح لازما لا مفر منه في أغلب البلاد الإسلامية، تبعًا لغيرها من دول الكفر، وهذه المسألة وقع فيها كثير من الناس بحكم الحاجة الماسَّة، أو الضرورة.

وقد تكلم العلماء عن حكم هذا النوع من التأمين، وأنه مخالف للشريعة في أصله؛ لمَا يتضمنه مِن غرر، وجهالة، وأكلٍ لأموال الناس بالباطل.

 

ثالثا:

ومن كمال الشريعة: أن الله تعالى قد بيَّن ما يحتاج إليه الناس في حياتهم إلى قيام الساعة, ولا شك أن مثل هذه المسائل تدخل في قواعد نصَّت عليها الشريعة، كما ورد في حديث النعمان بن بشي: ( الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ ).

رواه البخاري ( 52 ) ومسلم ( 1599 ).

ومن كمال الإسلام: أنه نصَّ على ضوابط شرعية، وقواعد كلية في حالة الضرورة، والاضطرار، ومن ذلك قوله تعالى: ( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ) البقرة/ من الآية 173، وكحديث النبي صلى الله عليه وسلم : ( إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِى الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ) رواه ابن ماجه ( 2045 )، وصححه الألباني رحمه الله في ” صحيح ابن ماجه “.

كل هذا مع بيان أن الأخذ بالعزيمة هو الأصل، وأن الترخص بالضرورة فرع, ولا يقدم الفرع على الأصل إلا بضوابط شرعية.

وحد الضرورة هو ما يغلب على الظن وقوع المرء بسببه في الهلاك، أو أن تلحقه بسببه مشقة لا يحتملها، وقد جعل العلماء للضرورة غاية تقدر بقدرها, وحيث زالت الضرورة زال الأخذ بالرخص.

ومن تلك القواعد: ” الضرورة تبيح المحظورات “، و ” الضرورة تقدَّر بقدرها “.

وقد ذكر العلماء أن الضرورة تختلف من بلدٍ لآخر، ومن شخصٍ لآخر, والحكم في ذلك لأهل العلم، فرب ضرورة تكون في بلد ولا تكون ضرورة في بلد آخر, وربما تكون لشخص ولا تكون لشخص آخر.

وعلى إثر ذلك: مَن احتاج إلى هذا الأمر الضروري، ولا مخرج لحاجته إلا بهذا الفعل: جاز له أن يرتكب هذا المحذور بقدَرٍ، ففي مسألة التأمين الإلزامي  إذا احتاج الشخص إلى السيارة، ولا مناص إلا بدفع هذا التأمين: فيفعل، والإثم على الآخذ، كما نص عليه أهل العلم.

وبتطبيق قاعدة ” الضرورة تُقدَّر بقدرها ” هنا: قال أهل العلم: لا يجوز لذلك المضطر أن يؤمن على سيارته ” تأميناً شاملًا ” وهو يستطيع تأمين سيارته ” تأمينا اعتياديًّا “؛ لما في ” الشامل ” من دفع رسوم زيادة، في مقابل تحقيق منافع أكثر في حال وقوع حوادث مع الشخص المؤمِّن ، لكن لما كان التأمين محرَّمًا، ولم يجز للمؤمن أن ينتفع بأكثر مما أُخذ منه، ولم يكن التأمين الشامل إجباريًّا: لم يكن له تأمين سيارته بهذا النوع.

 

رابعًا:

وقول الأخ السائل إنه لا داعي للتأمين على السيارة لأن السيارة ليست ضرورة! فيوجد الدراجة، والجمل، والخيل، والمشي: فيرد عليه من وجوه:

  1. وماذا لو ألزمت الدولة من ركب الخيل، أو الدراجة الهوائية بالتأمين؟! وهل مثل هذا مستبعد، أو في الخيال؟! بل هو واقع في ما هو أقل شأنًا من هذا، وخاصة أن الأخ يريد لهذه الوسائل أن تعم وأن تنتشر، فمن الطبيعي بعدها أن تنظم أمورها بقوانين سير لها، ومن ذلك التأمين الإلزامي لمن قاد دراجته، أو ركب خيله!.
  2. وهل تظن أيها الأخ السائل أنه تتوفر الخيول، والجمال بقدَر هذه الأمة المحتاجة لها؟! وهل تظن أنه كل دولة يُمكن أن تسمح بهذا في شوارعها؟! إنهم يريدون التخلص من عقدة التخلف باتباعهم أسفه ما عند الغرب: فكيف تريدهم الرجوع لهذه الوسائل؟!.
  3. وماذا عن الرجل الذي يريد أن يخرج بعائلته لمكان بعيد، أو في سفر؟! فأين سيضع زوجته وبناته؟! وهل ترضى مثل ذلك التكشف للنساء المسلمات هروبًا من تأمين لا دخل لنا به، فلم نشرِّعه، ولم نرض به؟!.
  4. وماذا عن السفر بالطائرات وهي مؤمَّن عليها؟ وماذا عن السفر بالبواخر؟ وإن لم يكن لك حاجة بالسفر في تلك الوسائل: فاعلم أن غالب بضائعك التي تشتريها، من طعام، ولباس، إنما تأتي بتلك المواصلات المؤمَّن عليها، فماذا ستفعل مع هذا الوضع؟!.

