الرئيسية بلوق الصفحة 65

تزوج عليها وهي تعيش في ” كندا ” وتريد طلب الطلاق من المحكمة وأخذ نصف ماله!

تزوج عليها وهي تعيش في ” كندا ” وتريد طلب الطلاق من المحكمة وأخذ نصف ماله!

السؤال:

صديقتي متزوجة منذ 26 عامًا، وكانت تعيش هي وزوجها وأولادها في ” كندا “، وبعد 12 سنة قرر زوجها إرجاعهم إلى بلدهم، وقرَّر أن يسافر إلى ” كندا ” للعمل، ويترك أولاده وزوجته في ” سورية “، وكان يأتيهم بالإجازات، وبعد 13 سنة أعادهم إلى ” كندا “، وعاد هو إلى ” سورية ” بحجة العمل، وزوجته طوال الفترة تصبر، وتقول: لأجل أطفالي، وبعد غيابه بـ 5 أشهر عرفوا أنه متزوج من أخرى، وهي الآن تريد الطلاق لأنه لم يعدل، ولم يعمل بما أمره الله، والرسول صلى الله عليه وسلم، تريد الطلاق وفقاً للأحكام الكندية، والتي تقضي بأخذ نصف ماله.

أرجوكم أفيدونا، ما الحل؟ وما حكم الاسلام في تصرف الزوج، والزوجة؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قد أحسن الزوج أول مرة، ثم أساء بعدها، أحسن عندما أرجع أسرته لبلده، وترك تلك الديار الغربية، وأساء عندما أعادهم إليها، وأساء أكثر عندما تركهم ورجع هو وحده لبلده، دونهم.

قد ذكرنا في أجوبة كثيرة مسألة الإقامة في بلاد الكفر، والمفاسد المترتبة على ذلك، والشروط الواجب توفرها في المقيم إن أقام لعذر شرعي يبيح له تلك الإقامة.

 

ثانيًا:

وقد أخطأت الزوجة بطلبها الطلاق عندما علمت أن زوجها قد تزوج عليها، ونعجب منها عندما صبرت على فراق زوجها وهي تعيش وحدها في بلد أجنبي! وهي تصبِّر نفسها من أجل أولادها، فما الذي تغيَّر؟! تزوج زوجها من أخرى لم يخالف به الشرع، وإنما يؤمر بالعدل في حال اجتماع الزوجتين في بلد واحد، أو يمكنه تقسم أيامه وشهوره بين بلده، والبلد الأجنبي، ومما يُتعجب منه من النساء أنها ترضى لزوجها أن يعمل في بلد مسلم أو كافر، ويغيب عنها سنوات، وهو يكد ويتعب، وقد يفعل المحرمات من نظر لا يحل، وعادة سرية، وزنا، ومع ذلك فإن الجريمة الكبرى عند غالب أولئك النسوة هي أن يتزوج زوجها في غربته! فتبدأ بطلب حضوره إليها! وتبدأ بطلب النفقات الزائدة، وأكثرهن يطلبن الطلاق!.

 

والواجب على النساء العاقلات أن يحرصن على دين أزواجهن، وأول شيء يسعين فيه إن أراد الزوج أن يغيب للعمل في بلد بعيد: أن تحرص على وجودها وأولادها معه  ليعف كل واحد منهما نفسه بالآخر، وليقوم على تربية أولاده معها، فإن كان يعسر أو يتعذر وجودها أو ذهابها معه: فلتحرص على دينه وعفافه بأن يقضي شهوته بما هو مباح له، وهو التزوج من أخرى، إلا أن يستطيع الصبر، أو يقل وقت غيابه عنها.

 

ثالثًا:

لا يجوز لتلك المرأة المسلمة طلب الطلاق من زوجها إن كان الأمر عندها هو تزوجه فقط، وأما إن لم تكن تستطيع بعد تزوجه إعطاءه حقَّه من العشرة الحسنة: فيمكن أن يكون لها عذر في طلب الفراق، لكن ليس لها طلب الطلاق الذي تأخذ به مهرها، بل عليها مخالعته، وأن تدفع له – إن هو طلب ذلك – ما بذله لها من مهر، أو زيادة.

ولتعلم المرأة أن طلبها الطلاق لمجرد تزوجه من أخرى، مع قدرتها على القيام بحقوقه الزوجية: تستحق به الوعيد الشديد.

عَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ ). رواه الترمذي ( 1187 ) وأبو داود ( 2226 ) وابن ماجه ( 2055 )، وصححه الألباني في ” صحيح الترمذي “.

 

رابعًا:

لا يجوز للزوجة استغلال القوانين في الدول الكافرة، والتي تحكم في قضايا الأحوال الشخصية بخلاف شرع الله تعالى أن تتحاكم إليها، ويجب على المسلم أن يحكِّم شرع الله تعالى في جميع أحواله، وها هنا أمران يتعلقان بالزوجة:

  1. أنه إن طلقَتْها المحاكم الكندية، ولم يطلقها زوجها: فإن طلاق تلك المحاكم لا يقع ، وإنما الطلاق للزوج دون غيره.

* قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: ( إِنَّمَا الطَّلاقُ لِمَن أَخَذَ بِالسَّاقِ ) – رواه ابن ماجه وحسَّنه الألباني -، وقد أضاف الله تعالى النكاح، والطلاق، للزوج نفسه، فقال الله تعالى: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ) الأحزاب/  49، فأضاف الله الطلاق للناكح، فيكون الطلاق بيده.

” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 12 / 490 ).

  1. وما تحصِّله المرأة من مالٍ يؤخذ من زوجها، خلافًا لما شرعه الله تعالى لها: فهو سحت، وحرام، لا يكون ملكًا لها، ولا يحل لها الانتفاع به، والقوانين الغربية الجائرة التي تجعل الزوجة شريكة لزوجها بماله: لا ينبغي للمسلمة الأخذ به؛ فهو حكم طاغوت.

وعليه: فإن طلقت الحكومة الكندية تلك المرأة، أو طلقها زوجها برغبة منه، وأخذت نصف ماله بقرار من القاضي الكافر: فهو مال سحت تأكله، وإنما لها مهرها إن طلقها زوجها رغبة منه، وليس لها شيء في حال أن تخالعه هي، إلا أن يتنازل هو عن مطالبته، ويبذل لها ما بقي من مقدم صداقها، ويبذل لها مؤخره، وهي آثمة بتحاكمها لتلك المحاكم الكافرة.

 

فالحل لها: أن ترضى بزواج زوجها، وأن ترجع لبلدها، وأن تذكِّره بالله تعالى أن يعدل بينها وبين زوجته الأخرى، فإن لم تطق العيش بسبب زواجه الثاني: فلتخلع نفسها، ببذل مهرها له، أو بما يطلبه منها، فإن رضي أن يعطيها مهرها ويطلقها: فلا حرج، والوصية للزوج أن يتقي الله في زوجته الأولى، ولا يفرط بها، ولا بأولاده، وليعلم أن الطلاق أحب الأعمال لإبليس، يفرّق فيه بين الأحبة، ويشرَّد فيه الأولاد، وتعرَّض فيها المرأة للإهانة، فاجعله لا يكون إلا عند تعذر الحياة بينك وبين زوجتك، واستحالتها.

 

 

والله أعلم.

 

حكم تمثيل الأحاديث النبوية، ووضع صور توضيحية أثناء قراءة القرآن

حكم تمثيل الأحاديث النبوية، ووضع صور توضيحية أثناء قراءة القرآن

السؤال:

هناك قنوات تأتي ببعض الأحاديث، وتمثلها، وتأتي ببعض الآيات، وتكون الخلفية على نفس الآية، يعني: إذا كانت الآيات تتحدث عن الجنَّة، فيأتون بصور حدائق، ماحكم ذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قد اطلعنا على جملة من مقاطع مصورة فيها تمثيل لأحاديث نبوية، وكان ذلك تحديدًا في ” قناة المجد “، ويمكن تقسيم ما رأيناه إلى أقسام ثلاثة:

  1. مقاطع قرَّبت الصورة في فهم الحديث، وليس فيها محذور شرعي، وهي الأكثر، وأكثر ما كان ذلك في ” أمثال الحديث “، وسبب ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم يخبر في تلك الأحاديث الصحيحة عن أفعال، أو أحوال، وقد قرِّبت حقيقة تلك الأفعال والأحوال بمشهد تمثيلي، وليس في ذلك المشهد قيام بدور صحابي، ولا شخص كافر، ولا غيره مما يمكن أن يكون فيه محذور شرعي.

ومن أمثلة ذلك مما رأيناه:

أ. عن أبي هريرة قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( مَثَلِى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا … ). رواه مسلم ( 2248 ).

وفي المقطع المرئي: رجل أوقد نارًا، وفراشات، ودواب، اجتمعن عليها، ووقعن فيها، وهو يذبها عن النار، وهو أمر مطابق لما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم من أمرٍ يتكرر مع كل من يوقد نارًا في صحراء، أو فضاء.

 

ب. عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَثَلُ الْقَلْبِ مَثَلُ الرِّيشَةِ تُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ بِفَلَاةٍ ).

رواه ابن ماجه ( 88 )، وصححه الألباني في ” صحيح ابن ماجه “.

وفي المقطع المرئي: ريشة تتقلب في فلاة بفعل الرياح، وهو أمر مطابق لما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من مثَل، وشبَّه تقلب القلب به.

 

 

 

 

ج. عن ابن عمر رضي اله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( مَثَلُ المُؤْمِنِ مَثَلُ النَّخْلَةِ مَا أَخَذْتَ مِنْهَا مِنْ شَيْءٍ نَفَعَكَ ).

رواه الطبراني ( 12 / 411 )وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة “( 2285).

وفي المقطع المرئي: نخلة يؤخذ منها أجزاء منها، وتستعمل فيما ينتفع به الناس، وهو أمر مطابق يقرِّب الصورة لذهن من يستمع الحديث، ويراه واقعاً عمليًّا.

والأمثلة على هذا القسم كثيرة.

 

  1. مقاطع لم يُحسن تقريب الصورة لمعنى الحديث لأذهان من رآه؛ للبعد عن الصورة الحقيقية، وبين المشهد التمثيلي.

ومن أمثلة ما رأيناه في ذلك:

أ. عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَالْبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ ). رواه مسلم ( 779 ).

والمقطع المرئي وإن كان فيه صورتين متقابلتين لبيت يُذكر الله فيه، وآخر فيه غفلة عن ذلك: لكنه لم يظهر فيه الفرق بين الحياة، والموت.

ب. عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ). رواه مسلم ( 2585 ).

والمقطع المرئي لم يعبِّر عن حقيقة تداعي البدن لشكوى عضو منه، بل كانت الصورة لمريض لم تظهر عليه أعراض الحمى، ولا السهر، بل كان نائمًا!.

 

  1. ومن أسوء ما رأيناه، وقفَّ شعرنا من مشاهدته: هو مقطع تمثيلي لرجل ذهب يغرس فسيلة، فصوِّر وقوع يوم القيامة ! فاستمر في غرسها، وفي ظنِّ القائمين على إنشاء هذا المقطع أن الأمر مطابق لحديث أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ ) رواه أحمد ( 20 / 296 ) وصححه محققوا المسند.

وكنَّا أثناء تصنيف ما رأينا من مقاطع أن يكون هذا المشهد هو مثال لما يجوز فعله، ولا نشره، وكنَّا نود التفصيل في بيان السبب، ثم وقع لنا كلام للشيخ العلامة عبد الرحمن البرَّاك حفظه الله، وقد سئل عن هذا المطع تحديدًا، فأنكره، وبيَّن السبب، فنكتفي بذِكر ما قاله الشيخ حفظه الله، فهو خير مما كنا نود كتابته.

 

 

 

 

* سئل الشيخ عبد الرحمن البرَّاك – حفظه الله -:

في قناة ” المجد ” مقطع بعنوان ( أمثال الحديث النبوي ) وقد عرضوا فيه صورة رجل يحمل معه فسيلة نخل، ثم عرضوا في السماء بروقًا، وسحابًا أسود، وأصواتًا، ورعودًا، ثم ظهر على الشاشة نص حديث ” إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها )، ثم قام الرجل بغرس النخلة، وانتهى المقطع، فما حكم هذا العمل؟.

فأجاب :

الحمد لله، من الأمور المسلَّمة أن حسن القصد لا يُسوِّغ الوسيل ، بل غاية ما يحصل: رفع الإثم، إذا لم تكن المخالفة الشرعية مشوبة بهوى، وحقائق الغيب من الماضي، والحاضر، والمستقبل لا يمكن تصورها، فضلًا عن تصويرها! ومِن ذلك : أحوال القيامة؛ كالبعث، والصراط، والميزان، وما يسبق ذلك من النفخ في الصور، وما ينشأ عنه من فزع، وصعق، وتغيرات في العالم العلوي، والسفلي، وما يصاحب ذلك من أهوال .

وما تضمنه هذا الحديث المذكور في السؤال: يفهمه كل مَن يفهم العربية، فإنه يعرف معنى النخلة، ويعرف معنى الغر ، ومعنى الرجل، وإن كان لا يتصور حقيقة الهول، فلا معنى لتوضيح الواضح  ولا يمكن تصور الهول عند قيام الساعة، وهذا الحديث إن كان صحيحًا: فمقصوده: المبالغة في الحث على غرس الشجر المثمر؛ لما فيه مِن النفع العام، والأجر المترتب على ذلك .

ومعلوم أنه إذا قامت الساعة: فلن يُستطاع غرس، ولا يُرجى، ولا يُجنى ثمر، فقد ذهب ما هنالك، وانشغل كلٌّ بنفسه .