إن ما تذكره ليس له واقع في النظر، ولا في الذهن، فضلًا أن يكون له واقع في دنيا الناس وحياتهم، وقد يصلح في بادية، أو قرية، أما أن يصلح حلاًّ لمواجهة مشكلة التأمين: فلا يمكن أن يكون، وهو من السذاجة بحيث يخطر في بال أحد من أهل العلم ليقترحه بديلًا.

وحتى ما ذكرته من أجهزة ووسائل تنقل الناس من مكان إلى آخر: هو من الباب نفسه، وسنذهب إلى ذلك الجهاز، ونشتريه، لنوفِّر علينا أوقاتنا، ولنساهم في خدمة الدين، وإنما يأثم من فرض عليه رسوم ” جمرك “، أو ألزمنا بالتأمين في حال استعماله، ولا نجد غضاضة في هذا، فنحن في حال الاضطرار لتلك الوسائل من المواصلات لحفظ أعراضنا، ونحن نحتاج للبيع والشراء بفتح المحلات، وما يفرض علينا من رسوم محرَّمة، في الجمرك، ورسوم الرخصة، والتأمين عل  البضائع، والسيارات: كل ذلك إثمه على من شرَعه، وعلى من رضيه، ونفَّذه، وعاقب عليه، لا على المحتاج لاستعماله، الكاره لفرض تلك الرسوم المحرمة.

وبكل حال:

إن مسألة الضرورة، والحاجة التي تنزل منزلة الضرورة، وما يكون الحال فيه واقعاً أنه كذلك: فمرجع الحكم عليه لأهل العلم الثقات، وإلا فقد وجدنا – وهم قلة – من قال بأن شراء بيت بالربا جائز؛ لأنه ضرورة! والعلماء الثقات لا يعرفون هذا القول الشاذ، ولا يعتقدونه موافقًا للحال الذي ذكره أهل العلم في هذا الباب، وفرق بين أن يقال إن ” السكن ” ضرورة، وبين قولنا ” تملك السكن ” ضرورة، فأي ضرورة في أن سكن في بيت ملك مع ارتكاب جريمة كبرى، وهي الربا؟! ولماذا لا ينسحب هذا على شراء سيارة بالربا؟! وشراء المحل الذي أبيع به بالربا؟! وكل ذلك لا يقول به ذلك المفتي بذلك القول الشاذ.

ولا فرق بين التأمين، وبين حلق اللحية، ونزع الحجاب، إذا كان الأمر عند أهله قد وصل لحال الضرورة، والتي يخاف فيها على العرض، أو النفس، بالسجن، والتعذيب، والفتنة عن الدين، وكل ذلك يقدَّر بقدره، فلا يفتى لمسلم بحلق لحيته ليشتغل مضيفًا! أو موظف استقبال! والله تعالى قد وسَّع أبواب الرزق عليه، ولا يفتى لامرأة بنزع حجابها لتدرس في جامعة! والله تعالى لم يجعل ذلك واجبا عليها، ولن يصيبها سوء لو جلست في بيتها كحال الملايين غيرها، لكن قد تصل الحال بالملتحي لأن يفتى له بحلق لحيته إذا جزم، أو غلب على ظنه أن يعذَّب بسببها، وقد يفتى للمرأة أن تنزع حجابها إذا اضطرت للخروج من بيتها، وكان لبسها للحجاب يعرضها للإهانة، والتعذيب، والاغتصاب! وكل ذلك له ضوابط، وقواعد، في شرعنا المطهر، وليست الأمور على هوى أصحابها، وعلى خاضعة لتمييع المفتين بالتساهل؛ كسبًا لقلوب الناس.

ونرجو أن يكون قد اتضح لك خطأ ما ذكرتَ في سؤالك، وأن يكون تبين لك صحة ما ذكرناه لك، ولا نظنك إلا كذلك، ونسأل الله لك التوفيق، وأن يزيدك هدى، وتوفيقًا، وسدادًا.

 

والله أعلم.