إذا ثبت هذا: فنحب من إخواننا القائمين على ” قناة المجد ” وفقهم الله أن يتجنبوا تمثيل الغيبيات، ويكتفوا بذِكر النصوص، وتفسير، وشرح ، ما تدعو إليه الحاجة، فجزاهم الله خيرًا على ما أرادوا، وقدموا من الخير، وعفا عما يقع من أخطاء، إنه تعالى سميع الدعاء، ومما يلاحظ على هذا المقطع: أن عنوانه غير مطابق لمضمونه، وكأن الذي وضع العنوان اختلط عليه المثل بالتمثيل الاصطلاحي، فإن هذا الحديث ليس من ” أمثال الحديث “، وإنما أضيف إليه التمثيل، وصلَّى الله وسلم على محمَّد

http://www.7-oob.net/vb/showthread.php?t=2066

وفي ظننا أن أحاديث الأمثال هي أبعد ما يكون عن الوقوع في المحذور الشرعي؛ لأن الحديث فيها – كما قلنا سابقًا – عن أفعال للناس، وأحوال لهم، ولغيرهم، مما يمكن تصويره، وتقديمه للمشاهد؛ لتقريب الصورة لذهنه، بخلاف الأحاديث من غير الأمثال، فإن الوقوع في تمثيلها في المحذور محتمل، وإن كان الحديث في أمرٍ غيبي: صار الوقوع في المحذور حتميًّا، فالابتعاد عن الثاني: واجب، وعن الأول: أسلم.

ومن أشهر الكتب التي اعتنت بالأمثال: كتاب ” الأمثال ” للقاضي الرامَهُرْمزي، وكتاب ” الأمثال ” لأبي الشيخ الأصبهاني، وكلاهما مطبوع.

 

ثانيًا:

وقد قرأنا لمن يُنكر مثل ذلك التمثيل لأحاديث الأمثال، ولم نره أصاب في قوله، وبيان ذلك من وجوه:

  1. أن الفعل نفسه ليس بعبادة يفعلونه من أجل التقرب إلى الله.
  2. أن الأمثال بحد ذاتها هي لتقريب الشيء مراد إيصاله للناس، فما يحصل من تمثيل لذلك المثال ليس فيه ما يُنكر، وهو مؤدٍ لدور المثال نفسه.
  3. استعمل النبي صلى الله عليه وسلم طرقًا كثيرة من أجل إيصال معانٍ جليلة للصحابة، ومن ذلك:

أ. تقريب معنى رحمة الله تعالى بالعباد بصورة واقعية لامرأة وابنها:

عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ قُلْنَا لَا وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ فَقَالَ لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا ).

رواه البخاري ( 5653 ) ومسلم ( 2754 ).

ب. تقريب معنى رؤية الله تعالى برؤية شيء محسوس مشاهَد.

عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً يَعْنِي الْبَدْرَ فَقَالَ: ( إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ). رواه البخاري ( 529 ) ومسلم ( 633 ) .

  1. استعمال النبي صلى الله عليه وسلم للرسم لتوضيح الصورة في أذهان من يراه.

ومن أمثلة ذلك:

أ. مسند أحمد م/50 مؤسسة الرسالة – (7 / 206)عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّاً ثُمَّ قَالَ: ( هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ ) ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ قَالَ: ( هَذِهِ سُبُلٌ مُتَفَرِّقَةٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ: ( إِنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ).

رواه أحمد ( 7 / 208 ) وحسَّنه المحققون.

ب. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مسْعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا مُرَبَّعًا وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ وَخَطَّ خُطَطًا صِغَاراً إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ، وَقَالَ: ( هَذَا الْإِنْسَانُ وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ – أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ- وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ وَهَذِهِ الْخُطَطُ الصِّغَارُ الْأَعْرَاضُ فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا ). رواه البخاري ( 6054 ).

وهذا الحديثان فيهما ردٌّ على من أنكر مثل ذلك التمثيل للأمثال، وكان قد زعم في ردِّه عدم وجود رسم توضيحي للأحاديث في فعل السلف، وها نحن نذكره عن نبي الأمة صلى الله عليه وسلم.

  1. والسلف والخلف لا يمانعون – بل منهم من يباشر ذلك بفعله – من تدريس الفرائض بصنع ” جداول “، وبعضهم يدرِّس الأسانيد برسم ” شجرة ” لرجال الإسناد، ولا يمنعون من تدريس السيرة باستعمال ” الخرائط ” التوضيحية.

فالتشدد يحسنه كل أحد، وإنما الفقه أخذ الرخصة عن ثقة، كما يروى عن سفيان الثوري رحمه الله، ولا بأس من وضع شروط، وضوابط، لتجويز الفعل، وأما المنع بالكلية: فلا يسلم.

ثالثًا:

وأما جعل لوحات خلفية تعبيرية وتصويرية مع قراءة القرآن: فلا نجوزه، وليس هذا الأمر يشبه بحال ما سبق ذِكره، والتدليل عليه؛ لأسباب، منها:

  1. أن واقع الآيات القرآنية يمنع أن تكون صورة تعبِّر عن مراد الله تعالى منها؛ لأن الغالب على الآيات القرآنية أنها تحوي معانٍ متعددة، وفي كل كلمة من القرآن إعجاز بلاغي، فالصورة التي ستكون مع القراءة ستعطل التأمل في الآية لينصرف الذهن لكلمة فيها، كصورة فاكهة، أو نهر، أو غير ذلك.
  2. وجود صورة مع قراءة الآيات قد يأتي بغير المراد من الآية، فمثلًا: وضع صورة جبل مع قراءة قوله تعالى ( وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً ) طـه/ 105: من شأنه أن يصرف الذهن عن المراد من التهويل بما يحدث يوم القيامة، فالجبل لا يكاد يجهله أحد، وأما النسف له: فهي الصورة التي لا يمكن لأحدٍ أن يصورها في ذهن الناس، فضلًا عن تصويرها!.
  3. وضع الصور مع قراءة لا يطابق الواقع في الآخرة، فصورة الأشجار، والفاكهة، والأنهار، وغيرها مما يشبهها: ليست هي ذاتها التي في الآخرة، وإنما الاشتراك بينهما في الأسماء، لا غير، فصار وضع تلك الصور مع القراءة لا يعبِّر عن الحقيقة.
  4. قد تشتمل الآية على معنيين متقابلين، فكيف يمكن جمع ذلك في وقت واحد أثناء قراءة الآية؟! وهذا الأمر من خصائص القرآن، ولذا فمن المستحيل تقريب الصورة لذهن المستمع عن طريق الصورة، وذلك مثل قوله تعالى ( َبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ) الحجر/ 49 ، 50، مثل قوله تعالى : ( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) النساء/ 165.

بل فليقولوا لنا كيف يمكنهم وضع صور مع قراءة ” آية الكرسي “، أو ” آية الدَّين “؟! فصار ما يريدون فعله ليس له نصيب من الواقع، فضلًا عن الصحة.

  1. وأخيرًا: فقد أمر المسلمون عند سماع القرآن بالاستماع والإنصات، ومن شأن النظر في الصور والمشاهد أن يمنع من تفكر القلب، والتدبر بآيات الله تعالى، ومثل هذا ليس مأمورًا به من استمع لحديث النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذه فتاوى في التحذير من هذا الفعل، وعدم جوازه:

أ. * سئل علماء اللجنة الدائمة:

ما حكم رسم الصور التي تعبر عن الآيات، مثل من يرسم الإبل ويكتب تحتها قوله تعالى: ( أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ) الغاشية/ 17 وهكذا، آملين إصدار فتوى بهذا الشأن

فأجابوا:

تفسير آيات القرآن بالرسوم والصور المعبرة عن أحداث القصص من الأشخاص، من أنبياء الله ورسله – عليهم الصلاة والسلام – والصالحين من عباده، أو من الكفار والشياطين، وما فيها من ذكر جماعات من شجر ونحوه: كل هذا تفسير بدعيٌّ محرَّم لا يجوز فعله، ولا طبعه ولا نشره، ويجب الامتناع عنه، ومنع تداوله مهما كانت نية صاحبه حسنة، كدعوى تقريب فهم الآيات للصغار، أو لحديثي العهد بالإسلام، أو غير ذلك من الأسباب؛ وذلك لما تشتمل عليه هذه الطريقة في تفسير كتاب الله تعالى من المحاذير الشرعية، ومنها:

  1. أن هذا العمل سواء كان لرسوم ما فيه روح أو لشجر ونحوه: عمل مبتدع في تفسير كتاب الله عز وجل ، يخالف منهج علماء الأمة قديمًا وحديثًا، وليس هو من طرق التفسير المعروفة عندهم.
  2. أن هذا العمل فيه استهانة بحرمة كتاب الله عز وجل، واستخفاف بمعانيه العظيمة
  3. أن هذا العمل وسيلة للتلاعب بتفسير كتاب الله تعالى بالطرق التي لم يشرعها سبحانه .
  4. في هذا العمل تمثيل للأنبياء والمرسلين ، وتعريضهم للضحك والاستهانة والاستخفاف بهم، ففاعله على خطر عظيم، والاستهزاء والاستهانة بنبي كفر عظيم بنص القرآن العظيم .
  5. رسم صور الأنبياء المتخيلة سبب ظاهر لفتنة الشرك بالله تعالى ونقض التوحيد، كما قص الله علينا خبر الذين اتخذوا ودًّا وسواعًا ويغوث ويعوق ونسرًا، فقال تعالى: ( وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا. وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا ) نوح/ 23 ، 24، فالشرك إنما وقع في قوم نوح لما صوروا هؤلاء الصالحين، ونصبوا صورهم في مجالسهم، فآلت بهم الحال إلى عبادتهم .
  6. أن تصوير ذوات الأرواح حرام؛ لدلالة كثير من الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح والسنن والمسانيد على تحريم تصوير كل ذي روح آدميّاً كان أو غيره، وهتك الستور التي فيها الصور، والأمر بطمس الصور، ولعن المصورين وبيان أنهم أشد الناس عذابا يوم القيامة، ونحن نذكر لكم جملة من الأحاديث الصحيحة الواردة في هذا الباب. ففي (الصحيحين) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: ( قال الله عز وجل : ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة ) وهذا لفظ مسلم.

وفيهما – أيضًا- عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -: ( إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون )، ولهما عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم ) هذا لفظ البخاري.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم وقد سترتُ سهوة لي بقرام فيه تماثيل، فلما رآه هتكه وتلون وجهه، وقال: ( يا عائشة، أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله ) قالت عائشة: فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين. رواه مسلم، وغيره من الأحاديث الكثيرة.

علمًا أن هذه الطريقة كما يحرم عملها في تفسير آيات القرآن العظيم، فكذلك يحرم عملها في شرح أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم؛ للاشتمال على هذه المحاذير الشرعية نفسه .الشيخ عبد العزيز بن باز، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد.

” فتاوى اللجنة الدائمة ” المجموعة الثانية ( 1 / 307 – 310 ).

ب. * سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

ما حكم رسم بستان كأنه يمثل الجنة ، ونار كأنها تمثل النار؟.

فأجاب:

هذا لا يجوز؛ لأننا لا نعلم كيفية ذلك ، كما قال عز وجل: ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) السجدة/ 17، ولا يعلم كيفية النار، هي فضلت على نار الدنيا بتسع وستين جزءاً بما فيها النار الغليظة كنار الغاز، وغيرها، وما هو أشد، فهل أحد يستطيع أن يمثل النار؟ لا أحد يستطيع، ولهذا بلِّغ من يفعل ذلك أن هذا حرام، ومع الأسف الشديد أن الناس الآن بدؤوا يجعلون الأمور الأخروية كأنها أمور حسيَّة مشاهَدة.

رأيتُ ورقةً مكتوب فيها مُربَّعات: ” الموت “، خطّ، مُربَّع آخر: ” القبر “، خطّ ، مُربَّع آخر: ” القِيامة “، وهكذا، هذا كأنَّه صَوَّرَ ما بعد الموت خُطوطا، ومُربَّعات هندسيَّ، جُرأة عظيمة! – والعياذ بالله -.

ثُمَّ يقال: ما الَّذي أدراك أنَّ هذا بعد هذا؟ نحن نعلم أنَّ القبر بعد الحياة الدُّنيا، وأنَّ البعث بعد القبر، لكنْ: تفاصيل ما يكون يوم القيامة مِنَ الحساب والموازين وغير ذلك: مَنْ يعلم التَّرتيب؟ لكنْ: هذه جرأة عظيمة! والغريب أنَّ هذه الورقة تُوزَّع! لكنَّها مِنْ جُملة ما يُوزَّع الآن على النَّاس مِنَ الأوراق المكذوبة على الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام ، فيجب الحذر والتَّحذير من هذه الأوراق.

” لقاءات الباب المفتوح ” ( 220 / السؤال 14 ).

ج. * وسئل الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله -:

نرى على بعض الإعلانات التي تكون على بعض الأشرطة لبعض الدعاة رسوماً ، كالأنهار، والزروع، إذا كان الحديث عن الجنَّة، ويرسمون ظلاًّ يزعمون به محاكاة ظل الشيطان إذ كان الكلام عن شرٍّ، فهل هذه الأفعال جائزة؟.

فأجاب:

هذه الرسومات فيها ادعاء لعلم الغيب الذي ما يعلمه إلا الله، الجنَّة ما يعلمها إلا الله، والنار لا يعلمها إلا الله، ولا يجوز أنها تصور النار، أو الجنة، أو الصراط، على ورق، وهذا من الجهل.

” الإجابات المهمة في المشاكل الملمة ” ( 2 / 106 و 107 ).

 

والله أعلم.

 

 

 

 

تفصيل القول في أحوال الدعاء للكفار بالهداية، والدعاء عليهم بالهلاك

تفصيل القول في أحوال الدعاء للكفار بالهداية، والدعاء عليهم بالهلاك

السؤال:

بطبيعة الحال: ندعو للكفار، والضالين، بالهداية إلى ديننا الحنيف، ولكن بعد الأحداث التي جرت في ” غزَّة ” الأبية، وما حلَّ بهم من جرَّاء العدوان مِن قبَل اليهود، فهل يكون دعاؤنا بهدايتهم، أم بهلاكهم؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الدعاء للكفار لا يخلو من أن يكون في حياتهم، أو بعد مماتهم، فإن كان في حياتهم جاز الدعاء لهم بالهداية، وإن كان بعد مماتهم على ظاهر حالهم: فلا يحل الدعاء لهم بالمغفرة؛ للنهي عن ذلك في الكتاب والسنَّة، قال تعالى: ( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) التوبة/ 80، وقال تعالى: ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) التوبة/113.

وسبب ذلك: أن هدايتهم في الدنيا ممكنة، وقد حصلت لكثيرين، وأما المغفرة لهم في الآخرة: فمستحيلة؛ لأن الله تعالى أخبر بذلك عن نفسه أنه لا يغفر لمن لقيه مشركًا، أو كافرًا، قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ) النساء/ 48.

وأما الدعاء لهم في الدنيا بالهداية: فجائز، ولو كانوا ظالمين معتدين، وسواء كان ذلك الدعاء لأفراد بأعينهم، أو لقوم وجماعات.

أ. ومما جاء في الدعاء لفردٍ بعينه وإن كان ظالماً معتديًا:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلاَمِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَدَعَوْتُهَا يَوْما… فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا أَبْكِي قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلاَمِ فَتَأْبَى عَلَىَّ فَدَعَوْتُهَا الْيَوْمَ فَأَسْمَعَتْنِي فِيكَ مَا أَكْرَهُ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( اللَّهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ)… فَفَتَحَتِ الْبَابَ ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. رواه مسلم ( 2491 ).

فها هي تنال من النبي صلى الله عليه وسلم، وتُسمع ابنها في نبيه ما يكره، ولا يمنع ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم من الدعاء لها بالهداية، فيتم لابنها ما أراد ويهديها ربها تعالى.

 

ب. ومما جاء في الدعاء لقومٍ:

ما رواه البخاري رحمه الله تحت بَابُ ” الدُّعَاءِ لِلْمُشْرِكِينَ بِالْهُدَى لِيَتَأَلَّفَهُمْ “:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّ دَوْسًا قَدْ عَصَتْ وَأَبَتْ، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: ( اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْساً وَأْتِ بِهِمْ ).  رواه البخاري ( 2937 ) ومسلم ( 2524 ).

وقد استجاب الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم، وجاء بهم أجمعين مهتدين.

 

ثانيًا:

ولا يناقض ما سبق من الدعاء للكفار أن يُدعى عليهم بالهلاك؛ وذلك أن الدعاء الوارد في السنَّة مما فيه دعاء على الكفار إنما كان على ” الظالمين “، و ” المعتدين “، و ” مَن لا يُرجى خيره، ويُخشى ضره “، و ” المحاربين “، فمثل هؤلاء لا يُنكر على من دعا عليهم، سواء دعاء على فردٍ بعينه، أو على قوم.

ومما جاء في الدعاء على الكفار:

  1. الدعاء على الكفار الحربيين:

أ. الدعاء على فرد بعينه:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ. رواه البخاري ( 4284 ).

هذا لفظ البخاري، وفي الصحيحين ذِكر أسماء بعض المسلمين، وذِكر اسم قبيلة من الكفار.

ولفظه عندهما:( اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ).

* قال ولي الدين العراقي – رحمه الله -:

فيه حجة على أبي حنيفة في منعه أن يُدعى لمعين، أو على معيَّن في الصلاة، وخالفه الجمهور، فجوزوا ذلك؛ لهذا الحديث، وغيره من الأحاديث الصحيحة .

” طرح التثريب ” ( 2 / 291 ).

* وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وينبغي للقانت أن يدعو عند كل نازلة بالدعاء المناسب لتلك النازلة، وإذا سمَّى مَن يدعو لهم مِن المؤمنين، ومَن يدعو عليهم مِن الكافرين المحاربين: كان ذلك حسنًا. ” مجموع الفتاوى ” ( 22 / 271 ).

 

 

 

ب. الدعاء على جماعات، وقبائل من الكفار المحاربين:

عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحْزَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ.

رواه البخاري ( 2773 ) ومسلم ( 627 ).

* قال ابن دقيق العيد – رحمه الله -:

وفي الحديث: دليل على جواز الدعاء على الكفار بمثل هذا.

” إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ” ( ص 101 ).

وعنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: ( اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ سَرِيعَ الْحِسَابِ اللَّهُمَّ اهْزِمْ الْأَحْزَابَ اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ ).

رواه البخاري ( 2775 ) ومسلم (1742 ).

– ( الأحزاب ): قريش، وغطفان، ومن ناصرهما.

  1. الدعاء على الكفار غير الحربيين، من الظالمين، والمعتدين:

أ. الدعاء على الأفراد منهم:

عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ( اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ، وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ ). رواه البخاري ( 237 ) ومسلم ( 1794 ).

– ( القليب ): البئر القديمة.

ب. الدعاء على قبائل ، وجماعات ، منهم :

عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ( اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ ) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.

رواه البخاري ( 237 ) ومسلم ( 1794 ).

  1. الدعاء على الكفار ممن لا يُرجى خيرهم، ويُخشى ضرهم:

عنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ إِلَيْنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ ). رواه البخاري (6011 ).

* قال العيني – رحمه الله -:

وإنما خصَّ ” الجحفة ” لأنها كانت يومئذ دار شرك، وقال الخطابي: وكان أهل الجحفة إذ ذاك يهودًا، وكان كثيرًا ما يدعو على مَن لم يجبهم إلى دار الإسلام إذا خاف منه معونة أهل الكفر، ويسأل الله أن يبتليهم بما يشغلهم عنه، وقد دعا على قومه أهل مكة حين يئس منهم فقال: ( اللهم أعنِّي عليهم بسبع كسبع يوسف ) ودعا على أهل الجحفة بالحمى ليشغلهم بها، فلم تزل الجحفة من يومئذ أكثر بلاد الله حمَّى، وإنه ليتقى شرب الماء من عينها الذي يقال له ” عين حم ” فقلَّ مَن شرب منه إلا حُمَّ، ولما دعا عليه الصلاة و السلام بذلك الدعاء لم يبق أحد من أهل الجحفة إلا أخذته الحمَّى .

” عمدة القاري شرح صحيح البخاري ” ( 10 / 251 ).

* وقال الزرقاني – رحمه الله -:

ففيه جواز الدعاء على الكفار بالأمراض والهلاك، وللمسلمين بالصحة.

” شرح الزرقاني على موطأ مالك ” ( 4 / 287 ).

* وقال ابن بطال – رحمه الله -:

كان الرسول يحب دخول الناس فى الإسلام، فكان لا يَعجل بالدعاء عليهم ما دام يطمع في إجابتهم إلى الإسلام، بل كان يدعو لمَن كان يرجو منه الإنابة، ومَن لا يرجوه، ويَخشى ضره، وشوكته: يدعو عليه ، كما دعا عليهم بسنين كسني يوسف، ودعا على صناديد قريش، لكثرة أذاهم وعداوتهم ، فأجيبت دعوته فيهم، فقتلوا ببدر ، كما أسلم كثير ممن دعا له بالهدى . ” شرح صحيح البخاري ” ( 5 / 114 ).

* وقال العيني – رحمه الله -:

وقد ذكرنا أن دعاء النبي على حالتين: إحداهما: أنه يدعو لهم إذا أمِن غائلتهم، ورجا هدايتهم، والأخرى: أنه يدعو عليهم إذا اشتدت شوكتهم، وكثر أذاهم، ولم يأمن مِن شرهم على المسلمين. ” عمدة القاري شرح صحيح البخاري ” ( 21 / 443 ).

والخلاصة:

  1. جواز الدعاء على الكفار الظالمين، والمعتدين، على المسلمين.
  2. جواز الدعاء لهم بالهداية.
  3. جواز الدعاء على المحاربين من الكفار.
  4. نرى عدم جواز الدعاء لعموم الكفار بالهداية، ولا الدعاء على عمومهم بالهلاك؛ لأن كليهما لا يمكن تحققه، فهو اعتداء في الدعاء.
  5. قد كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم تخصيص الدعاء على المحاربين من الكفار، والظالمين، والمعتدين، دون تعميم ذلك إلا أن يكون الدعاء على قبائل تحميهم، وبلدان تأويهم.
  6. لا تقدم الدعاء بالهداية لليهود المحتلين لأرض المسلمين، والمقاتلين للمستضعفين، على الدعاء بالهلاك، والاستئصال -، ومثلهم إخوانهم المجوس، والهندوس، وكل من يحارب الإسلام ويقاتل المسلمين – وهو فعل النبي صلى الله عليه وسلم – كما سبق – في قنوت النوازل، وهو هدي الصحابة الكرام رضي الله عنهم.

عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: أَنَّ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ ” … اللَّهُمَّ الْعَنْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَيُكُذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَكَ اللَّهُمَّ خَالِفْ بَيْنَ كَلِمَتِهِمَ، وَزَلْزِلْ أَقْدَامَهُمْ، وَأَنْزِلْ بِهِمْ بَأْسَكَ الَّذِى لاَ تَرُدُّهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ “. رواه عبد الرزاق في ” المصنف ” ( 3 / 111 )، والبيهقي في ” السنن الكبرى ” ( 2 / 210 ) وصححه.

* قال النووي – رحمه الله -:

وقوله ” اللهم عذب كفرة أهل الكتاب ” إنما اقتصر على أهل الكتاب لأنهم الذين كانوا يقاتلون المسلمين في ذلك العصر، وأما الآن: فالمختار أن يقال: ” عذِّب الكفرة ” ليعم أهل الكتاب وغيرهم من الكفار؛ فإن الحاجة إلى الدعاء على غيرهم أكثر. ” المجموع شرح المهذب ” ( 3 / 498 ).

 

والله أعلم.

 

 

يريد التفرغ في مكة للعبادة، والدعوة إلى الله من غير دراسة ولا عمل!

يريد التفرغ في مكة للعبادة، والدعوة إلى الله من غير دراسة ولا عمل!

السؤال:

أنا أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم وجّهنا إلى أن نجتهد في أمور الدنيا، كما نجتهد في أمور الآخرة، ولكني أرى بعض الناس يبالغ في ذلك ، فيضعون همهم على أمور الدنيا، ويتنافسون في تحصيلها، فعلى سبيل المثال: الدراسة الجامعية بعد الثانوية، أرى أن البعض يبالغ بالاهتمام بها، وأنها هي الطريق إلى إيجاد عمل كريم، بالنسبة لي أنا: فلا أريد أن أكمل الدراسة الجامعية، ولا اهتم بموضوع الشهادة هذه، فكل ما أريده هو الذهاب إلى مكة، والعيش هناك، والصلاة في الحرم، والدعوة إلى الله، فما رأيكم في ذلك؟ وماذا يتوجب عليَّ فعله بعد الثانوية؟.

 

الجواب:

الحمد لله

اهتمام الإنسان وتفكره بأمر الآخرة: دليل على حسن استقامته، فحال أكثر الناس اليوم: الاهتمام بأمر الدنيا، وإغفال أمر الآخرة، فجزى الله السائل على هذه الهمة, ووفقه, وثبتنا وإياه على طريق الهداية.

أخي السائل الفاضل:

يقول الله تبارك وتعالى: ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) القصص/ 77.

* قال ابن كثير – رحمه الله – في شرح هذه الآية -:

أي: استعمل ما وهبك الله من هذا المال الجزيل، والنعمة الطائلة، في طاعة ربك، والتقرب إليه بأنواع القربات، التي يحصل لك بها الثواب في الدار الآخرة.

( وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ) أي: مما أباح الله فيها من المآكل، والمشارب، والملابس، والمساكن، والمناكح، فإن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا، ولأهلك عليك حقًّا، ولزَوْرك عليك حقّاً، فآت كل ذي حق حقه. ” تفسير ابن كثير ” ( 6 / 254 ).

* وقال السلف قديمًا:

اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا.

 

 

 

أخي الفاضل:

الإسلام وازَن بين أمر الدنيا، وأمر الآخرة, وجعل الدنيا مطية الآخرة، يستعين بها على طاعة الله بما وهب الله له من نِعَم لا تُعدُّ، ولا تُحصى, وبما سخَّر له من سماء ، وأرض، وجبال، وبحار، وأنهار، وغير ذلك.

وقد أمر الله بالضرب في الأرض، والسعي في عمارتها؛ استعانة على الأمر الأعظم، وهو أمر الآخرة، فالإسلام لا يأمر برهبانية النصارى، كما قال تعالى في ذمّها: ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ) الحديد/ 27، ولم يأت الإسلام بالمادية الصرفة التي يعيشها أغلب الأمم الكافرة، قال تعالى ذمّها: ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ) الروم/ 7، فدين الإسلام متوسط بين الطائفتين، أباح لنا التنعم بلذات الدنيا المباحة، وأباح أنواع الكسب، وفي الوقت نفسه جاء بالصلاة، والاعتكاف، والصيام، وليس بين الأمرين تناقض، فيكون المسلم موازِنًا بين أمر الدنيا، وأمر الآخرة، ولا يغلّ\ب جانبًا على آخر، وإلا هلك.

وأما أمر الشهادة, والدراسة بعد الثانوية: ليست غاية للمسلم، ولا ينبغي أن تكون كذلك، ولكنها وسيلة يستخدمها للكسب المباح؛ ليعف نفسه عن التطلع إلى الحرام، ويعف يده عن مدها للآخرين، وإذا استقرَّ عمل يدر عليه دخلا: أمكنه أن يعف نفسه بزوجة، ويقيم بذلك أسرة تكون لبنة في المجتمع الإسلامي، فصارت الدراسة ونيل الشهادة من طرق تحقيق غايته العظمى، وهي طاعة الله في الأرض، والدعوة إلى شريعته، فيستعين بها من أجل ذلك، لا غير، والعلماء يقولون: ” الوسائل لها حكم المقاصد “.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

لمَّا كانت المقاصد لا يُتوصل إليها إلا بأسباب، وطرق تفضي إليها: كانت طرقها، وأسبابها، تابعة لها، معتبرة به ؛ فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها: بحسب إفضائها إلى غاياتها، وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقرُبات في محبتها والإذن فيها: بحسب إفضائها إلى غايتها, فوسيلة المقصود تابعة للمقصود, وكلاهما مقصود، لكنه مقصود قصد الغايات، وهي مقصودة قصد الوسائل.

” إعلام الموقعين ”  ( 3 / 135 ).

ونحن نعلم عن أناسٍ يقدسون الدراسة الجامعية، ويحرصون أشد الحرص على الشهادات، ولذا نرى أهلهم يأخذون القروض الربوية من أجل ذلك، ونراهم يسفّرون ابنتهم من غير محرم لبلد آخر، ونراهم يُدخلون أولادهم – ذكورًا وإناًثا – في بيات مختلطة فاسدة، وكل ذلك من أجل الحصول على ” ورقة ” جامعية ، يعلقها على جدار منزله، أمام أقربائه، ولو كان ولده لم يعمل بها، ولو حصّلها من غير فهم لموادها ! وهؤلاء لا شك أنهم مذمومون، وأن عندهم من الآفات، والأمراض ما يجعلنا نؤخر الكلام عن حرصهم الشديد على ” الشهادات “.

واعلم أنه ليس كل العالَم يسعى للدراسة الجامعية لتحقيق مدخول مادي يعيش به، فكثيرون يختارون الأعمال الحرَّة، وكثيرون يختارون الأعمال المهنية، وكلاهما لا تحتاج لدراسة جامعية، فالأول يملك المال أصلًا، والثاني يملك مهنة تدر عليه دخلًا، فما حاجتهما لتضييع أوقاتهم بالدراسة الجامعية، أو حتى الثانوية؟!.

والمهم في ذلك كله:

أن لا يكون المسلم بطَّالًا، ولا عالة على أهله، أو على المحسنين، فهذا مذموم غاية الذم، ولا يحل له أن ينسب ما حاله للإسلام .

فالنصيحة للأخ السائل:

أن يوازن بين أمر الدنيا، وأمر الآخرة ، ولا يمانع أحدٌ أن يطيع ربه تعالى، ويطلب العلم، ويدعو إلى الله، لكن ليس على حساب كسله، وبطالته، وأن يكون عالة على أهله، أو مجتمعه، وليعلم أنه سيكون فاشلًا في دعوته، ولن يقبل الناس منه نصحًا، ولا توجيهًا، وهذا حاله، إلا أن يكون ذا مال، وله تجارة، أو عنده دخل يقتات منه، فهنا نحن أول من يشجعه على التفرغ للعبادة، والطاعة، والعلم، والدعوة.

* وإليك هذا المثال الجليل لما ذكرناه لك:

هذا عمر بن الخطاب يتناوب هو وأنصاري – رضي الله عنهما – على حضور حلَق العلم عند النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يجعلوا طلب الرزق معارضًا للعلْم، فجمعوا بينهما من غير تفريط في أحدهما.

عَنْ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنْ الْأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَهِيَ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَنْزِلُ يَوْمًا، وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ.

رواه البخاري ( 89 ) وبوَّب عليه بقوله: باب التناوب في العلم، ومسلم ( 1479 ) نحوه.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله – في تعداد فوائد هذا الأثر -:

وفيه: أن الطالب لا يغفل عن النظر في أمر معاشه؛ ليستعين على طلب العلم، وغيره، مع أخذه بالحزم في السؤال عما يفوته يوم غيبته؛ لما عُلم من حال ” عمر ” أنه كان يتعانى التجارة إذ ذاك. ” فتح الباري ” ( 1 / 186 ).

ولك في السلف المتقدمين – كذلك – أسوة حسنة، فقد كان منهم التاجر، والجزَّار، والصائغ، والحدَّاد، ولم يكن ذلك مانعاً لهم من حضور مجالس العلم مع النبي صلى الله عليه وسلم، وتبليغ دين الله.

 

ولك – كذلك – في المعاصرين أسوة حسنة، فهذا الشيخ الألباني كان يعمل في تصليح الساعات، وكان يطلب العلم، ويدعو إلى الله، وهذا الشيخ ابن باز كان قاضًيا، ثم مديرًا للجامعة الإسلامية، ثم رئيسًا لعدة هيئات علمية، ومفتيًا، ولم يمنعه كل ذلك من طلب العلم والدعوة إلى الله، وقد حافظ على دروس الفجر في عدة فنون إلى أن توفاه الله، ومثل هذا يُقال في الشيخ ابن عثيمين – رحمهم الله جميعًا – فقد كان مدرساً في الجامعة، وكان يطلب العلم ويعلِّم.

 

والله الموفق.

وقع في فتنة النساء فزنا ببغي، وقال لها ” أنا ملحد “! فما حكم فعله وقوله؟

وقع في فتنة النساء فزنا ببغي، وقال لها ” أنا ملحد “! فما حكم فعله وقوله؟

السؤال :

السائل يقول إنه نشأ نشأة إسلامية في بلد غربي، ويحكي كيف أن التمسك بالإسلام في الغرب صعب في ظل وجود جميع أنواع الفتن التي تحيط بالفرد، وأنه يشهد ضعف الإيمان من يوم لآخر، يقول: إنه يحب النساء كثيرًا، وإنه اعتاد أن يمارس العادة السرية، ولكن الرغبة تزداد أكثر وأكثر، إلى أن وقع في فخ الشيطان عندما ذهب إلى إحدى البغايا في إحدى ليالي رمضان، ليس فهذا، فحسب بل إنها عندما سألته هل أنت مسلم؟ قال لها: إنه ملحد! يستنصحكم ماذا يفعل وقد ارتكب هذه الكبيرة ونطق بهذا الكفر؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

أن ينشأ الإنسان على الإسلام لا شك أن هذه نعمة عظيمة، وفضل جليل من الله تعالى تجاه عبده المؤمن, وشكر هذه النعمة يكون بطاعته، واجتناب معصيته، وقد وعده ربه تعالى بالمزيد من النعَم في حال شكره لها – مع أن الرب تعالى لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين – فقال تعالى: ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ) إبراهيم/ 7.

وهذه الدنيا دار ابتلاء واختبار، فهذا يبتلى بالمال, وذك بالجاه, وآخر بالنساء قال تعالى: ( الم . أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) العنكبوت/ 1 – 3.

ولكنَّ المؤمن الذي استنار قلبه بنور الإيمان: لا تؤثر به الفتن، بل يدفعها الواحدة، تلو الأخرى ولا شك أن المؤمن إذا ضعف إيمانه: سهل عليه الوقوع في الفتن، وإذا قوي إيمانه كان منها في حصن حصينة.

وفتنة النساء فتنة حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ ).

رواه البخاري ( 4808 ) ومسلم ( 2740 ).

 

 

وقد دلنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على العصمة من هذه الفتنة، كما في حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ ). رواه البخاري ( 4779 ) ومسلم ( 1400 ).

فالزواج أعظم وقاية من هذه الفتنة, وأعظم علاج لها، فإن لم يقدر على الزواج: فليكثر من الصيام ليتحصل به على التقوى التي تحجزه عن الوقوع في المحرمات.

ومن العلاج كذلك: قطع الطريق على الفتنة بسلوك أول دربها، ونعني به: غض البصر، وهو من أعظم وسائل حفظ الفرج، ولذا فقد جمع الله بينهما في قوله تعالى ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) النور/ 30.

ومن الوسائل التي تعين على العصمة من فتنة النساء: الحرص على تقوية الإيمان، بالعبادة، والطاعة, والصحبة الصالحة, وطلب العلم الشرعي, وحضور مجالس العلم, والمداومة على الأذكار، والاستغفار, وقراءة القرآن.

ومنها: الحرص على إشغال الوقت بالنافع المفيد ما استطاع إلى ذلك، كممارسة الرياضة،  ونفسك إن لم تشغلها بالنفع والطاعة: أشغلتك بالمضرة والمعصية.

وأما ممارسة العادة السرية: فإن كان لجلب الشهوة: فهو فعل محرَّم، وأما إن كان لكبح جماح الشهوة، وكان يخشى الوقوع في الفاحشة: فيجوز له فعلها، بل يجب! وذلك من باب دفع أعلى المفسدتين بارتكاب أدناهما.

ثانيًا:

وأما التبرؤ من الإسلام في كلامه بقوله لتلك الفاجر ” أنه ملحد “: فهو على وجهين:

الأول: الأصل فيها أنها حكم بخروج قائلها من ملة الإسلام، وخاصة إن كان قصد حقيقة اللفظ ومعناه، فيكون بذلك كافرا، تجري عليه أحكام المرتدين، وتوبته تكون بالنطق بالشهادتين، والدخول في الإسلام من جديد.

والثاني: أن توجد قرينة تدل على صدقه في عدم قصد تلك الكلمة، أو أنه لم يقصد الكفر بقوله ذاك: فيكون بذلك فاعلاً لكبيرة من كبائر الذنوب، وعليه التوبة والاستغفار منها.

عن ثَابِت بْن الضَّحَّاكِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ ). رواه البخاري ( 5754 ) ومسلم ( 110 ).

وعن بُرَيْدَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ حَلَفَ فَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ فَإِنْ كَانَ كَاذِباً فَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْإِسْلَامِ سَالِماً ).

رواه أبو داود ( 3258 ) والنسائي ( 3772 ) وابن ماجه ( 2100 )، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

* قال النووي – رحمه الله -:

يحرم أن يقول ” إن فعلت كذا فأنا يهودي أو نصراني “، أو ” برئ من الإسلام “، ونحو ذلك، فإن قاله، وأراد حقيقة تعليق خروجه عن الإسلام بذلك: صار كافرًا في الحال، وجرت عليه أحكام المرتدين، وإن لم يرد ذلك: لم يكفر، لكن ارتكب محرَّمًا، فيجب عليه التوبة، وهي أن يقلع في الحال عن معصيته، ويندم على ما فعل، ويعزم على أن لا يعود إليه أبدًا، ويستغفر الله تعالى، ويقول: ” لا إله إلا الله محمد رسول الله “.

” الأذكار ” ( ص 359 ).

* وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

قال – أي: الحجاوي صاحب متن ” زاد المستقنع في اختصار المقنع ” -: ” وإن أتى بقول يخرجه عن الإسلام، مثل أن يقول: هو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، أو بريءٌ من الإسلام، أو القرآن، أو النبي عليه الصلاة والسلام، أو يعبد الصليب، ونحو ذلك على ما ذكروه في الأيمان “: فمن قال شيئًا من ذلك: فهو كافر مرتد، نأخذه بقوله هذا، فإن قال: ما أردتُ: فإن وُجدت قرينة تدل على صدقه: تركناه، وإن لم يوجد: فإننا نقتله، إلا أن يتوب . ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ”  ( 14 / 431 ).

رابعًا:

فالواجب على السائل, وقد لمسنا من سؤاله ندمًا – والندم توبة – أن يتوب إلى الله تعالى توبة صادقة، عسى الله أن يكفر عنه سيئاته، وأن يبدلها حسنات، ولو كانت توبة مما قاله من الكفر في قوله ” أنا ملحد “، قال تعالى: ( والذين لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا. يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا. إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا. وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ) الفرقان/ 68 – 71.

 

والله أعلم.

الرد المفصَّل على مَن زعم مِن الرافضة أن أبا بكر وعمر وابنتيهما حاولا قتل النبي!

الرد المفصَّل على مَن زعم مِن الرافضة أن أبا بكر وعمر وابنتيهما حاولا قتل النبي!

السؤال:

يا إخوان، أنا مسلم، سنَّي، ذات يوم جعلت أقلب في موقع ” اليوتيوب “، ورأيت مقاطع فيديو لأحد علماء الشيعة – على ما أعتقد أن اسمه ” ياسر الحبيب ” -، وكان حديثه عن أن عائشة هي مَن قتلت النبيَّ صلى الله عليه وسلم – والعياذ بالله!! -: وأن هناك ثلاث محاولات لقتل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ! من أبي بكر، وعمر بن الخطاب، رضوان الله عليهم عن طريق ابنتيهما حفصة، وعائشة، زوجات النبي صلى الله عليه وسلم  المحاولات الثلاثة مذكورة على الرابط التالي:

http://www.aldair.net/forum/archive/index.php/t-63667.html

وأكثر ما جعلني خائفًا هو حديث عائشة: لددنا رسولَ الله، في معنى الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن لدِّه، ولكنهم لدوه، وحينما استفاق سألهم، أو وبخهم، وغضب من عائشة، وبعدها مرض النبي، وتوفي، فيقول الشيعة: إن عائشة سممته!! لا حول ولا قوة إلا بالله:( أتمنى منكم الاطلاع على الرابط وموافاتي بالرد في أقرب وقت ممكن أرجوكم .. وجزيتم ألف خير … احترامي.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

قبل الإجابة على سؤالك أخي الفاضل لا بد من التنبه لأمرين:

  1. اعلم أن الرافضة أكذب الفرق المنتسبة للإسلام، وأن دينهم بُني على ذلك الكذب، وأنه ليس لهم أعداء يحقدون عليهم، ويسبونهم الليل والنهار أكثر من الصحابة رضي الله عنهم.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -:

وقد اتفق أهل العلم بالنقل، والرواية، والإسناد، على أن الرافضة أكذب الطوائف، والكذب فيهم قديم، ولهذا كان أئمة الإسلام يعلمون امتيازهم بكثرة الكذب.

قال الشافعي: لم أر أحداً أشهد بالزور من الرافضة.

وقال محمد بن سعيد الأصبهاني: سمعت شريكاً يقول: احمل العلم عن كل من لقيتَ إلا الرافضة؛ فإنهم يضعون الحديث، ويتخذونه دينًا.

” منهاج السنّة ” ( 1 / 59 ).

  1. واعلم أنه لا يجوز للمسلم أن ينظر في مواقع أهل البدع عمومًا، وأهل الرفض خصوصًا، ولا أن يقرأ كتبهم، إلا أن يكون متمكنًا من دينه، وعلى علم بمداخل، ومخارج أهل الضلال.

 

ثانيًا:

وما في الرابط المحال عليه في السؤال يؤكد ما قلناه من كون هذه الطائفة أكذب الفرق المنتسبة إلى الإسلام، وقد جمعوا مع كذبهم على دين الله: حقدهم العظيم على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وسبهم، وشتمهم، وتكفيرهم، وقذفهم لعائشة الطاهرة رضي الله عنها، فلا يعجب من يعلم ذلك عنهم عندما يقرأ مثل ذلك المقال المبني على الجهل، والكذب، والافتراء ، فقد زعم كاتبه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حاول اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، وقتله! وأنه فشل في محاولتين، ونجح في الثالثة! بالاشتراك مع أبي بكر الصدِّيق، وحفصة بنت عمر، وعائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهم جميعًا، والرد على هذا الزعم الضال يكون من وجوه إجمالية، وأخرى تفصيلية.

أما الرد من الوجوه الإجمالية:

  1. ثبت بما لا يدع مجالًا للشك أنه قد توفرت فرص كثيرة للصحابيين الجليلين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في الخلوة بالنبي صلى الله عليه وسلم، فهما وزيراه، وصاحباه، وقد زوجاه من ابنتيهما، وصاحبه الصدِّيق في الهجرة من مكة إلى المدينة في رحلة استغرقت عشرة أيام، وقد كان هذا معروفًا عند المسلمين والكفار، ولذا فقد اختارهما الصحابة الأجلاء أمراء عليهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فأنَّى لعاقل أن يزعم أنه لم تتوفر لمثل هؤلاء الصحابة إلا فرصة أو فرصتان لقتل النبي صلى الله عليه وسلم! بل هي فرص كثيرة، ولكننا نجزم أنه حتى الشيطان لم يكن يخطر بباله أن يوسوس بمثل هذا الفعل القبيح لأحد من أولئك الأجلاء الذين يفدون نبيهم بأنفسهم، وأموالهم، وأهليهم، والذين لا يقدمون محبة أحد على محبة نبيهم صلى الله عليه وسلم، فالزعم بأن أبا بكر وعمر أراد قتل النبي صلى الله عليه وسلم زعم باطل، يعلم قائله أنه سيصير أضحوكة بين العالَمين بسبب قوله الخبيث هذا، لكن لأنهم فقدوا الدين، والعقل، والحياء: فلم يعد يهمهم ما يقال عنهم، وكل همهم تفريغ حقدهم في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والسعي في تشويه صورتهم، وأنَّى لعاقل يرى هؤلاء الرافضة وما فعلوه في المسلمين قتلًا وتشريدًا، وما فعله سلفهم من الكيد والمكر في أهل السنَّة، أنَّى لعاقل أن يصدِّق ترهاتهم، وتنطلي عليه أكاذيبهم؟!.
  2. وقد كانت الفرص لقتله صلى الله عليه وسلم من قبَل نسائه أكثر، وخاصة عائشة رضي الله عنها، والتي كان لها ليلتان مع النبي صلى الله عليه وسلم كل تسع ليالٍ؛ فقد وهبتها سودة رضي الله عنها ليلتها، والنبي صلى الله عليه وسلم كان زوجًا لهن، يختلي بهن، وينام على فراشهن، وكل تلك السنين لم تتوفر فرصة لهن لقتله صلى الله عليه وسلم؟! هكذا يفكر الرافضة، وهذه هي عقولهم التي رضوا بتأجيرها لأشياخهم الفرس، فراحوا يعبثون بها ذات اليمين، وذات الشمال، وراحوا يزينون لهم الباطل لتصديقه، والخرافة لجعلها حقيقة، والشرك لجعله توحيدًا، والحمد لله الذي نزَّه عقول المسلمين من أن تتلوث بمثل هذه الأفكار، وقد أكرم الله عبيده بدين مطهَّر، وخصَّ نبيه صلى الله عليه وسلم بأشرف الناس بعد الأنبياء عليهم السلام لصحبته، وخصَّ أطهر النساء ليكنَّ زوجاتٍ له، وأمهات للمؤمنين، وإن مجرد التفكير بمثل تلك الترهات التي يزعمها الرافضة يبعث على الغثيان، فكيف أن تكون اعتقادًا ينام معها الواحد منهم ويقوم؟!.

وأما وجوه الرد التفصيلية:

  1. فقد ذكر الكاتب الرافضي، والذي رضي لنفسه بكنية ” أبو لؤلؤة “! أن أول محاولة اغتيال للنبي صلى الله عليه وسلم من قبَل عمر كانت قبل أن يُسلم! فهل هذا الكاتب المجوسي يعي ما يقول ويكتب؟! إذ كيف يعد نية عمر – حال شركه – قتل النبي صلى الله عليه وسلم من ” محاولات اغتياله “؟! لقد كان على دين مضاد للإسلام، وهو لمَّا يسلم بعد، فماذا تنتظر ممن هذا حاله؟ لقد اجتمع المشركون على قتاله صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة، وفي أكثر من غزوة، وهذا من الطبيعي أن يفعله من كان متلبسًا بالشرك، وله أرباب كثيرون، مع من يدعو إلى التوحيد، ويسفِّه تلك الأرباب والآلهة.

وهذا كله على فرض صحة القصة الواردة في مقاله! والتي فيها خروج عمر متهددا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، والصواب المقطوع به: أنها قصة منكرة، ليس لها إسناد صحيح سالم من علَّة، وأنَّى للرافضة أن يكون لهم نصيب من علم التحقيق والأسانيد؟!.

فالقصة المذكورة المشهورة في إسلام عمر بعد أن كان يريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم: رواها ابن سعد في ” الطبقات ” ( 3 / 267 – 269 )، والدارقطني في ” السنن ” ( 1 / 123 ) مختصرة، والحاكم في ” المستدرك ” (4/59 – 60) من طريق إسحاق بن الأزرق، عن القاسم بن عثمان البصري، عن أنس به.

والقاسم بن عثمان البصري هذا هو علَّة الحديث.

* قال الذهبي – رحمه الله – في ترجمته -:

القاسم بن عثمان البصري، عن أنس، قال البخاري: له أحاديث لا يتابع عليها.

قلت: حدَّث عنه إسحاق الأزرق بمتن محفوظ، وبقصة إسلام عمر؛ وهي منكرة جدًّا.

” ميزان الاعتدال ” ( 3 / 375 ).

  1. والمحاولة الثانية لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم كما يزعم الرافضي: حدثت بعد عودة النبي صلى الله عليه وسلم من ” تبوك “، حيث تعرَّض له مجموعة من المنافقين، وأرادوا قتله صلى الله عليه وسلم بإلقائه من مكانٍ عالٍ، وقد نجَّاه الله تعالى من هذا، وكان المكان الذي تم فيه تلك المحاولة يقال له ” العقَبة “.

 

 

* قال ابن الجوزي – رحمه الله -:

هذا الحديث يشكل على المبتدئين؛ لأن أهل العقبة إذا أطلقوا: فإنما يشار بهم إلى الأنصار المبايعين له، وليس هذا من ذاك، وإنما هذه عقبة في طريق تبوك، وقف فيها قوم من المنافقين ليفتكوا به .

” كشف المشكل من حديث الصحيحين ” ( 1 / 257 ).

والقصة صحيحة، لا إشكال فيها، لكن الرافضة الكذَبة زعموا أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا من أولئك المنافقين الذين حاولوا قتله صلى الله عليه وسلم، وهو زعم تافه، والوقت أنفس من أن يضيع في الرد عليه، لولا أننا نطمع بإسلام بعض من اغتر بالدين الرافضي، ونطمع بأن نثبت قلوب عامة أهل السنَّة على الحق الذي وفقهم الله لاتباعه.

روى مسلم ( 2779 ) من طريق الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ ثَنَا أَبُو الطُّفَيْلِ قَالَ: كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعَقَبَةِ وَبَيْنَ حُذَيْفَةَ بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: أَنْشُدُكَ بِاللهِ؛ كَمْ كَانَ أَصْحَابُ الْعَقَبَةِ؟، قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: أَخْبِرْهُ إِذْ سَأَلَكَ، قَالَ – يعني حذيفة -: كُنَّا نُخْبَرُ أَنَّهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْهُمْ فَقَدْ كَانَ الْقَوْمُ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَأَشْهَدُ بِاللهِ أَنَّ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْهُمْ حَرْبٌ للهِ وَلِرَسُولِهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ، وَعَذَرَ ثَلاثَةً، قَالُوا: مَا سَمِعْنَا مُنَادِيَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلا عَلِمْنَا بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ، وَقَدْ كَانَ فِي حَرَّةٍ، فَمَشَى، فَقَالَ: إِنَّ الْمَاءَ قَلِيلٌ فَلا يَسْبِقْنِي إِلَيْهِ أَحَدٌ، فَوَجَدَ قَوْمَاً قَدْ سَبَقُوهُ، فَلَعَنَهُمْ يَوْمَئِذٍ. انتهى.

هذه خلاصة القصة، كما رواها مسلم رحمه الله، فهل يمكن لعاقل أن يصدِّق أن يترك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما رفقة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يتلثمان، ويحاولان قتله؟! ولماذا لم يفعلا هذا قبل ذهابهما معه لـ ” تبوك “؟ ولماذا لم يفعلا هذا أثناء خلوتهما بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو عليهما يسير؟! وقد أوحى الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأسماء أولئك، وقد عذر منهم ثلاثة، فكيف يكون أولئك الأجلاء منهم ولا يحذَر – أو يحذِّر – النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين منهما؟! وكيف يثني عليهما، ويأمر بتقديمهما، ويرضى صحبتهما ونسبهما؟! وكيف يبايع حذيفة رضي الله عنه ذينك الإمامين أبي بكر وعمر وهو يعلم أنهما من المنافقين؟! أسئلة كثيرة ترد إلى القلب الطاهر، والعقل الصريح، ولا جواب عليها إلا أن ما زُعم من الرافضة هو محض كذب، وافتراء، وإن عقلية المؤامرة التي يعيشون معها، ونفسية المريض التي يحيون بها، والعقيدة الخربة التي يعتقدونها، كل ذلك يدفعهم إلى إنشاء مثل تلك الخرافة غير المحبوكة، والتي يضحك منها العقلاء، ولذا فلا نعجب من عدم تشيع من يدخل في الإسلام من الأطباء، والمفكرين، والعلماء، من كافة الأديان؛ لما في دين التشيع من خرافات، تجعل كل عاقل يرفضه، ويأبى أن يكون من أتباعه.

إن ناقل هذه القصة هو حذيفة رضي الله عنه، وهو يخبر بأن من قام بتلك الفعلة الشنيعة هم ” أهل العقبة “، وأين أبو بكر وعمر منهم؟! وكيف يفعل الرافضة في الروايات التي صرَّحت بأسماء أولئك المنافقين وليس بينهم من ذكروا من الصحابة الأجلاء؟!.

* قال ابن كثير – رحمه الله -:

وقد ترجم الطبراني في ” مسند حذيفة ” تسمية أصحاب ” العقبة “، ثم روى عن علي بن عبد العزيز عن الزبير بن بكار أنه قال: هم مُعَتِّب بن قشير، ووديعة بن ثابت، وجد بن عبد الله بن نَبْتَل بن الحارث من بني عمرو بن عوف، والحارث بن يزيد الطائي، وأوس بن قَيْظِي، والحارث بن سُوَيْد، وسعد بن زرارة، وقيس بن فهد، وسويد وداعس من بني الحبلي، وقيس بن عمرو بن سهل، وزيد بن اللصيت، وسلالة بن الحمام، وهما من بني قينقاع أظهرا الإسلام.

” تفسير ابن كثير ” ( 4 / 182، 183 ).

وقد لبَّس صاحب المقال على الناس بالنقل عن ” ابن حزم ” رحمه الله مرتين:

الأولى: زعمه أن ” الوليد بن جُميع ” له رواية يذكر فيها أسماء الصحابة الذين شاركوا في مؤامرة الاغتيال تلك، وبما أن ابن حزم يضعف هذا الرواي: فإنه يلزم قبول الرواية عند من يوثقه، ويحسن حديثه!.

والثانية : ذِكر كتاب ابن حزم المسمى بـ ” المحلى ” كأحد مصادر وجود تلك الرواية التي احتوت على أسماء أولئك الصحابة.

وهذا نص كلامه:

ابن حزم في ” المحلى بالآثار ” ج12 ح 2203 كتاب الحدود يقول:

” وأما حديث حذيفة: فساقط؛ لأنه من طريق الوليد بن جميع، وهو هالك! ولا نراه يعلم من وضع الحديث؛ فإنه قد روى أخبارًا فيها أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، وسعد بن أبي وقاص، رضي الله عنهم: أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وآله، وإلقاءه من ” العقبة ” في ” التبوك “!! “.

نرى أن ابن حزم يُسقط الحديث لوليد بن جميع، والحال: أن وليد من رجال البخاري، ومسلم، وسنن أبي داود، وصحيح ترمذي، وسنن نسائي، والحال: أن كثيراً من كتب الرجال صرحوا بوثاقة! وليد بن جميع. انتهى.

والرد على ذلك من وجوه:

  1. ” الوليد بن جُميع ” ليس من رجال البخاري؛ إذ لم يرو له في الصحيح حديثًا واحدًا، بل روى له خارجه، ومثله لا يقال عنه ” من رجال البخاري “.
  2. أخطأ ابن حزم رحمه الله في وصف الوليد بالهلاك، وأعدل الأقوال فيه أنه ” صدوق يهم ” كما وصفه به الحافظ ابن حجر في التقريب.

 

* وفي ” الجرح والتعديل ” لابن أبي حاتم ( 9 / 8 ):

عن الإمام أحمد وأبي زرعة أنهما قال فيه: ” ليس به بأس “، وأن يحيى بن معين وثقه، وقال أبو حاتم الرازي: ” صالح الحديث “.

  1. لا يُعرف في الدنيا إسناد فيه ذِكر أولئك الصحابة الأجلاء أنهم اشتركوا في محاولة قتل النبي صلى الله عليه وسلم، وابن حزم يضعف ذلك الراوي أصلًا، قبل هذا الحديث، والمفهوم من كلامه رحمه الله أن وضع أسماء أولئك الصحابة كان مقحماً في إسناد الوليد الأصلي للحديث، وأنه لا دخل له به، ومما قاله ابن حزم رحمه الله في هذا الصدد: ” ولا نراه يَعلم مَن وضع الحديث “، فالحديث بذكر أولئك الصحابة مكذوب قطعاً على الوليد بن جُمَيع رحمه الله، ومن هنا كان لا بدَّ من تنبيه المسلمين على ما حذفه ذلك الرافضي من كلام ابن حزم رحمه الله ، فإنه قال بعدها مباشرة:

” وهذا هو الكذب الموضوع، الذي يَطعن الله تعالى واضعَه، فسقط التعلق به، والحمد لله رب العالمين “. ” المحلى ” ( 11 / 224 ).

فانظر كيف دلَّس، ولبَّس، في نقله عن ابن حزم رحمه الله، وهذا الدعاء الذي دعا به ابن حزم رحمه الله لا يمكن إلا أن يصيب رافضيًّا؛ لأنهم هم الذين يكذبون مثل هذه الأكاذيب، ويركبونها على أسانيد صحيحة، مشهورة.

  1. ولو أننا جعلنا ذِكر أسماء المنافقين الذين ذكرهم الزبير بن بكار، والواردة أسماؤهم في رواية البيهقي في ” دلائل النبوة ” من الضعيف غير المقبول: فإننا نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم استأمن حذيفة رضي الله عنه على أسمائهم، وهو أمين سر النبي صلى الله عليه وسلم، وكاتمه، فمِن أين عرفوا أسماء أولئك الملثمين من المنافقين الذين هموا بقتله صلى الله عليه وسلم؟! وللإجابة على هذا السؤال كذب الرافضة فزعموا أن حذيفة رضي الله عنه أخبر بأسمائهم! فانظر إليهم كيف جعلوا حذيفة خائنًا للسر، وليس المهم عندهم إلا تحقيق مأربهم من الطعن في أجلاء الصحابة رضي الله عنهم، ولا يهمهم الثمن الذي يبذلونه من أجل ذلك.

* قال ذلك الرافضي المجوسي في مقاله:

” وفي زمن حكم عثمان بن عفان صرَّح حذيفة بن اليمان رضوان الله عليه بأسماء الذين حاولوا قتل النبي في العقبة، وكان منها أسماء أبو بكر، وعمر، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص، وأبا موسى الاشعري، وأبو سفيان بن حرب، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الرحمن بن عوف.

المصدر: ” المحلى ” لابن حزم الأندلسي ج 11 ص 225، و” منتخب التواريخ ” ص 63 “. انتهى كلامه بما فيه من أخطاء نحوية وركاكة.

 

 

* والرد على هذا من وجوه مختصرة:

أ. أنتم بذلك جعلتم حذيفة رضي الله خائنًا لسر النبي صلى الله عليه وسلم، ومن كان كذلك فهو حري أن لا يُقبل كلامه! وقد ائتمنه النبي صلى الله عليه وسلم عمومًا على كتم أسماء المنافقين، وتحديداً أسماء هؤلاء، فكيف تترضون عنه مع خيانته للأمانة؟! وأما نحن فننزه حذيفة رضي الله عنه عن خيانة الأمانة، ونجزم بأنه لم يفعل ما تفترونه عليه.

ب. أين الرواية التي فيها إخبار حذيفة بأسماء من نوى قتل النبي صلى الله عليه وسلم ؟! وما هو إسنادها؟.

ج. ما ذكروه هنا يؤكد ما قلناه من براءة ” الوليد بن جمَيع ” من الكذب، وذِكر أسماء أولئك الأجلاء من الصحابة، فروايته للحديث كانت خالية من الأسماء، والرافضة قد نسبوا الإخبار بتلك الأسماء لحذيفة رضي الله عنه! فليس توثيق الوليد يعني قبول الرواية التي فيها أسماء أولئك الصحابة – كما سبق ذِكره – فهو ليس موجودًا في إسنادها، بل الرواية نفسها ليست موجودة أصلًا!.

د. إحالتهم على ” المحلى ” من التدليس، والتلبيس، فابن حزم رحمه الله كذَّب الرواية التي فيها ذِكر تلك الأسماء، وغير خافٍ على أحد عظيم كذب الرافضة.

هـ. إحالتهم على ” منتخب التواريخ ” ليس بنافعهم؛ لسبيين:

الأول: الكتاب مؤلفه رافضي، وهو محمد هاشم الخراساني، توفي 1352 هـ، ولا يُعرَف بعدالة، ولا إنصاف، وهو قريب العهد جدًّا من ذلك الكذاب الذي نناقشه.

الثاني: لا يقبل كلام أحد غير مسنَد، ولو كان ثمة إسناد لنقلوه فرحين.

  1. لا يلزم من مخالفة الأئمة لابن حزم في الحكم على ” الوليد بن جُميع ” أن تكون الرواية التي فيها أسماء: أبي بكر، وعمر، وعثمان، ومن معهم: صحيحة؛ إذ لا وجود لها أصلًا، وإنما يلزم الأئمة قبول رواية مسلم التي فيها ذِكر الحادثة من طريق ” الوليد “، ولا نعلم أحداً من المشتغلين بالحديث يقدِّم ابن حزم على مَن ذكرنا مِن أئمة الشأن مِن أهل الحديث.
  2. وعليه : فثمة أمران:

الأول: الرواية الأصلية التي في صحيح مسلم من غير ذِكر أسماء أحد من المنافقين الذين هموا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم: ضعيفة عند ابن حزم؛ لضعف الوليد بن جُميع عنده، وقد سبق أن ضعفه في حديث حذيفة وأبيه عندما عاهدوا المشركين على عدم قتالهم في ” بدر “، والحديث رواه مسلم أيضًا.

والثاني: الرواية التي فيها ذِكر أسماء من قام بتلك المحاولة، والتي فيها ذِكر أبي بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، وغيرهم: موضوعة، مكذوبة، عند ابن حزم! وقد دعا رحمه الله على من افتراها، وجزم بكذبها، وليست علة الرواية هذه وجود الوليد بن جميع، وإنما علتها وجود من كذبها وألصقها برواية الوليد، وقد جزم ابن حزم رحمه الله بأن الوليد لا يعلم من وَضعها، وهو الذي نجزم به.

  1. والعجيب عندنا هو أنه لا توجد رواية عند الرافضة في إثبات أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، رضي الله عنهم حاولوا اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم في ” عقبة تبوك”، ولم يجدوا ما يتعلقوا به غير كلام ابن حزم رحمه الله، ولنكحل عيونهم بهذا النقل عنه لعلهم يكفوا عن الاستدلال بكلامه.

* قال – رحمه الله -:

وأما قولهم – أي: النصارى – في دعوى الروافض تبديل القرآن: فإن الروافض ليسوا من المسلمين! إنما هي فرَقة حدثَ أولُّها بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة، وكان مبدؤها: إجابة ممن خذله الله تعالى لدعوة مَن كاد الإسلام، وهي طائفة تجري مجرى اليهود والنصارى في الكذب، والكفر، وهي طوائف، أشدهم غلوًّا: يقولون بإلهية علي بن أبي طالب، وإلهية جماعة معه، وأقلهم غلوًّا: يقولون إن الشمس رُدَّت على علي بن أبي طالب مرتين، فقومٌ هذا أقل مراتبهم في الكذب: أيُستشنع منهم كذب يأتون به؟!

وكل مَن لم يزجره عن الكذب ديانة، أو نزاهة نفس: أمكنه أن يكذب ما شاء، وكل دعوى بلا برهان: فليس يَستدل بها عاقل، سواء كانت له، أو عليه، ونحن إن شاء الله تعالى نأتي بالبرهان الواضح الفاضح لكذب الروافض فيما افتعلوه من ذلك.

” الفِصَل في الملل والأهواء والنِّحَل ” ( 2 / 65 ) ط الخانجي، و ( 2 / 213 ) ط الجيل.

فسقط – بفضل الله – تعلق الرافضة المجوس بتلك الرواية غير الموجودة أصلًا، وتبين للناس أن ابن حزم رحمه الله يجزم بكذبها، فما نراه في مواقع الرافضة من تعلقهم بكلام ابن حزم رحمه الله قد تبين لهم وجهه، وأنه لا يفيدهم في إثبات دعواهم، والحمد لله رب العالمين.

ثالثًا:

وأما المحاولة الثالثة لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، والتي نجحت بزعم الرافضة: فهي زعمهم أن عائشة وحفصة رضي الله عنهما قد وضعتا السم في فم النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه مات نتيجة لذلك! وأن ذلك الفعل منهما كان بتحريض أبويهما: أبي بكر وعمر، رضي الله عنهما.

* وكان مما قاله ذلك الأفاك المبين:

” وهذه الروايات الموثقة في كتب الحديث عند أهل السنة تكشف أن هناك مؤامرة كبرى دبرها المخططون لقلب النظام الإسلامي، والسيطرة على دفة الحكم، وذلك لاغتيال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وتجريعه سمًّا على أنه دواء للشرب! “. انتهى.

* وقال:

” والأرجح! أنَّ من نفذ هذه العملية هي عائشة وحفصة! زوجتا النبي صلى الله عليه وآله، وبتخطيط من عمر بن الخطاب، وأبي بكر، وأمرٍ منهما؛ حيث أن المستفيد الأكبر: هما، وهما اللذان تحققت أهدافهما، ومصالحهما بقتل النبي صلى الله عليه وآله “. انتهى.

* وهذا نص الرواية، وكلام العلماء فيها، وأوجه الرد على الرافضة في زعمهم الكاذب:

عن عَائِشَة قالت: لَدَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ، وَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا ( لَا تَلُدُّونِي )، فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ بِالدَّوَاءِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: ( أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي )، قُلْنَا: كَرَاهِيَةٌ لِلدَّوَاءِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( لَا يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَّا الْعَبَّاسَ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ ).

رواه البخاري ( 6501 ) ومسلم ( 2213 ).

وعن أَبي بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: أَوَّلُ مَا اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَتَشَاوَرَ نِسَاؤُهُ فِي لَدِّهِ، فَلَدُّوهُ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: ( مَا هَذَا؟ )، فَقُلْنَا: هَذَا فِعْلُ نِسَاءٍ جِئْنَ مِنْ هَاهُنَا – وَأَشَارَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ – وَكَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ فِيهِنَّ قَالُوا: كُنَّا نَتَّهِمُ فِيكَ ذَاتَ الْجَنْبِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ( إِنَّ ذَلِكَ لَدَاءٌ مَا كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَيَقْرَفُنِي بِهِ لَا يَبْقَيَنَّ فِي هَذَا الْبَيْتِ أَحَدٌ إِلَّا الْتَدَّ إِلَّا عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَعْنِي: الْعَبَّاسَ – ) قَالَ: فَلَقَدْ الْتَدَّتْ مَيْمُونَةُ يَوْمَئِذٍ ، وَإِنَّهَا لَصَائِمَةٌ لِعَزْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

رواه أحمد ( 45 / 460 ) وصححه الألباني في ” السلسلة الصحيحة ” (3339).

اللدود: هو الدواء الذي يُصب في أحد جانبي فم المريض، أو يُدخل فيه بأصبع وغيرها ويحنك به، وأما الوَجور: فهو إدخال الدواء في وسط الفم، والسَّعوط: إدخاله عن طريق الأنف.

وذات الجنب: ورمٌ حار يَعْرِضُ في نواحي الجَنب في الغشاء المستبطن للأضلاع

ويلزم ذاتَ الجنب الحقيقي خمسةُ أعراض، وهى: الحُمَّى، والسعال، والوجع الناخس، وضيق النَّفَس، والنبضُ المنشاري.

وهو من الأمراض الخطرة.

قال ذلك كله:

ابن القيم في مواضع من كتابه ” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 4 / 81 – 83 ).

 

 

* ولنا مع هذه الروايتين وقفات:

  1. إن مَن نقل هذه الحادثة للعالَم هو عائشة رضي الله عنها! فكيف تنقل للناس قتلها لنبيها، وزوجها، وحبيبها، صلى اله عليه وسلم؟! وكذلك روت الحادثةَ أم سلمة، وأسماء بنت عُمَيس، رضي الله عنهما، وكل أولئك متهمات في دينهن عند الرافضة، ومشاركات في قتله صلى الله عليه وسلم! ومع ذلك قبلوا روايتهن للحديث!.
  2. كيف عرف الرافضة المجوس مكونات الدواء الذي وضعته عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم؟! .
  3. النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يوضع الدواء نفسه في فم كل من كان في الغرفة إلا العباس رضي الله عنه، فلماذا مات هو صلى الله عليه وسلم منه، ولم يموتوا هم؟!.
  4. لماذا لم يخبر النبي صلى الله عليه وسلم عمَّه العباس رضي الله عنه بما فعلوه من وضع السم في فمه صلى الله عليه وسلم؟! إذا قلتم أخبره: فأين الدليل على إخباره، وإن قلتم: لم يخبره: فكيف علمتم أنه سمٌّ وليس دواء، والعباس نفسه لم يعلم؟!.
  5. السم الذي وضعته اليهودية في الطعام الذي قُدِّم للنبي صلى الله عليه وسلم كُشف أمره من الله تعالى، وأخبرت الشاةُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أنها مسمومة، فلماذا لم يحصل معه صلى الله عليه وسلم الأمر نفسه في السمّ! الذي وضعته عائشة في فمه؟!.
  6. لم يُعط الدواء للنبي صلى الله عليه وسلم من غير علَّة، بل أعطيه من مرضٍ ألمَّ به.
  7. لم يُعط النبي صلى الله عليه وسلم الدواء إلا بعد أن تشاور نساؤه رضي الله عنهن في ذلك الإعطاء.
  8. لا ننكر أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مات بأثر السم! لكن أي سم هذا؟ إنه السم الذي وضعته اليهودية للنبي صلى الله عليه وسلم في طعام دعته لأكله عندها، وقد لفظ صلى الله عليه وسلم اللقمة؛ لإخبار الله تعالى بوجود السم في الطعام، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم في آخر أيامه أنه يجد أثر تلك اللقمة على بدنه، ومن هنا قال من قال من سلف هذه الأمة إن الله تعالى جمع له بين النبوة والشهادة، والعجيب أن بعض الرافضة يُنكرون هذه الرواية، ويبرؤون اليهود من تلك الفعلة الدنيئة، مع تواتر الرواية، وصحة أسانيدها، ومع إخبار الله تعالى أن اليهود يقتلون النبيين، ومع ذلك برأتهم الرافضة! وغير خاف على مطلع سبب ذلك الدفاع عن اليهود من قبَل الرافضة، وما ذاك إلا لأن مؤسس هذا المذهب هو ” عبد الله بن سبأ ” اليهودي! فصار من الطبيعي أن يُبرَّأ اليهود مع صحة الرواية، وتلصق التهمة بأجلاء الصحابة مع عدم وجود مستند صحيح، ولا ضعيف!.
  9. من الواضح في الرواية أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم لم يفهمن من نهي النبي صلى الله عليه وسلم بعدم لدِّه أنه نهي شرعي، بل فهموا أنه من كراهية المريض للدواء، وفهمهم هذا ليس بمستنكر في الظاهر، وقد صرَّحوا بهذا، وإن لم يكن لهم عذر عند النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الأصل هو الاستجابة لأمره صلى الله عليه وسلم، قد أخطئوا في تشخيص دائه صلى الله عليه وسلم، لذا فقد ناولوه ما ليس بدوائه.

* قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

وإنما أنكر التداوي لأنه كان غير ملائم لدائه؛ لأنهم ظنوا أن به ” ذات الجنب”، فداووه بما يلائمها، ولم يكن به ذلك، كما هو ظاهر في سياق الخبر، كما ترى. ” فتح الباري ” ( 8 / 147، 148 ).

  1. وهل اقتص منهم صلى الله عليه وسلم، أم أراد تأديبهم؟ الظاهر أن ما فعله صلى الله عليه وسلم من إلزامهم بتناول ذلك اللدود أنه من باب التأديب، ومما يدل على أنه ليس من باب القصاص: أنه لم يلزمهم بالكمية نفسها التي وضعوها له.

* قال أبو جعفر الطحاوي – رحمه الله –

فإن قال قائل: فهل كان ما أمر أن يُفعل قصاصًا ممن أمر أن يفعل ذلك به مما فعلوه به؟ قيل له: قد يُحتمل أن يكون ذلك كان منه على العقوبة، والتأديب, حتى لا يَعُدن إلى مثله, ومما يدل على أن ذلك ليس على القصاص: أنه لم يَأمر أن يُلدُّوا بمقدار ما لَدُّوه به من الدواء؛ لأنه لو كان قصاصًا: لأمر أن يُلدوا بمقدار ما لَدوه به، لا بأكثر منه. ” شرح مشكل الآثار ” ( 5 / 198 ).

* وقال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -:

والذي يظهر أنه أراد بذلك تأديبهم؛ لئلا يعودوا، فكان ذلك تأديبًا، لا قصاصًا، ولا انتقامًا. ” فتح الباري ” ( 8 / 147 ).

  1. الاشتباه بنوع مرضه صلى الله عليه وسلم: محتمل؛ لأن كلاًّ منهما – أي: ما كان فيه صلى الله عليه وسلم من مرض، وما ظنوه – له الاسم نفسه، فكلاهما يُطلق عليه ” ذات الجنب “، وكلاهما له مكان الألم نفسه، وهو ” الجنب “.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

وذاتُ الجنب عند الأطباء نوعان: حقيقي، وغيرُ حقيقي، فالحقيقي: ورمٌ حار يَعْرِضُ في نواحي الجَنب، في الغشاء المستبطن للأضلاع، وغير الحقيقي: ألم يُشبهه يَعْرِضُ في نواحي الجنبِ، عن رياح غليظة، مؤذيةٍ، تحتقِن بين الصِّفاقات – وهي الأغشية التي تغلف أعضاء البطن -، فتُحْدِث وجعًا قريبًا من وجع ذات الجنب الحقيقي، إلا أن الوجعَ فى هذا القسم ممدودٌ، وفي الحقيق ناخسٌ.

 

 

* وقال:

والعلاج الموجود في الحديث: ليس هو لهذا القسم، لكن للقسم الثاني الكائن عن الريح الغليظة، فإنَّ القُسْطَ البحري – وهو العود الهندي على ما جاء مفسَّرًا في أحاديث أُخَر – صِنفٌ من القُسْط، إذا دُقَّ دقاً ناعمًا، وخُلِط بالزيت المسخن ، ودُلِكَ به مكانُ الريح المذكور، أو لُعِق: كان دواءً موافقًا لذلك، نافعًا له، محلِّلاً لمادته، مُذْهِبا لها، مقويًّا للأعضاء الباطنة، مفتِّحًا للسُّدد، والعودُ المذكور في منافعه كذلك.

” زاد المعاد في هدي خير العباد ” ( 4 / 81 ، 82 ).

فهنَّ رضي الله عنهن اعتقدن أن مرضه صلى الله عليه وسلم هو الأول الحقيقي، وهو الذي استبعد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبتليه الله به، وقد ناولوه دواء المرض الآخر، وكان الدواء هو ” القُسط الهندي ” وقد دقوه وخلطوه بزيت – كما في رواية الطبراني -، وهو مفيد لمن تناوله حتى لو لم يكن به مرض، لذا فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم كل من شارك في إعطائه له، ومن رضي به: أمر أن يلد به! ولو كان فيه ضرر لم يكن ليأمر بذلك صلى الله عليه وسلم.

  1. ليس في الروايتين – ولا في غيرها – ذِكرٌ لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وإنما الذي تشاور في الأمر هم نساؤه رضي الله عنهن، ولا فيهما أن عائشة وحفصة استشارتا أبويهما في ذلك التصرف.

 

وبما سبق يتبين – بفضل الله وتوفيقه – عدم ثبوت أيٍّ من مزاعم ذلك الرافضي، ومثله ما زعمه من سمِّي ” نجاح الطائي ” في كتابه الهالك ” هل اغتيل النبي محمَّد “، وإنه كلما رددنا على الرافضة شبهة من شبهاتهم: تبن لهم ضحالة تفكيرهم، وسوء معتقدهم، كما تبين لنا قوة أهل السنَّة في حجتهم، وصحة أدلتهم، واستدلالاتهم ، وهي نعمة عظيمة منَّ الله بها أن أخرجنا من الظلمات إلى النور، وأن رزقنا منهجاً سليمًا، وطريقًا مستقيمًا، وأبان لنا المحجة، وأنار لنا الدرب، فلا يزيغ عن الطريق بعد ذلك إلا هالك.

 

والله أعلم.

 

 

تستمع مع زوجها آيات من القرآن فإذا جاء ذكر الحور العين تغلق المسجل! فهل تأثم؟

تستمع مع زوجها آيات من القرآن فإذا جاء ذكر الحور العين تغلق المسجل! فهل تأثم؟

السؤال:

عندما أستمع إلى القرآن بمعية زوجي وتأتي آيات وصف الحور العين: يقوم بعمل بعض الحركات، التي تجعلني أشعر بالغيرة، فهل يجوز أن أوقف القراءة؟ وهل أنا آثمة بذلك؟.

 

الجواب:

الحمد لله

كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب استماع القرآن من غيره .

عَن ابن مَسعودٍ رضي اللَّه عنه قالَ: قال لي النبيُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: ( اقْرَأْ علَيَّ القُرآنَ ) قلتُ: يا رسُولَ اللَّه، أَقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟، قالَ: ( إِني أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي ) فقرَأْتُ عليه سورَةَ النِّساء، حتى جِئْتُ إلى هذِهِ الآية: ( فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّة بِشَهيد وِجئْنا بِكَ عَلى هَؤلاءِ شَهِيدا ) النساء/ 40: قال: ( حَسْبُكَ الآن ) فَالْتَفَتَّ إِليْهِ، فَإِذَا عِيْناهُ تَذْرِفانِ. رواه البخاري ( 4763 ) ومسلم ( 800 ).

وعلى ذلك لا ينبغي للمرأة أن تمتنع من هذه الحسنة – وهي استماع القرآن – لهذه السبب بل يجب عليها أن تضبط غيرتها؛ والغيرة أمر مغروس في فطرة النساء، لكنها ليست غيرة من الحور العين! فدخول زوجها الجنة، وتمتعه بالحور العين لن تكون معه في حسرة؛ إذ ليس مثل هذا في الجنة، بل المسلمات من أهل الجنة خير من الحور العين، ولا ينبغي للمرأة أن تقيس أحوال الآخرة على أحوال الدنيا، فما يكون منها تجاه ضراتها: لن يكون مثله في الآخرة تجاه الحور العين، فهي في نعيم عظيم، مقيم، ليس فيه ما ينغص عليها، ولا ما يؤلمها، وعلى المرأة المسلمة أن يكون همها دخول الجنة، والفوز برضوان ربها تعالى.

ثم إن الآيات التي في القرآن مما وصف الله فيها الحور العين: قليلة جدًّا، فلا ينبغي للزوج أن يفعل ما يغيظ زوجته عند سماع تلك الآيات، ولا ينبغي للزوجة أن تدقق على هذا، وتقف عنده، ولو صنع زوجها ما صنع، ويمكنها قهر شيطانها، وشيطانه، بقولها: ” أسأل الله أن يرضى عنك، وأن يدخلك الجنة، وأن يقرَّ عينك بالشهادة لتنال سبعين من الحور العين “! فتخيلي للحظة لو أن هذا الموقف هو الذي صدر منك، بدلًا من إغلاق المسجل الذي يُتلى منه القرآن: فكم سيكون مؤثرًا في ، وكم سيكون مخزيًا للشياطين التي تجتهد في التفريق بينكما لمثل هذا.

 

ثم إن الله تعالى أنزل القرآن لحكم كثيرة، ومنها: التذكر، والتفكر، والاعتبار، والهداية، فأين أنتما عن هذا كله مع هذه الأفعال؟!.

 

فالنصيحة للأخت السائلة أن لا توقف القراءة لهذا السبب – ولا نقول بأنها آثمة لو فعلت -، وأن تضبط غيرتها، والنصيحة للزوج أن يتقي الله ويحسن صحبة زوجته، وأن لا يستعمل القرآن في الكيد، والقهر.

 

ونسأل الله أن يوفقكم لما يحب ويرضى، وأن يؤلف بين قلوبكم.

 

والله أعلم.

 

يعمل شرطيًّا في شرطة بريطانيا فهل له الجمع بين الصلوات أحيانًا؟

يعمل شرطيًّا في شرطة بريطانيا فهل له الجمع بين الصلوات أحيانًا؟

السؤال:

أعمل في  الشرطة في ” بريطانيا “، وسؤالي يتعلق بأداء الصلاة أثناء أداء العمل، ففي بعض الأحيان أكون في مهمة القبض على شخص ما، ويصادف ذلك وقت صلاة العصر – على سبيل المثال – وقس على ذلك بقية الصلوات، فما العمل في مثل هذه الحالات؟.

 

الجواب:

الحمد لله

أولَا:

لا بد أن يعلم السائل أن عمله في الشرطة في تلك البلاد لا بد أن يقيد جوازه بشرط عدم الوقوع في محذور مخالف للشريعة، وفي مثل تلك البلاد غير الإسلامية يكون للشرطي أعمال كثيرة قد يكون في كثير منها مخالفة للشرع، كاعتقال أهل الإسلام لمجرد دينهم، أو تنفيذ القوانين الجائرة المتعلقة بالأسرة، وغيرها، أو حماية أهل الكفر، والفجور، في منتدياتهم، ومحالهم.

وليس هذا الحكم خاصًّا بالعمل في تلك البلاد، وفي تلك الوظيفة، بل هو عامّ في البلاد كلها، وفي جميع الوظائف.

واعلم أن من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه، وقال الله تعالى: ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ) الطلاق/ 2، 3.

ثانيًا:

جعل الله للصلاة وقتًا محددّا، كما قال سبحانه وتعالى: ( إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ) النساء/ 103، ولا شك أن من أحب الأعمال إلى الله: المحافظة على الصلاة في وقتها، كما جاء في الحديث عن عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود  قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: ( الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا ) قَالَ: ثُمَّ أيٌّ؟ قَالَ: ( ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ )، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: ( الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ).

رواه البخاري ( 504 ) ومسلم ( 85 ).

وتأخير الصلاة حتى يخرج وقتها من كبائر الذنوب, ومن العلماء من قال بكفره، وعلى ذلك: لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها بسبب العمل، إذا كانت طبيعة العمل تتطلب دائمًا التأخر عن الصلاة.

 

ثالثًا:

يجوز الجمع بين الصلاتين – الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء – لبعض الأعمال الضرورية، والتي يترتب على تأخيرها مفسدة، كالطبيب حال أداء عملية جراحية – مثلًا -.

* قال علماء ” اللجنة الدائمة “:

على الطبيب المتخصص في إجراء العمليات : أن يراعي في إجرائها الوقت الذي لا يفوت به أداء الصلاة في وقتها، ويجوز في حال الضرورة: الجمع بين الصلاتين، جمع تقديم، أو تأخير، كالظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء، حسبما تدعو إليه الضرورة، أما إذا كانت لا تجمع إلى ما بعدها، كالعصر، والفجر: فإن أمكن أداؤها في وقتها ولو كان عن طريق النوبة لبعض العاملين، ثم يصلي الآخرون بعدهم: فذلك حسن، وإن لم يمكن ذلك: فلا حرج في تأخير الصلاة، وقضائها بعد انتهاء العملية ؛ للضرورة، وهي تقدر بقدرها. الشيخ عبد الله آل الشيخ، الشيخ صالح الفوزان، الشيخ بكر أبو زيد. ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 25 / 301 ).

وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

 

ويقاس على ذلك: بعض الأعمال التي يترتب على تأخيرها مفسدة, وعليه: فينظر في عذر السائل, فإن كان يترتب على هذه المهمة مفسدة، كهروب المطلوب مثلا: فيجوز الجمع، مع بيان أن الضرورة تقدر بقدرها.

 

والنصيحة للسائل أن يجتهد في أن تكون أعماله موافقة للشرع، لا مخالفة له، ويجتهد في المحافظة على الصلوات على وقتها.

 

والله أعلم.

 

 

سقطت أمها من مكان عالٍ فماتت، فهل لها أجر الشهداء؟

سقطت أمها من مكان عالٍ فماتت، فهل لها أجر الشهداء؟

السؤال:

أمي كانت ربة منزل، أفنت حياتها في بيتها، وخدمتنا، وبينما كانت تركّب حبلًا للغسيل، أو منشرًا في البلكونة بالدور الرابع: سقطت منها؛ لأنها وقفت على كرسي بجانب السور،  وماتت ، وسؤالي هو: هل تعتبر أمي في إحدى درجات الشهداء؟. شكرًا، وجزاكم الله خيرًا.

 

الجواب:

الحمد لله

نسأل الله تعالى أن يرحم أمكِ رحمة واسعة، وأن يثيبها ثوابَا جزيلَا، وأن يغفر لها ذنبها كلَّه، دِقَّه وجِلَّه، أوله وآخره، سره وعلانيته.

وأما بخصوص تحصيل الميت لأجر الشهداء في الآخرة إن مات في غير المعركة: فقد جاءت نصوص نبوية صريحة تبين سعة فضل الله تعالى في كتابة أجر الشهادة لأولئك، ويمكن حصرهم بما يلي:

  1. الموت بداء البطن.
  2. الموت بسبب الهدم، ويدخل فيه حوادث السيارات.
  3. الموت غرقًا.
  4. موت المرأة في نفاسها بسبب ولدها، أو وهي حامل به.
  5. الموت حرقًا.
  6. الموت بمرض ” ذات الجنب “، وهو كُلّ وجع في الجنب، اشتقاقًا من مكان الألم.
  7. الموت بمرض السلّ.
  8. الموت بالطاعون.
  9. الموت دفاعاً عن الدين، أو المال، أو النفس.

* قال الحافظ ابن – رحمه الله -:

قال ابن التين رحمه الله: ” هذه كلها ميتات فيها شدة، تفضل اللّه على أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم بأن جعلها تمحيصًا لذنوبهم، وزيادة في أجورهم، يبَلِّغهم بها مراتب الشهداء “.  ” فتح الباري ” ( 8 / 438 ).

وكما ترين فليس في السنَّة المرفوعة للنبي صلى الله عليه وسلم ما يبيِّن أن أجر من مات من مكان عالٍ أن له أجر الشهيد، إلا أن تكون والدتك لم تمت جراء السقطة، بل من أجل نزيف داخلي في البطن، فيرجى أن يكون لها أجر الشهادة الأخرى بسبب ذلك.

وقد جاء عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود من قوله ما يجعل المتردي من مكانٍ عالٍ شهيدًا، فهذا إما أن يكون له حكم الرفع، أو يستأنس به.

روى عبد الرزاق الصنعاني في ” مصنفه ” ( 5 / 269 ) والطبراني في ” معجمه الكبير ” ( 9/  ص 345 ) عن ابن مسعود قال: إن من يتردى من رؤوس الجبال، وتأكله السباع، ويغرق في البحر: لشهيد عند الله.

وصححه الحافظ ابن حجر في ” فتح الباري ” ( 6 / 44 ).

واعلمي أن الله تعالى لا يضيع أجر المحسنين، والأم بما تبذله من عطاء لزوجها، وأولادها، وبيتها، يكون لها الأجور العظيمة، والتي نرجو أن يجزي اله تعالى بها والدتك خير الجزاء.

ونوصي أولادها وزوجها بقضاء ديونها المادية، والصيام عنها إن كان في ذمتها أيام واجبة لم تصمها، كما نوصيهم بالحج عنها إن لم تكن حجت، مع الإكثار من الدعاء لها بالرحمة، والمغفرة، وعظيم الأجر.

 

والله أعلم.

 

ما هي الأوصاف التي يُنادى بها على الكافر؟ وهل يجوز قول ” أخي ” و ” سيدي”؟

ما هي الأوصاف التي يُنادى بها على الكافر؟ وهل يجوز قول ” أخي ” و ” سيدي”؟

السؤال:

نحن طلاب ندرس في جامعة في أمريكا, ونعمل برامج دعوية لغير المسلمين للدعوة إلى الله، بعض الأحيان نستعمل بعض الطرق التي لا ندري عن صحتها مثل: ” البرامج المختلطة بين الرجال والنساء ” بحكم العادات، والتقاليد هنا في أمريكا، وبعض الأحيان نستعمل ألفاظ مثل ” سيدي “، أو ” صديقي “، أو ” أخي “، وكلمة ” أخي ” تعتبر دارجة بين أوساط الشباب.

أفتونا – مأجورين – في حكمها، ونرجو أن ترشدونا في كيفية التعامل مع غير المسلمين. جزاكم الله خيرًا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ملاحظة: اعذرونا إذا كان الأسلوب غير واضح.

 

الجواب:

الحمد لله

أولًا:

الدراسة المختلطة بين الرجال والنساء فيها مفاسد جمَّة، ولها آثار سيئة على كلا الجنسين، فإذا كانت هذه الدراسة المختلطة في بلد غير محافظ: ازداد الأمر سوءً، وعظمت المفاسد.

 

ثانًيا:

وفي الوقت الذي ننكر الدراسات المختلطة، وفي مثل تلك الدول غير المسلمة: نشجع الطلبة على الالتزام ببرامج إيمانية فيها تزكية لنفوسهم؛ تعويضًا عما ينقص بالمشاهدات المحرَّمة، التي تضعف الإيمان، ونشجع على الالتزام ببرامج دعوية؛ استثمارًا لوجودهم في بلدان غير مسلمة، لدعوة أهلها إلى الإسلام، في فرصٍ قد لا تتكرر.

فنرجو الله أن يوفقكم في مسعاكم ، ونسأله أن يعظم لكم الأجور ، ومن الجيد أن يكون لكم اتصال مع أهل العلم ، ومواقع الفتوى ، للسؤال عما يشكل عليكم، وتجدون في موقعنا أجوبة كثيرة لمسائل متعددة ، تهمكم ، وتتعلق بشؤونكم .

 

ثالثًا:

ونحن يفرحنا وجود ترتيب لجهودكم في الدعوة إلى الله، وتنظيم لعملكم ذاك، ونرى أن الدعوة إلى الله في مثل تلك البلاد تحتاج لعقلاء، وحكماء، ومبدعين، لإيصال رسالة الإسلام لأكبر قدر ممكن من المدرسين، والطلبة، مع التنبيه أن يحاط ذلك كله بالالتزام بأحكام الشرع، والتي تحكم على أقوال، وأفعال الدعاة.

وجوابًا على أسئلتكم تحديدًا نقول:

  1. لا يجوز لكم عمل برامج دعوية فيها اختلاط نساء برجال، ونرى أن التزامكم بالشرع في هذا الباب واجب عليكم؛ استجابة لأوامر الشرع في تحريم الاختلاط، ودفعًا للفتن المترتبة على ذلك، وهذا في حال أن تكونوا أنتم من يقيم ذلك المعرض، أو البرنامج، وأما أن يكون قائمًا من قبَل البلدة، أو الجامعة، ويكون منكم استثمار له، بوجود زاوية تعرضون فيها مواد سمعية، ومرئية، ونصية، عن الإسلام: فلا نرى في ذلك بأسًا، بشرط أن يكون القائم على تلك الزاوية مجموعة من الشباب، وليس فردًا واحدًا، وأن يكون عنده من العلم الشرعي والحكمة ما يجعله مؤهلًا للقيام بذلك العمل.
  2. لا يجوز لكم استعمال الألفاظ الشرعية الخاصة بالمسلمين، كلفظ ” أخي “، ولا الألفاظ التي فيها إظهار المودة المنهي عن وجودها عند المسلم تجاه غير المسلم، كلفظ ” صديقي “، ولا الألفاظ التي نهينا عن مخاطبة الكفار بها، كلفظ ” سيِّد “.

وقد رأينا من ينكر مثل هذه الأحكام، ويتعجب من تشريعها، ومن جهل أحكام الشرع وحكَمه لا يُتعجب منه ذلك الإنكار، والإسلام لا يطلب العبوسة في وجه أولئك الكفار، ولا مخاطبتهم بأبشع أسلوب، وأفظ طريقة، فهو ينهى عن موادتهم، ويجيز برهم ومعاملتهم بالحسنى، ويمنع من ابتدائهم بالسلام، ويجيز غيرها من تحيات اللقاء، وهكذا نقول هنا، فإذا رأينا العلماء يمنعون من مناداة الكفار بألفاظ ” الأخوة “، و ” الصداقة ” ، و ” السيادة “: فهم لا يمنعون من مناداتهم بأسمائهم، أو كناهم، ولا يمنعون من ألفاظ مباحة في مخاطبتهم، كـ ” زميل “، أو ” جار “، أو ” قريب “.

* سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله -:

عن حكم قول: ” أخي ” لغير المسلم؟ وكذلك قول: ” صديق ” و ” رفيق “؟ وحكم الضحك إلى الكفار لطلب المودة؟.

فأجاب:

أما قول: ” يا أخي ” لغير المسلم: فهذا حرام، ولا يجوز، إلا أن يكون أخًا له من النسب، أو الرضاع؛ وذلك لأنه إذا انتفت أخوة النسب والرضاع: لم يبق إلا أخوَّة الدين، والكافر ليس أخاً للمؤمن في دينه، وتذكر قول نبي الله تعالى نوح: ( رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ).

وأما قول: “صديق “، ” رفيق “، ونحوهما: فإذا كانت كلمة عابرة يقصد بها نداء من جهل اسمه منهم: فهذا لا بأس به، وإن قصد بها معناها توددًا وتقربًّا منهم: فقد قال الله تعالى: ( لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ )، فكل كلمات التلطف التي يقصد بها الموادة : لا يجوز للمؤمن أن يخاطب بها أحدًا من الكفار.

وكذلك الضحك إليهم لطلب الموادة بيننا وبينهم: لا يجوز، كما علمت من الآية الكريمة  ” مجموع فتاوى الشيخ العثيمين ” ( 3 / 42، 43 ).

– كما أنه في جواز معاملة الكفار بالرفق، واللين؛ طمعا في إسلامهم.

  1. وأما النهي عن قول ” سيد “، أو ” سيدي ” لأحدٍ من الكفار: فقد جاء ذلك في نص صحيح.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( لاَ تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ ).

رواه أبو داود ( 4977 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود “.

وإذا كان هذا الحكم في المنافق الذي يُظهر الإسلام: فهو في الكافر من باب أولى، وقد جعل الإمام النووي – وغيره – هذا الحكم  شاملًا للفاسق، والظالم، والمبتدع ، فقد بوَّب في كتابه ” رياض الصالحين “، فقال: ” باب النهي عن مخاطبة الفاسق والمبتدع ونحوهما ب” سيِّد “، ونحوه “، واستدل على هذا التبويب بحديث بريدة.

* وقال – رحمه الله -:

لا بأس بإطلاق فلان سيِّد، ويا سيدي، وشبه ذلك إذا كان المسوَّد فاضلًا، خيِّرًا، إما بعلْم، وإما بصلاح، وإما بغير ذلك، وإن كان فاسقًا، أو متهمًّا في دينه، أو نحو ذلك: كُره له أن يقال ” سيِّد “.

وقد روينا عن الإمام أبي سليمان الخطابي في ” معالم السنن ” في الجمع بينهما نحو ذلك. ” الأذكار ” ( ص 362 ).

* وقال ابن القيم – رحمه الله – تحت فصل خطاب الكتابي بسيدي ومولاي ” -:

وأما أن يُخاطب بـ ” سيدنا “، و ” مولانا “، ونحو ذلك: فحرام قطعًا، وفي الحديث المرفوع ( لا تقولوا للمنافق سيدنا فإن يكن سيدكم فقد أغضبتم ربكم ).

” أحكام أهل الذمة ” ( 3 / 1322 ).

* وقال الشيخ حمود التويجري – رحمه الله -:

ولا يجوز وصف أعداء الله تعالى بصفات الإجلال والتعظيم كالسيد، والعبقري، والسامي ونحو ذلك، لما رواه أبو داود والنسائي والبخاري في الأدب المفرد عن بريدة رضي الله عنه ….

وقد قلَّت المبالاة بشأن هذا الحديث الشريف، حتى صار إطلاق اسم ” السيد ” ونحوه على كبراء الكفار، والمنافقين، مألوفَا عند كثير من المسلمين في هذه الأزمان، ومثل السيد ” المستر ” باللغة الإفرنجية، وأشد الناس مخالفة لهذا الحديث: أهل الإذاعات؛ لأنهم يجعلون كل مَن يستمع إلى إذاعاتهم من أصناف الكفار، والمنافقين، سادة، وسواء عندهم في ذلك الكبير، والصغير، والشريف، والوضيع، والذكر، والأنثى، بل الإناث هن المقدمات عندهم في المخاطبة بالسيادة، وفي الكثير من الأمور خلافًا لما شرعه الله من تأخيرهن.

وبعض أهل الأمصار يسمُّون جميع نسائهم: ” سيدات “، وسواء عندهم في ذلك المسلمة، والكافرة، والمنافقة، والصالحة، والطالحة.

ويلي أهل الإذاعات في شدة المخالفة لحديث بريدة رضي الله عنه: أهل الجرائد، والمجلات، وما شابهها من الكتب العصرية؛ لأنهم لا يرون بموالاة أعداء الله، وموادتهم، وتعظيمهم: بأسًا، ولا يرون للحب في الله، والبغض في الله، والموالاة فيه، والمعاداة فيه: قدرًا، وشأنًا. ” تحفة الإخوان بما جاء في الموالاة والمعاداة والحب والبغض والهجران ” ( ص 20 ، 21 ) ترقيم الشاملة.

فاحذروا من مخالفة الشرع في إطلاق الألفاظ التي هي مختصة بأهل الإسلام، أو فيما فيه إظهار الحب والود لهم، وفيما فيه تعظيم لهم، ويباح لكم غير ذلك مما لا مخالفة للشرع فيه، كأن يُذكر اسمه، أو كنيته، أو بوصف ” الجوار ” – وإليه الإشارة في قوله تعالى ( وَالْجَارِ الْجُنُبِ ) النساء/ من الآية 36 -، أو ” القرابة ” – كما في قوله صلى الله عليه ويلم لعمِّه أبي طالب ” يَا عَمُّ ” -، أو ” المسمَّى الوظيفي ” – كقولكم ” رئيس الجامعة “، أو ” عميد الكلية “، كما وصف النبي صلى الله عليه وسلم هرقل بـ ” عظيم الروم ” -، وغيرها من الأوصاف المباح مناداته بها.

 

رابعًا:

ونختم بهذه الفائدة:

أن مسائل أسماء الكفار، ولباسهم، ومراكبهم، وتغييرها، أو تمييزها عن المسلمين، مما يوجد في زمان المسلمين السالف، وفيما يُذكر في كتب الفقه: ليس يُعمل به على كل حال، وفي كل بيئة، بل هو راجع للمصلحة والمفسدة، والقوة والضعف، فنرجو مراعاة ذلك ممن يتشدد في هذه المسائل، ممن يطعن فيها ويميعها.

* قال ابن القيم – رحمه الله -:

ومَن تأمَّل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في تأليفهم الناس على الإسلام بكل طريق: تبيَّن له حقيقة الأمر، وعلِم أن كثيرًا مِن هذه الأحكام التي ذكرناها – من الغيار، وغيره – تختلف باختلاف الزمان، والمكان، والعجز، والقدرة، والمصلحة، والمفسدة.

” أحكام أهل الذمة ” ( 3 / 1321 ).

 

والله أعلم.